الموقع قيد التحديث!

“ينبوع من العمل والعطاء” سيرة حياة الشّيخ الفاضل أبو حسين علي صالح نصر الدّين

بقلم العمامة

الحمد لمن جعل في النّاس من يبذل بلا منّة، ويُعطي بلا طلب جزاء، يحمل في قلبه نور التّوحيد، وفي عمله أثر الصّالحين، أولئك الّذين عُرفوا بأفعالهم قبل أقوالهم، وساروا على درب المروءة والخدمة، لا يبتغون إلّا رضى المولى. فالعطاء دَيدَنهم، والخير زادهم، والنّاس تشهد على فضلهم، كيف لا وقد اختاروا أن يكونوا للنّاس نفعًا، وفي مجتمعهم بركة، ولطائفتهم سندًا وأصالة..

بمبادرة طيّبة مباركة، وصل لمجلة “العمامة” كتاب صدر من قِبل وتحت رعاية مؤسّسة ياد سارة فرع قرية عسفيا الكرمليّة، يستعرض فصولًا من حياة الشّيخ أبو حسين علي صالح نصر الدّين العريضة والغنيّة الّتي تميزّت بعطاءٍ متواصل لا يعرف الكلل في سبيل خدمة مجتمعه وطائفته ودولته.

يروي الكتاب قصّة حياة الشّيخ الفاضل علي صالح نصر الدّين الّذي وُلد في السّادس من شهر تموز سنة 1941 في قرية دالية الكرمل، ونشأ في بيت مشهود له بالتّقوى والورع والدّين، سليل عائلة عُرفت بمكانتها الدّينيّة والاجتماعيّة. فجدّه لأبيه، الشّيخ الجليل أبو حسين علي نصر الدين (1855–1940)، كان ممّن لزموا الخلوة قرابة أربعين عامًا، واشتهر بحكمته وفراسته في حلّ القضايا وخصوصًا المستعصية منها، وكان محلّ تقدير من المشايخ في الكرمل والجليل ولبنان، وعلى رأسهم الشّيخ أبو حسين محمود فرج، تغمّدهم الله برحمته. أمّا والده، الشّيخ أبو علي صالح نصر الدّين، فكان رجل دين وتقوى ومأذونًا شرعيًا على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا، عُرف بصوته الجهوريّ، وحكمته البالغة، ومواعظه الّتي جمعت في جميع المناسبات بين البلاغة والموعظة الحسنة. ومن جهة والدته أم علي نايفة الّتي يعود نسبها إلى عائلة خير، وهي من العائلات العريقة، فقد كان جدّه الشّيخ أبو نجيب سلمان خير صاحب مكانة مرموقة زمن الانتداب البريطانيّ، وقد نال وسامًا ذهبيًّا رسميًا تقديرًا لخدماته وأعماله الاجتماعيّة المرموقة.

لقد قضى الشّيخ أبو حسين علي طفولته في الحارة الغربيةّ قرب مقام سيدنا أبي إبراهيم عليه السّلام، مثل معظم أترابه حيث نشأ أبناء القرية على البساطة والكدّ والاعتماد على النّفس، ومنذ صغره شارك والديه في أعمال الزّراعة وتربية المواشي، فكان عاملًا نشيطًا يعين ويشارك دون تذمّر. في سن الخامسة عشرة، خرج للعمل في “كيبوتس عين جدي”، وبعد سنوات التحق في أواخر عام 1959 بشركة المياه القطرية “مكوروت”، بعد أن اجتاز امتحان الدّين، ونال شهادة متديٍّن من مشايخ الطّائفة، رحمهم الله: الشّيخ أبو علي محمد حلبي، الشّيخ أبو جمال نصر الدّين نصر الدين، والشّيخ أبو هاني حسين قبلان. منذ ذاك الحين، سار في طريق التّعب والكفاح، حيث عمل نهارًا ودرس ليلًا، وتبوّأ عدّة وظائف هامّة في الشّركة، وشارك في مشاريع وطنيّة كبرى، منها المشروع القطريّ للمياه في منطقة البطوف ومشاريع تحويل مياه الشّتاء في برديس حنا وبناء الجسور ومعهد التّطهير في مدينة حيفا وغيرها من المشاريع الهامّة الّتي كان فيها مديرًا ومسؤولًا مرموقًا. وقد عُرف بإخلاصه، ونال شهادات تقدير وجوائز، أبرزها شهادة تفوّق بنسبة 98% بالإضافة الى عدد من الأوسمة وشهادات التّقدير الأخرى.

