
تكتسب شخصيّة يثرو في السّرد التّوراتيّ، وشعيب في الخطاب القرآنّي، أهميّة تتجاوز حدود الحكاية الدّينيّة لتصبح مدخلًا لفهم علاقة النّبوّة بالهامش الاجتماعيّ والسّياسيّ في مديَن، وكيف تتحوّل الشّخصيّات النّبويّة إلى رموز مؤسّسة لهويات جماعيّة لأقليّات حدوديّة داخل التّاريخ الدّينيّ. فالنّبيّ في كثير من التّقاليد ليس مجرّد حامل لرسالة عقديّة، بل هو أيضًا فاعل اجتماعيّ يعيد تشكيل المجال الأخلاقيّ والسّياسّي للجماعة، ويمنح “الهامش” الّذي هو أقلّيّة، قدرةً على إنتاج المعنى داخل منظومات تاريخيّة غالبًا، ما تهيمن عليها مراكز سياسيّة أو دينيّة ثقلها السّلطويّ أكبر وأثقل منها. ومن هذا المنطلق، تبرز شخصيّة النّبّي شعيب عليه السّلام بوصفها نموذجًا غنيًّا لتحليل العلاقة بين النّبوّة والمجتمعات الطّرفيّة، ولا سيّما في سياق قوم مديّن، الّذين يظهرون في النّصوص الدّينيّة ضمن فضاء قبليّ وتجاريّ عابر للحدود[1].
لا يقتصر دور يثرو كاهن مِدين على كونه شخصيّة ثانويّة في إطار العلاقة العائليّة مع موسى كونه حمو النّبيّ موسى المتزوِّج من ابنته شرعيّة كانت، أم بالتّبنّي ام جارية بمثابة ابنته، بل يتجاوز ذلك إلى كونه حاملًا لنموذج تنظيميّ أخلاقيّ يسهم في الانتقال من جماعة خارجة من العبوديّة إلى مجتمع قوامه القانون والعدل.
في هذا السّياق، تُقَدِّم التّوراة مشهدًا دالًالموسى وهو يجلس منفردًا “ليقاضي الشّعب” من الصّباح حتّى المساء، في صورة تعكس مركزيّة القيادة النبّويّة في مرحلة ما، قبل تشكُل المؤسّسات. غير أنّ هذا النّمط من الحكم، القائم على احتكار سلطة القضاء في شخص واحد، يُنتقد مباشرة من ِقبَل يثرو الّذي يصرّح له قائلًا: “ليس حسنًا الأمر الّذي تفعله.” (سفر الخروج 18:17). إنّ هذا الاعتراض لا يمثّل مجرّد ملاحظة عمليّة تتعلّق بالإرهاق الإداريّ، بل يكشف عن وعي مبكِّر لدى شعيب (ع) بمحدوديّة “القيادة الكاريزميّة” إنْ لم تُترجم إلى بُنى مؤسّسيّة قابلة للاستمرار. فالمجتمع، بحسب منطق النّصّ، لا يمكن أن يقوم على شخص واحد مهما بلغت منزلته النّبويّة، بل يحتاج إلى توزيع السّلطة وإقامة جهاز قضائيّ منظّم. ويختم النّصّ غاية التّنظيم القضائيّ بربط واضح بين العدل والاستقرار: “ويأتي كلّ هذا الشّعب إلى مكانه بسلام.” (خروج 18:23). العدالة والسّلام الاجتماعيّ هنا ليسوا مجرّد غياب للنّزاع، بل ثمرة مباشرة لقيام نظام قضائيّ عادل قادر على إدارة الاختلاف داخل الجماعة. ومن ثمّ فإنّ العدل يمثّل شرطًا تأسيسيًّا لبناء المجتمع، لا مجرّد قيمة أخلاقيّة مجرّدة.
