“ميزان البصيرة وسلطان العقل في عصر الذّكاء الاصطناعيّ..”

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الّذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم، وفتح للعقول أبواب النَّظر، وللقلوب ينابيع الفهم، وجعل الفكر مصباحًا يهتدي به السَّالك في ظلمات الحَيْرَة؛ حتَّى يبلغ من ظاهر اللَّفظ إلى باطن المعنى.
يا أخي، ويا أخيَّتي، تحيَّة طيِّبة تليقُ بعقولكم الشَّغوفة، وأنفسكم التَّوَّاقة، اِعلموا أنَّ أعظم هبة مَنَّ الله بها على هذا الكائن البشريّ هي ومضةُ الوعي، وقُدرة العقل على التَّنزُّه في ملكوت الأفكار، حين قال في المسطور: علَّم الإنسان ما لم يعلم.
لم يمنحنا العِلم كقوالب جامدة، بل أودع فينا سرَّ التّعلُّم، وأسرج لنا خيول الفكريّات، لنركبها نحو آفاق الإبداع والرُّوحانيَّة وبناء الإنسان، ولكنْ، هل فكّرتم يومًا كيف نركب مَتِن هذه الأفكار؟
إنَّ الأفكار خيولٌ جامحة، والوعي بحرٌ لُجِّيٌّ، وإذا امتطى الإنسان صهوة الفكر بذهنٍ مشتَّت، ونفسٍ مضطربة، وعقلٍ لمْ يتأهَّب، فإنَّ الرِّحلة ستنتهي به في وادي التّناقضات الصَّارخة، ستأتيه الفكرة بضدِّها، يبحث عن الصَّفاء الرُّوحيّ بقلبٍ امتلأ سُخمًا بالطُّبوليَّات، يستنبط بلسانه بأدواتٍ مادِّية لفهم مجرَّدات روحيّة، ولا يفقه أصول الاستنباط، فيستخرج أحكامًا من النُّصوص، وهو لا يملك أدواتها، فيكون استنباطه هدمًا، لا بناءً، ويطلب الإبداع والابتكار بعقلٍ مكبَّل بالخوف والتّقليد.
وَطِّئ ذهنك للفُنُون بحكمةٍ
فالفكرُ خيلٌ والعقولُ لجامُها
فإن عَريتَ من فكرٍ ومِلْتَ لطبعها
فإعدامُ المعاني يجيءُ هائما
وَطِّئ ذهنك للفنون بحكمةٍ، فإنَّ الفكر إذا تُرِكَ بلا تهذيب، كان كخيلٍ جامحة، تجري حيث يميل بها الطَّبع، ولا يردُّها عن اضطرابها إلّا لجامُ العقول وميزانُ البصيرة، فمَنْ خلا فكره من سُلطان العقل، ومال مع خواطره كيفما اندفعت، جاءت معانيه هائمة لا قرار لها، مضطربة لا نظام فيها، كأنّها ألفاظ تبحث عن أرواح، وصورٌ فقدت معانيها.
لذلك اِجعل العقل حاكمًا على الفكر، لا تابعًا للهوى، واحكم خواطرك بميزان مجرَّد من التَّسرُّع والانفعال، فإنْ صفا الفكر صفت النَّفِسْ، وإذا استقامت النَّفِسْ، عَلَت بالإنسان إلى مقام الرَّزانة، حتّى يغدو في داخله مهيبًا كملوك الحِكمة، ثابتًا كأهل البصيرة.
وإنَّ العقل إذا جُرِّد من وطأة الفكرة، بقي كالأرض الجامدة لا تنبت حِكمة، ولا تُخرِج سرًّا، ولا تفيض بمعرفة، وإنَّما الفكر للعقل، كالنَّدى للزّهر، وكالمطر للوِهَاد، وكالنُّور إذا وقع على المرآة الصَّافية، أظهرَ ما كان فيها مستورًا.
