
“بوصلة الروح في زمن التيه..”
بسم الله الرحمن الرحيم
يا إخوتي يا شباب هذا الزّمن المضطرب، يا مَن تبحثون عن معنى في عالَم يزداد ضجيجًا في الليالي، اِسمعوا هذه الحقيقة التي غفل عنها كثير من النّاس، ليست المشكلة الكبرى في أن يضيع الحقّ، بل في أن يبقى واضحًا وأن نمرّ بجانبه كأنّنا لا نراه، كم مرّة شعر قلبك أنّ هذا الأمر ليس صوابًا؟ كم مرّة قال لك ضميرك لا تمشي في هذا الطّريق، ثمّ سكتّ ومشيتَ مع الناس.
هنا تبدأ المعضلة الّتي يسقط بها الإنسان بدون أن يشعر. يا إخوتي أيّها الشباب، إنّ أخطر لحظة في حياة الإنسان ليست لحظة اليأس، بل لحظة الخيانة الصامتة نعرفه من الحقّ، حين يعرف الإنسان ثم يبرّر. حين يرى ثم يتغافل، حين يفهم ثمّ يتراجع خوفًا أو مصلحة أو عادة، عندها ينطفئ العقل، بل ينطفئ شيء أعمق، وتنطفئ البوصلة داخل الرّوح، وهنا يبدأ البيه.
اِسمعوا هذه الحقيقة الثقيلة، لكنّها صادقة، كثير من النّاس لم يظنّوا بأنّهم لم يجدوا الطّريق، بل لأنهم لم يريدوا أن يدفعوا ثمن السّير فيه، فالحقّ أيّها الإخوة الشّباب، ليس فكرة جميلة فقط، فالحقّ أحيانًا موقف، وأحيانًا صبر، وأحيانًا وحدة، وأحيانًا شجاعة لا يراها أحد، ولذلك كان أعظم النّاس ليس أكثرهم كلامَا عن الحقّ، بل أكثرهم ثباتًا عليه. حين يصبح ضيّقًا، أنظروا إلى التّاريخ جيّدًا، لم تنهض الأمم لأنّ لديها معلومات أكثر، بل امتلكوا رجالًا ونساء لم يبيعوا ما عرفوه من الحقّ عندما اشتدّ الامتحان والعكس أيضًا صحيح.
حينما تبدأ المجتمعات بالانهيار يحدث شيء خفيّ لا ينتبه له الكثيرون، يبقى العِلم موجودًا والعِبرة لمن اعتبر موجودة، والكتب موجودة، لكنّ القلوب تفقد الشّجاعة، وعندها يتحوّل الحقّ من طريق يُسلك إلى كلام يُقال، وهنا يبدأ الانحدار.
أيّها الإخوة شباب المستقبل: أنتم تعيشون زمن تُختبَر فيه الضّمائر كثيرًا، تختبرها الشُّهرة والمال والخوف والعِفّة والأمانة والنزاهة والشّجاعة والانتماءات وضغط الجماعة. قد يأتي يوم وربّما يأتي سريعًا يُطلب فيه منكم أن تختاروا بين راحتيْن، بين راحتكم وبين ما تؤمنون أنّه صحيح. تذكّروا في تلك اللّحظة شيئًا واحدًا فقط قد يخسر الإنسان أشياء كثيرة في حياته، لكن أخطر خسارة هي أن يخسر احترامه لضميره، لأنّ الإنسان إذا اعتاد أن يتنازل مرّة بعد مرّة يتغيّر داخله شيء عميق شيء لا يعود كما كان، لأنّ أصعب الحرام أوّله، ثمّ يسهُل، ثمّ يُستساغ، ثمّ يؤلَف، ثمّ يحلو، ثمّ يُطبع على القلب، ثمّ يبحث القلب عن حرام آخر. لكن في المقابل هناك سرّ عظيم يعرفه من ساروا في طريق الحقّ، كلّ مرّة تختار فيه الصّواب رغم صعوبته يكبر قلبك قليلًا، يصفو عقلك أكثر، يقترب الإنسان في نفسه الحقيقيّة، ولهذا قيل: إنّ أعظم الانتصارات ليست الّتي يراها الإنسان، بل الّتي تحدث في الدّاخل حين ينتصر الإنسان على ضعفه.
يا إخوتي العالم اليوم لا ينقصه الذّكاء، بل ينقصه الضّمير الحيّ، ينقصه أناس إذا عرفوا الحقّ لن يساوموا عليه، وإذا رأوا ظلمًا لم يتزيّن في أعينهم، وإذا اختاروا الطّريق لن يبيعوه عند أول اختبار.
أسأل اليوم نفسك سؤالًا ساذجّا ليس ماذا أعرف، بل ماذا أعيش ممّا أعرف، لأنّ بين الإنسان العظيم والإنسان العادي فرقًا واحدًا غالبّا: الأوّل جعل الحقّ طريقه، والثّاني جعله فكرة جميلة فقط، وفي النّهاية كلّ إنسان سيقف أمام نفسه لا أمام النّاس وسيُسأل سؤالًا بسيطًا، لكنّه ثقيل، هل كنت صادُا مع ما رأيته حقّ واحرصوا إخوتي أن يكون جوابكم يومها مطمئنًا لقلوبكم. v
* نشر في شريط فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي.