الموقع قيد التحديث!

هل يروي تاريخ المجتمع الدّرزيّ قصّةمختلفة عن مكانة المرأة؟

بقلم السيّد إيهاب أسعد – دالية الكرمل
باحث دكتوراه في التّاريخ والآثار Aehabasad79@gmail.com

يُعدّ الحديث عن مكانة المرأة من أكثر المواضيع حساسيّة وأهمّيّة في أيّ نقاش اجتماعيّ. عندما يُطرح هذا السّؤال في سياق المجتمع الدّرزيّ، فإنّ الإجابات غالبًا ما تتراوح بين الدّفاع التِّلقائيّ من جهة، والنّقد العامّ وغير الدّقيق من جهة أخرى. لكن إذا أردنا تناول هذا الموضوع بجدّيّة، فلا بدّ أولًا من العودة إلى التّاريخ.

لا شكّ في أن المجتمع الدّرزيّ، كغيره من مجتمعات الشّرق الأوسط عبر العصور، تطوّر ضمن إطار تقليديّ ومحافظ، ومع ذلك، فإنّ الشّهادات التّاريخيّة تُظهِر أنّ مكانة المرأة الدّرزيّة كانت أكثر تعقيدًا ممّا يُتصوَّر أحيانًا. فإلى جانب البُنى الاجتماعيّة التّقليديّة، نجد دلائل على حضور نسائّي في مجالات القيادة، والتّعليم، والحياة الدّينيّة، والمجال الاجتماعيّ.

في هذا المقال، لا أسعى إلى تقديم حُكم نهائيّ حول مكانة المرأة الدّرزيّة عبر التّاريخ، لأنّ هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أوسع وأعمق. لكنّ الهدف هنا هو عرض بعض الشّهادات التّاريخيّة، منذ القرن الحادي عشر وحتّى بدايات القرن العشرين، والّتي قد تُسهِم في إلقاء الضّوء على مكانة المرأة الدّرزيّة كما ظهرت في الذّاكرة التّاريخيّة وفي كتابات الرّحّالة والباحثين.

ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ قسمًا كبيرًا من هذه الشّهادات يستند إلى كتابات رحّالة وباحثين ودبلوماسيّين غربيّين زاروا مناطق الاستيطان الدّرزيّ في لبنان وسوريا وفلسطين. وفي ذلك الزّمن، لم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعيّ، ولا صحافة دوليّة متاحة كما هي اليوم، ولذلك من المعقول الافتراض أنّ كثيرًا من هؤلاء دوّنوا ما شاهدوه أو سمعوه بصورة أقرب إلى الملاحظة المباشرة. ومع ذلك، فهذه الشّهادات ليست خالية من القيود، وقد تعكس أحيانًا نظرة أصحابها وخلفيّاتهم الثّقافيّة، لكنّها مع ذلك تتيح لنا نافذة مهمّة على الكيفيّة الّتي نُظِر بها إلى المرأة الدّرزيّة، وعلى الأدوار الّتي نُسبت إليها في المجاليْن الاجتماعيّ والدّينيّ، وأحيانًا السّياسيّ.

المرأة في القيادة والحياة الدّينيّة

من أبرز الشّخصيّات النّسائيّة في بدايات التّاريخ الدّرزيّ السّتّ سارة (ر)، الّتي عاشت في مرحلة الدّعوة الدّرزيّة في القرن الحادي عشر. ووفقًا للتّقليد الدّرزيّ، تُعدّ من الشّخصيّات ذات التأثير الرّوحيّ والاجتماعيّ، كما أنّ حضورها في الذّاكرة الدّرزيّة يدلّ على أن المرأة لم تكن بالضّرورة شخصيّة هامشيّة في المراحل الأولى لمّا تكوّن المجتمع الدّينيّ، بل كان بإمكانها أن تؤدّي دورًا مهمًّا في لحظات مفصليّة من تاريخ المجتمع (العمامة 2025).

كما أشار المؤرِّخ الفرنسيّ بوجيه دو سان بيير في القرن الثّامن عشر إلى أنّ النّساء الدّرزيّات كنّ يقمن أحيانًا بتعليم النّساء الأخريات وشرح المبادئ الدّينيّة لهنّ، وهو ما يدلّ على أن المرأة كانت حاضرة أيضًا في المجال الدّينيّ، لا فقط في الإطار العائليّ أو المنزليّ. (Saint-Pierre 1763)

وفي المجال السّياسيّ، يذكر الرّحّالة الإيطالي جوفاني ماريتي أنّ زوجات الأمراء الدّروز كنّ يشاركن في شؤون الحكم، وأن بعضهنّ كنّ يتولّين دورًا قياديًّا بعد وفاة أزواجهنّ إلى أن يبلغ الأبناء سنّ الرُّشد (Mariti 1792: 257). ويمكن فهم هذه الإشارة أيضًا في ضوء شخصيّة السّتّ نسب التّنوخيّ، والدة الأمير فخر الدّين الثّاني المعنيّ، الّتي تحتلّ مكانة بارزة في الذّاكرة السّياسيّة والاجتماعيّة الدّرزيّة في لبنان، بما يعكس أنّ بعض النّساء امتلكن بالفعل تأثيرًا وسلطة في ظروف معيّنة (فراج-فلاح 2000).