تزوّج الشّيخ علي من السّيدة الفاضلة أم حسين سميرة خير سلمان خير، من قرية أبو سنان، وهي ابنة خاله، الّتي تُعرف بتديّنها الشّديد وورعها وكرمها وسخاها وإخلاصها وتفانيها وصفاتها الحميدة وتربيتها الصّالحة لأبنائها وحرصها الشّديد على إدارة شؤون بيتها على أحسن وجه وعلى سعادة عائلتها وحثّ أفراد أسرتها على النّشاط والمثابرة والمواظبة ليصلوا إلى أعلى درجات التّميّز والتألّق والنّجاح. وقد رزقه الله خمس بنات وابنًا واحدًا: دالية، أمال، سونيا، منال وهيام، وجميعهن تلقين العلم في المعاهد العليا، وتألّقن في مجالات التّربية والتّعليم. أمّا ابنته هيام، فهي دكتورة ومحاضِرة جامعيّة في جامعة حيفا وكليّة غوردون للترّبية، وابنه حسين حاصل على لقب دكتوراه في الهندسة الصّناعيّة والإدارة من معهد الهندسة التّطبيقيّة التّخنيون، ويُدرّس في كلية براوده والتّخنيون.

يجمع الشّيخ أبو حسين علي بين الورع والعلم وبين التّواضع والبصيرة، وهو من رجالات التّوحيد المعروفين، لبق الحديث وبليغ التّعبير، حلو المعشر، وقور في خطابه، بعيد عن التكلّف، صبور ومخلص، ناجح ومعطاء الى أبعد الحدود، وقد سخّر علمه وجهده لخدمة مجتمعه، فعُرف بمحاضراته التّنويريّة والتّوجيهيّة والتّوعويّة الّتي يقدّمها بلا كلل أو ملل، في المدارس والخلوات والمجالس والمؤسّسات لكافّة الشّرائح المجتمعيّة ساعيًا إلى رفع الوعي، وبثّ روح التّقوى والاعتزاز بالهويّة الدّينيّة، وفي أيّ مكان يدعى إليه ليعطي صورة حسنة عن الطّائفة وفضائلها المميزّة دون مقابل. وتقديرًا لمسيرته الطّويلة في العمل التّطوعيّ والخدمة المجتمعيّة، وحرصه على ترسيخ قيم التّسامح والتّعايش بين الأديان، نال في العام 2012 وسام رئيس الدّولة للتّطوّع، في فترة ولاية الرّئيس الراّحل شمعون بيرس، في حفل رسمّي عبّر فيه الجميع عن تقديرهم وامتنانهم العميقيْن له. كما وشغل الشّيخ أبو حسين منصب مأذون شرعيّ لسنوات طوال، وكان عضوًا في المجلس الدّينيّ الدّرزيّ، وأحد الوجوه البارزة التي يُعتمد عليها في مناسبات الطّائفة.

يقع الكتاب في 81 صفحة من الحجم الكبير، طُبع على ورق فاخر، ويتوسط غلافه الأمامي صورة أنيقة للشّيخ أبو حسين علي، ويوثق فصولًا من سيرته، وسيرة أجداده من آل نصر الدّين وآل خير، ويحتوي على صور نادرة من مراحل حياته. ويُختتم بكلمات محبّة وتقدير من أبنائه وأقاربه، تعبّر عن وفائهم لما قدّمه في حياته من علم ونصح وخدمة، وقد تولّت جمع المادة وتدوين وصياغة الكتاب بأسلوب إبداعيّ مبسّط وجميل المدرّسة ومربّية الأجيال على مدار عدّة عقود الفاضلة أم خليفة، ناديا فرسان فخر الدين حلبي، زوجة السّيّد حسام حلبي – مدير قسم الرفاه الاجتماعيّ في دالية الكرمل. وقد أحسنت صنعا إذ أخرجت هذا العمل في قالب يجمع بين التّوثيق الأمين والأسلوب السّلس الشّمولي الواضح. نسأل الله أن يمدّ في عمر شيخنا الفاضل أبي حسين علي، وأن يُبقيه منارة للهدى، وينبوعًا لا ينضب من الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يحفظه في كنف أسرته الكريمة الموقّرة المتألّقة، ويبارك في ذريّته الصّالحة، إنه سميع مجيب.

مقالات ذات صلة:

فضيلة الشيخ أبو علي حسين حلبي يرثي مؤسس ومحرر “العمامة”: من ذكريات الراحل المرحوم الشيخ أبو وسام سَميح ناطور

لَقَد كانَ هذا الراحل الكريم بِدَوْرِهِ، إنسانًا ديّانًا، وشخصًا عاقِلاً، عِلمِيًّا وَفهمِيًّا وَفِكْرِيًّا ، أديبًا ثَقافِيًّا، مُتواضِعًا أَخْلاقِيًّا، مُتَضَلِّعًا في

لقب بني معروف

أُعطي هذا اللقب للدروز وهم يطربون له عند سماعه، واختلف فيه الباحثون، فمنم مَن يعتبره اشتقاقًا لغويًّا من المعروف، بمعنى