وقد قال أهل الحكمة: إنَّ العاقل من يوطِّئ ذهنه لفكرته، كما يوطِّئ الحافر الصَّخر حتَّى ينبجس منه الماء، فليست المعاني تُنَال بالخطفة العابرة، ولا تُدرك بالنَّظر المستعجل، وإنَّما تُستَخرَج بالصَّبر، وتنكشف بالمكابدة، وتُفتَح لمن طال وقوفه على بابها، وأحسن الأدب في طلبها.
ذلك أنّ المعاني إذا مرّت على الذِّهن مرور السَّحاب الجافّ، مضت بلا أثَر، فلا تترك في النَّفس طعمًا ولا ريحًا. أمّا إذا أوطأها الفكر، وألزمها التأمُّل، وتعاهدها بالسُّؤال، ورجع إليها مرَّة بعد مرَّة، كما يرجع النَّسيم إلى الرّمل، فإنَّها تنفجر ينابيع لا تَنزِف، وتفيض حِكَمًا لا تُحصَى. أمَّا من أهمل هذا الوطء، واستعجلَ القفز إلى النَّتائج، فإنَّ فكره يلد له قولًا مضطربًا، ورأيًا متناقضًا، ومعنىً لا تشهد لهُ المعقولات، ولا تؤيِّده البصائر، فيصير كمن يبني على الرَّمل، ثمَّ يعجب إذا انهدم بناؤه، أو كمن يمسك بالماء قبل أن يُحسِن موضعَ الكفّ، وهنا يصدقُ قول الشّاعر:
وليسَ يعيبُ النَّاس مِنْ جهلِ رأسهم
إذا كان باقي الجسم بالرَّأس جاهلا
وإذا كان الرَّأس؛ وهو العقل، غير مُوطَّأ، تبعته المعاني مضطربة، وانساقت الأحكام خلفه مائلة، فلا تستقيم النَّتائج إلَّا إذا استقام ميزانها الأّوّل.
فوطِّئ أيُّها السَّامع ذهنك لفكرتك، حتَّى تركب المعاني ركوب الفارس البصير، لا أن تَركبَكَ الفكرة فتُزِلُّكَ، اِجعل عقلك ميزانًا، وقلبك مرآةً، وفكرك محراثًا يشقّ أرض النُّصوص، حتّى يَخرج منها ما أودع الله فيها من سنابل الحكمة.
ميزان الصَّائغ ومِقطَعُ الصَّخر
أيُّها الأحبَّة، تخيَّلوا أنَّ شابًّا أراد أن يزِن مبادئ الأخلاق، أو مفهوم الحقّ والجمال، أو قيمة الوجود وهي الفكريَّات والمجرَّدات العالية، فلم يجد أمامه سوى ميزانًا ضخمًا، يُستخدم في المقالع لوزن الصُّخور والأتربة وهي الطّبيعيَّات المادِّيَّة. إنَّ في هذا الميزان المادِّيّ الخشن، لن يشعر أبدًا بوزن الفكرة، ولن يسجِّل أيّ قيمة للمجرَّدات، بل سيحتّم خِفَّتها ونقاءَها.
وبالمثل، إذا حاول شابٌّ آخر أنْ يستقرئ سلوك البشر، أو ظواهر الكون الشَّاسعة، دون أن يمتلك في ذهنه ميزانًا حسَّاسًا، كميزان الائتمان والصَّائغ، فإنَّه سيخلط التّبر بالتُّراب، ويخرج بأحكامٍ متناقضة لا يشهد بها عقل، لأنَّه استخدم أداة الطِّين لتقييم عالم النُّور.
من هنا، نضع بين أيديكم ميثاق توطئة الذِّهن، ليكون مُرشدًا لكم قبل الإبحار في عالم الأفكار، وبوصلة تحفظ العقل من التّشتُّت، والرُّوح من الاضطراب، والفكر من الاستسلام.
توطئة الرُّوح، صيانة البوصلة الدَّاخلية، قبل أن تأْمَلوا، وقبل أن تتأمّلوا، طهِّروا نواياكم من صخب المادِّيات الزَّائفة، فإنَّ السَّكينة والاضطراب لا يسكنان قلبًا واحدًا، كما لا يجتمع نور الفجر مع كثافة اللَّيل في موضعٍ واحد.