ويقدّم الرّحّالة الفرنسيّ فولني صورة أكثر توازنًا؛ فهو يذكر أنّ النساء كنّ يشاركن في بعض الجوانب الدّينيّة، لكنّه في الوقت نفسه يلاحظ أنهنّ لم يصلن إلى مواقع القيادة العسكريّة أو السّياسيّة، بسبب طبيعة المرحلة والصّراعات الّتي كانت تفرض نمطًا قياديًّا ذكوريًّا في كثير من الأحيان. (Volny 1972: 148–149)

التّعليم والانفتاح الاجتماعيّ

في سنوات 1864–1863 وصل إلى المنطقة الباحث ورجل الدّين الإنجليزيّ هنري بيكر تريسترام، الّذي زار لبنان، جبال الكرمل وأماكن أخرى ودوّن عددًا من الملاحظات عن الجماعات المحلّيّة. ومن بين ما لفت انتباهه أنّ الدّروز لم يُظهروا رفضًا لتعليم البنات، بل أشار إلى أنّهم سمحوا لبناتهم بالتّعلّم في المدارس الإنجليزيّة في بيروت (تريسترام 1975: 22). وهذه الشّهادة تُعدّ لافتة إذا ما وُضعت في سياق القرن التّاسع عشر، حيث لم يكن تعليم البنات أمرًا شائعًا أو مقبولًا في كثير من المجتمعات المحيطة. ولا يعني ذلك أنّ المجتمع الدّرزيّ كان مجتمعًا مساواتي أو حديثًا بالمعنى المعاصر، لكن مجرّد القبول بفكرة تعليم البنات في تلك الفترة يكشف عن درجة من الانفتاح الاجتماعيّ والفكريّ تستحقّ التّوقُّف عندها.

وفي نوفمبر 1882 وصل إلى حيفا الكاتب والدّبلوماسّي البريطانيّ لورنس أوليفنت، الّذي أقام لاحقًا أيضًا في دالية الكرمل، يذكر حدثَ هامّ الّذي يسلّط الضّوء بشكل كبير على الرّؤية الدّرزيّة للتّعليم؛ حيث أُسِّست مدرسة في دالية الكرمل لتعليم اللّغتيْن الإنجليزيّة والعربيّة معًا. وسرعان ما جذبت المدرسة الاهتمام والدّعم، حيث تسجّل فيها أكثر من خمسين طالبًا خلال أيام معدودة من افتتاحها. ومن الجدير بالذّكر أنّ أكثر من عشرين فتاة قدّمن طلبات التحاق بحماس، ممّا يعكس رغبة الأهل الشّديدة في توفير فرص تعليميّة لأبنائهم. ومع ذلك، عارضت السّلطات العثمانيّة إقامة المدرسة، وأصدرت بسرعة أمرًا لشيخ القرية يهدّد بفرض غرامة قدرها مائتان وخمسون دولارًا عن كلّ طالب يتعلّم فيها. (Oliphant 1887)

المرأة في المجال الاجتماعيّ واليوميّ

إلى جانب التّعليم والدّين، تُظهر بعض الشّهادات أنّ المرأة الدّرزيّة كانت حاضرة أيضًا في المجال الاجتماعيّ. ففي وصفه لمجتمع الجليل، يذكر لورنس أوليفنت أنّ النّساء الدّرزيّات كنّ يتمتّعن بهامش من الحرّيّة الاجتماعيّة يختلف عمّا كان سائدًا في بعض البيئات الأخرى، وأنّهنّ لم يكنّ يغطين وجوههن كما في مجتمعات مجاورة. كما يروي أن زوجة أحد كبار الشّيوخ جلست إلى جانب زوجها وشاركت في الحديث مع الرّجال، وهو ما يدلّ على أنّ بعض النّساء، وخصوصًا من ذوات المكانة الاجتماعيّة، لم يكنّ غائبات عن المجال العامّ (أوليفنت 1976: 53).

كما أن تريسترام، عندما وصل إلى منطقة الكرمل ومكث ليلة في قرية عسفيا، سجّل انطباعه عن السّكان المحليّين، وخصّ النّساء الدّرزيّات بوصف لافت من حيث الحضور والمظهر. ورغم أنّ هذا النّوع من الأوصاف يعكس أيضًا نظرة الرّحّالة الأوروبيّ في ذلك الزّمن، فإنّه يدلّ في الوقت نفسه على أنّ النّساء كنّ جزءًا ظاهرًا وملحوظًا من الحياة الاجتماعيّة المحلّيّة (تريسترام 1975: 86).