في حين يظهر يثرو (יתרו / רעואל – صديق الله) في سفر الخروج بوصفه كاهن مديَن وحمو موسى، حاملًا لحكمة تنظيميّة ساهمت في بناء الجهاز القضائيّ الإسرائيليّ الناشئ، بناء مجتمع ومؤسّسات تنظيميّة فإنّ شعيب عليه السّلام في القرآن يتجلّى بوصفه نبيًّا إصلاحيًّا يرتبط بقوم مديَن، ويُقدَّم نموذجًا للنّبوّة الأخلاقيةّ الّتي تواجه اختلالات العدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
في السّرد القرآنيّ، ورد ذكر اسم شعيب 11 مرّة وصرّح بنبوتِّهِ في سورة الاعراف، هود، الشّعراء، العنكبوت كما ولُقِّب بخطيب الأنبياء ويرتبط شعيب ارتباطًا وثيقًا بقوم مديَن، ويُقدَّم بوصفه نبيًّا إصلاحيًّا يواجه اختلالات أخلاقيّة بنيوّيّة داخل المجتمع، تتجلّى خصوصًا في الفساد الاقتصاديّ والتّطفيف في المعاملات من تنقيص وغشّ عند البيع والشّراء. حيث يقول تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قال: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: 85). وتتّخذ دعوته بعدًا اجتماعيًاّ واضحًا حين يربط الإيمان بالعدل في المجال العامّ: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (الشّعراء: 181–182).
وبذلك، فإنّ شعيب في التّصوّر القرآنيّ يمثّل نبوّةً تتجاوز طابع الوعظين إلى مشروع أخلاقيّ اجتماعيّ يواجه أنماط الاستغلال داخل الجماعة. إنّ النّبوّة هنا ليست خطابًا ميتافيزيقيًا مجرّدًا، بل هي إعادة بناء للفضاء الاجتماعيّ على أساس التّوحيد والعدالة.
هنا شعيب يمثّل نمطًا من “النّبوّة الإصلاحيّة” الّتي لا تكتفِ بتقرير العقيدة، بل تجعل العدالة الاجتماعيّة شرطًا لسلامة الجماعة واستمرارها. بالمقابل، يقدِّم سفر الخروج يثرو بوصفه شخصيّة خارجيّة عن الجماعة الإسرائيليّة، لكنّه يصبح مصدرًا للحكمة المؤسّسيّة. فهو ينتقد احتكار موسى للقضاء، ويقترح نظامًا هرميًّا لتوزيع السّلطة القضائيّة يتمّ به اختيار:
“رجال ذو كفاءة، يخافون الله، رجال حقّ، مبغضين الرّشوة.” (خروج 18:21) يُظهِر هذا النّصّ أنّ القضاء في التّصوّر التّوراتيّ ليس مجرّد جهاز إداريّ لإدارة النزّاعات، بل هو امتداد للعهد الإلهّي وترجمة عمليّة للقيم الدّينيّة في المجال الاجتماعّي. فالعدل هنا لا يُفهم بوصفه إجراءً قانونيًّا محايدًا، بل بوصفه التزامًا أخلاقيًّا يقوم على مخافة الله والنّزاهة ورفض الفساد. وبهذا نرى تحوّلاً من جماعة تخوض تواجدًا معًا إلى مجتمع قانونيّ خاضع لناموس جامع. ونصيحة يثرو تمثّل لحظة انتقال مفصليّة في تاريخ إسرائيل المبكِّر: من جماعة ذات قيادة نبوّيّة مباشرة إلى مجتمع ذي بنية قانونيّة ناشئة. ويمكن قراءة هذا التّحوّل في إطار تطوّر “السّلطة التّشريعيّة والقضائيّة” بوصفها شرطًا لتماسك الجماعة واستقرارها بعد الخروج من مصر.