وطِّنوا أذهانكم بالرِّضا، وصِلوا أرواحكم بالخالق، حتَّى تستقبل عقولكم فيوضات العلم الربَّانيّ بصفاءٍ ويقين، بعيدًا عن تشتُّت المقارنات، وضجيج المظاهر، وقسوة جلد الذَّات.
فالعقل لا يصفو إذا كان القلب مضطربًا، والفكرة لا تنضج إذا كانت النَّفس مُستَلَبَة، والمعرفة لا تصير حكمةً حتَّى تمرَّ من بوَّابة الطَّهارة الدَّاخليَّة. فليس كلُّ من جمع المعلومات، صار عارفًا، ولا كلُّ من أكثرَ النّظر، أبصَر، وإنّما البصير من نظر بعينٍ طاهرة وقلبٍ ساكن وذهنٍ مُهيَّأ لاستقبال النّور.
سبحان مَنْ علَّم الإنسان ما جهلا
وأودع العقل نورًا يهدي السُّبلا
فاجعل لوعيك قبل الإبحار توطئةً
تلقَ الفيوضات غيثًا طيِّبًا هطلا
توطئة الوعي الرَّقميّ في زمن الذَّكاء الاصطناعيّ
في عصرٍ تتدفَّق فيه المعلومات كالسَّيل، وتشاركنا فيه الآلة توليد الأفكار، تصبح توطئة الذِّهن أكثر ضرورة من أيِّ وقتٍ مضى، فالآلات قد تمنحكم ملايين الإجابات، لكنَّها لا تمنحكم الحكمة، وقد تقرِّب لكم المعلومة، لكنَّها لا تهبكم البصيرة، وقد تختصر الطّريق، لكنَّها لا تختار لكم الوُجهة.
وإذا ركبتم فكريَّات العصر الرَّقميُّ بذهن مستهلِك ومستسلِم، سقطتم في مفارقةٍ خطيرة؛ “وفرةٌ معرفيَّة مع فقرٍ فكريٍّ”، و “كثرة أجوبة مع قلَّة بصيرة”، و “سرعة وصول مع ضعف تمييز”.
لذلك وطِّؤوا أذهانكم قبل التَّعامل مع أدوات الذَّكاء الاصطناعيّ، لتكونوا موجِّهين لا مُنقادين، ومحلِّلين لا ناقلين، ومستبصرين لا مستهلِكين.
أيّها الإخوة، لا تجعلوا عقولكم مرايا خاملة، تعكس ما يلقى عليها، بل اجعلوها مصابيح حيَّة، تمتحن وتنقِّح وتختبر وتردُّ كلَّ فطرة إلى أصلها، وكلَّ معلومة إلى ميزانها، وكلَّ جواب إلى غايته.
فمن لم يوطِّئ ذهنه في هذا العصر، حملته السُّرعة إلى السَّطح، وأغرَقَته الوفرة في التّشتُّت، وخَدَعَتْه الأجوبة الجاهزة عن لذَّة السُّؤال العميق. ومن وطَّأ ذهنه صار سيّدًا على الأداة، لا عبدًا لها، وصاحب فكرٍ حيّ، لا صدى لغيره.
وطِّئ لذهنك إنْ ركبتَ فُنُونَه
ما استقام فكرٌ في نفوسٍ تموج
اللّهمّ أرِنا الحقَّ حقًّا، وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه. واجعل لنا من لدنك نورًا نهتدي به إلى غور النُّصوص، وبصيرة نميِّز بها بين قشرة اللَّفظ ولبّ المعنى، ومن فيض حكمتك ما ينبجس من قلوبنا ينابيع لا تنضب، وحكمةً لا تنقطع، ونورًا لا يخبو.
والحمد لله ربّ العالمين..
* نشر في شريط فيديو على شبكات التّواصل الاجتماعيّ.