أمّا في مطلع القرن العشرين، وتحديدًا حوالي سنة 1900، فقد زارت الباحثة والرّحّالة البريطانيّة غيرترود بيل مناطق درزيّة في بلاد الشّام، ودوّنت انطباعاتها عن النّساء هناك. وهي تصف النّساء وهنّ يعملن في محيط البيت والقرية، وتذكر أنّها لاحظت وجود نوع من الاحترام في تعامل الرّجال معهنّ (Gertrude Bell Archive 1900). ومهما كانت حدود هذه الشّهادة، فإنّها تظلّ مهمّة لأنّها تعكس صورة المرأة كعنصر فعَال ومرئيّ في الحياة اليوميّة، لا كحضور هامشيّ فقط.

يقدّم الباحث والدّبلوماسيّ فون مولينن، الّذي أمضى نحو سنة في منطقة الكرمل في سنة 1903، وصفًا مهمًّا لبعض جوانب الحياة اليوميّة لدى السّكّان الدّروز. ومن بين ما سجّله، أنّ النّساء الدّرزيّات في دالية الكرمل كنّ يعملن في صناعة الفخّار، مستخدمات مواد محلّيّة وتقنيّات تقليديّة. (Mülinen 1908: 1–258) وهذه المعلومة تكشف أنّ دور المرأة لم يقتصر على شؤون البيت فقط، بل شمل أيضًا جانبًا إنتاجيًّا واقتصاديًّا واضحًا.

خاتمة

تُظهر هذه الشّهادات التّاريخيّة صورة مركّبة لمكانة المرأة الدّرزية. فالمجتمع الدّرزيّ كان، بلا شكّ مجتمعًا تقليديًّا ومحافظًا، لكنّه لا يمكن اختزاله بصورة أحاديّة على أنّه مجتمع أقصى المرأة بشكل كامل. فالتّاريخ يقدّم لنا نماذج لنساء درزيّات كنّ حاضرات في مجالات الدّين، والتّعليم، والقيادة، والعمل، والحياة الاجتماعيّة.

ومن هنا، فإنّ أيّ نقاش جادّ حول مكانة المرأة الدّرزيّة اليوم، لا بدّ أن ينطلق من فهم أعمق للماضي، بعيدًا عن الشّعارات الجاهزة أو الأحكام السّريعة. فالتّاريخ لا يقول إنّ كلّ شيء كان متساويًا، لكنّه يقول بوضوح إنّ الصّورة أكثر غنًى وتعقيدًا ممّا قد يُظنّ.

على الصّعيد الشّخصيّ: أهدي هذا المقال إلى زوجتي، فاتنة أسعد، وإلى جميع النّساء الدّرزيّات اللّواتي يقفن كالفولاذ في وجه رياح التّحديث، صائناتٍ لهويتنا الدّرزيّة الثمّينة.

المراجع

العمامة، (د.ت). “السّتّ سارة”. مجلة ثقافيّة، أدبيّة، اجتماعيّة، تاريخيّة ومصوَّرة تعنى بشؤون الطّائفة الدّرزيّة https://al-amama.net/.

فلاح، جنان فراج. (2000). امرأة درزيّة. ريشون لتسيون: بركي سفريم.

בודנהימר, פ.ש. 1957. הנרי בייקר טריסטראם, אבי הזואולוגיה של ארץ ישראל. הקיבוץ המאוחד, תל-אביב.

ויינר-לוי, נ. 2008. פועלן של המורות הדרוזיות הראשונות לקידום ההשכלה ולשינוי תפקיד המגדר של תלמידותיהן. דפים 46, 215–237.

Gertrude Bell Archive. 1900. http://gertrudebell.ncl.ac.uk/letter_details.php?letter_id=1177

Giovanni, Mariti. 1769. Travels through the island of Cyprus and Syria and Palestine. From the year 1760 to 1768. Dale anno, MDCCLX al Mdcclxviii S.L.: s.n [Italian].

Mülinen, Eberhard. Von. 1908. Contributions to the Knowledge of the Carmel. K. Baedeker [German].

Oliphant, Laurence. 1887. Haifa: Or, life in modern Palestine, C. A. Dana, Ed.. Harper & Brothers.

Puget, de Saint-Pierre. 1763. History of the Druzes, people of Lebanon, formed by a colony of political and geographical notes. Cailleau [French].

Tristram, Henry. Baker. 1865. The land of Israel: A journal of travels in Palestine, undertaken with special reference to its physical character. Cambridge University Press. https://archive.org/details/landofisraeljour00trisuoft

Volny, Constantin-François. 1972. Travels through Syria and Egypt, in the year 1783, 1784 and 1785. Gregg International

مقالات ذات صلة:

شعر باللّهجة الْمَحكيّة: سيدي شعيب (ص)

سيدي الْعَقِلْ يا شْعيبْ يا بَدْرِ التَّمامْ نورَكْ سَطَعْ عَالْكون في لَحْظِةْ هُيامْ إِنْتِ الْبَديعْ وْإِنِتْ مَنْبَعْ حِكِمْتي   وِالشَّمِسْ تِخْضَعْ