وتكتسب شخصيّة يثرو أهمّيّة إضافيّة لكونه “خارجيًّا” عن الجماعة الإسرائيليّة: فهو مديَنيّ، ينتمي إلى فضاء قبليّ مجاور، ومع ذلك يصبح مصدرًا للحكمة التّنظيميّة. وهذا ما يفتح المجال لتأويل النّصّ بوصفه اعترافًا ضمنيًّا بأنّ الحكمة ليست حكرًا على المركز، بل قد تأتي من الهامش القبليّ، وأنّ بناء العدالة يتطلّب أحيانًا استيعاب خبرات الآخر. في هذا التّصوّر يربط القضاء بالأخلاق الدّينيّة، ويجعل العدالة جزءًا من العهد الإلهيّ، بما يشابه الوظيفة القرآنيّة لشعيب كنبيّ يربط التّوحيد بإقامة القسط أي عدالة شاملة في الإنصاف واحترام الحقوق، في السّلوك والميزان الأخلاقّي. غير أنّ التّقاطع الأكثر دلالة يكمن في كون كلتا الشّخصيتّيْن تنتميان إلى فضاء “مديَن” طرفّي المركزيّة إلى حدّ الهامشّية. أيّ إلى جماعة تقع خارج المركز السّياسيّ أو الثّقافيّ وتملك موقعًا حدوديًّا، على مشارف المركز الإسرائيليّ/المصريّ القديم، ممّا يمنحهما طابع “النّبوّة الهامشيّة” الّتي تنشأ في فضاءات غير مركزيّة وتنتج خطابًا أخلاقيًّا مضادًّا للسُّلطة أو “الحكمة القادمة من الأطراف” من الجماعات الّتي تقع خارج المركز السّياسّي أو الثّقافيّ وتملك موقعًا حدوديًّا. ومن ثمّ فإنّ شعيب/يثرو يمثّلان نموذجًا لكيفية إنتاج المقدس خارج المركز السّياسيّ، وكيف يصبح الهامش القبلّي مصدرًا للمعنى الأخلاقيّ والتّنظيميّ.
اذاً يمكن القول إنّ يثرو يؤدّي في السّرد التّوراتيّ وظيفة تأسيسيّة في بلورة نموذج القضاء الإسرائيليّ المبكّر، عبر الانتقال من مركزيّة موسى بوصفه قاضيًا وحيدًا إلى نظام مؤسّساتيّ قائم على التّفويض والتّراتبيّة الأخلاقيّة. وبذلك يصبح القضاء في إسرائيل القديمة ممارسة دينيّة اجتماعيّة في آن، تتداخل فيها السّلطة مع الأخلاق، وتُفهم العدالة بوصفها شرطًا للاستقرار الجماعّي ولتحقيق السّلام.
إن حضور يثرو، بوصفه شخصيّة “هامشيّة” تقدِّم الحكمة للمركز، يسلِّط الضّوء على ديناميّة التّفاعل بين النّبوّة والمؤسّسة، وبين المُقدس والتّنظيم الاجتماعيّ، وهي ديناميّة ستظلّ محورًا رئيسيًّا في تشكّل الفكر السّياسّي والدّينيّ في التّقاليد الإبراهيميّة اللّاحقة.
في السّياق المعاصر، يكتسب النّبّي شعيب مكانة مركزيّة في التّجربة الدّرزيّة، ليس فقط بوصفه نبيًا مذكورًا في القرآن، بل بوصفه عنصراً كونياً ورمزًا جامعًا للذّاكرة الجماعيّة والخصوصيّة الروّحيّة. فمقام النّبيّ شعيب في حطّين ورغم أنّ القداسة الدّرزيّة في القلب إلّا أنّ المقام يتحوّل إلى فضاء طقوسّي ومعرفيّ يعيد تزويد الهويّة الدّرزيّة بوصفها هويّة أقليّة متجذّرة في التّاريخ المقدّس، وقادرة في الوقت ذاته على التّفاعل مع المجال السّياسيّ والاجتماعيّ الحديث. بما معناه أنّ الدّروز تمنح إمكانيّة إعادة تعريف ذواتهم وهويّتهم بوصفهم جماعة تحمل جذورًا روحيّة قديمة، لكنّها في الوقت ذاته فاعلة في الحاضر السّياسيّ والاجتماعيّ. إنّهم بذلك يجسّدون ما يمكن تسميته “مفارقة الأقليّة”: الانعزال الرّمزيّ الحافظ من جهة، والانخراط العمليّ في المجال السّياسيّ من جهة أخرى.
يمكن النّظر إلى هذا التّمركز حول شعيب بوصفه مثالًا معاصرًا على ما يمكن تسميته “التّمثيل النّبويّ للأقليّات”، ايّ توظيف الرّموز النّبويّة لإنتاج شرعيّة وهويّة جماعيّة للأقلياّت حيث تستحضر الجماعة الطّرفيّة هيئة شخصيّة نبويّة لتأكيد شرعيّتها التّاريخيّة والأخلاقيّة داخل فضاء أوسع من الّذي يعرّفها ويصفوها هامشًا أو استثناءً. إلى أن يصبح النّبيّ شعيب (ع) رمزًا للتّماسك الدّاخليّ، ووسيطًا بين الخصوصيّة الدّينيّة والانخراط في المجال العامّ.
ومن منظور علميّ، يمكن قراءة هذا التّمثيل النّبويّ في ضوء مفهوم أرغون أبادوراي بنظريةّ “إنتاج المحلّيّة” ومفهومها، حيث لا تُفهم الهويّة بوصفها معطى ثابتًا، بل كممارسة رمزيّة تُنتج عبر الطّقوس والمواقع المقدّسة والشّبكات الاجتماعيّة (Appadurai 2006). كما يمكن إدراج في السّياق ذاته مفهوم تمثيل الجماعات الهامشيّة داخل السّرديّات الكبرى (Spivak 1988). ففي السّياق الدّرزيّ، لا يُستحضر شعيب فقط كرمز داخلّي، بل يصبح أيضًا موقعًا تتفاوض من خلاله الجماعة مع تمثيلها الخارجيّ داخل الدّولة والمجتمع.
وعليه، فإن شعيب/يثرو يشكّلان نموذجًا مركّبًا: نبيّ إصلاحيّ في القرآن، وكاهن حكيم في التّوراة، لكنّهما يشتركان في كونهما مرتبطيْن بفضاء مديَن الطّرفيّ، وفي ربط المقدّس بالعدل والنّظام الاجتماعيّ. أمّا في التّجربة الدّرزيّة، فإنّ شعيب يتحوّل إلى رمز حيّ لهويّة الأقليّة، وإلى مثال معاصر على كيفيّة استمرار النّبوّة بوصفها تمثيلًا لخطاب عدالة أخلاقيّة، رمزًا مركزيًّا ومصدرًا لإنتاج المعنى الجماعيّ. في النّهاية، تكشف دراسة شعيب ومديَن عن أنّ النّبوّة ليست مجرّد حدث دينيّ منعزل، بل هي أيضًا أداة لإعادة تمثيل الجماعات الطّرفيّة داخل التاّريخ المقدّس، ومنحها موقعًا في سرديّة أوسع تتجاوز حدود الجغرافيا السّياسيّة. إنّ “التّمثيل النّبويّ” هنا يصبح فعلًا معرفيًّا وأخلاقيًاّ يعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، بين الدّولة والجماعة، وبين الصّوت الإلهيّ والتّجربة الإنسانيّة.
[1] ليس من باب الصّدفة أنّ للّنبيّ شعيب (ع) أودية مسمّاة على اسمه في الأردن والسّعودّية ومقامات عديدة في إسرائيل، الأردن، إيران، اليمن لمكانته المرموقة ولكونه كثير التّنقّل والارتحال لنشر دعوته التّوحيديّة
[1] يثرو/شعيب – وردت اسماء عديدة منها شعيب، ثابور وفي التّوراة وردت عدّة أسماء منها حوباب، سلالة القيني المنسوبة إليه، رعوئيل، يترو ويثرون.