الهجري، جربوع، الحنّاوي، أبو فخر، كوّنوا الرّئاسة الرّوحيّة الأربع في جبل العرب

أُعلن عن مذهب المسلمين الموحّدين الدُّروز المعروف بمذهب التّوحيد، أو مسلك التّوحيد العرفانيّ، والّذي هو أحد المذاهب الإسلاميّة في عام 408 ه / 1017م. وتمثّلت بعد إغلاق باب الدّعوة عام 435ه / 1043م برئيس روحيّ عُرف بأسماء متعدّدة هي: شيخ، وشيخ العصر، وشيخ العُقّال، وشيخ المشايخ، والشّيخ الأكبر، وعُرف أخيرًا بشيخ العقل. وهذ الرّئيس هو وريث الإمام في بعض صلاحيّاته الّتي تتلخّص بتنظيم المصالح الشّرعيّة والرّوحيّة للموحدين الدروز وإحقاق العدل بينهم.
ظلّت مشيخة العقل واحدة متوارَثة بين أبناء الإمارات الثّلاث الّتي أسّسها الموحّدون الدّروز (التّنوخيّة، المعنيّة والشّهابيّة). ولم تحافظ على وِحدانيّتها طوال ثمانية قرون بسبب التّقيُّد بمبدأ ضرورة بقائها موحّدة كونها وريثة الإمامة. فحسب، بل أيضًا بسبب بقائها بمنجى عن المؤثّرات السّياسيّة بين المناطق التّي يسكنها الموحدون في بلاد الشّام.
وفي أواخر الرُّبع الأوّل من القرن التّاسع عشر انقسمت مشيخ العقل في جبل لبنان إلى اثنتين: مشيخة يزبكيّة ومشيخ جنبلاطيّة. وكان للأمير بشير الشّهابي الثّاني الإسهام الأكبر في ذلك إذ أنّه إمعانًا في إضعاف الموحّدين، وبعد أن نجح في القضاء على نفوذ مقطاعجييهم واحدًا بعد آخر أضعف رئاستهم الرّوحيّة بتقسيمها إلى رئاستين على أساس الحزبيّة أو الفرضيّة السّائدة آنذاك، الفرضيّة اليزبكية والجنبلاطية[1].
وفي أواخر الرّبع الأوّل من القرن التّاسع عشر نشأت أيضًا رئاسة روحيّة في جبل حوران (جلا العرب) تلتها رئاسات روحيّة ثلاث منذ عام 1840، ومع بقاء مشيخة العقل في جبل لبنان المرجع الأعلى حتى عهد الانتداب الفرنسي، ومع أن وجود الرئاسات الرّوحيّة الأربع في جبل العرب واستمرارها لم يكونا بدافع تجزئتها أو الانفصال عنها، بل تلبية للحاجة، إلا أنّ هذه الرئاسات أخذت مع الزّمن صلاحيّات مشيخة العقل ودورها وأخذت اسمها في عام 1921 حين استقلّت رسميًّا عن مشيخة العقل في لبنان بتأسيس الانتداب الفرنسي دولة جبل الدروز بموجب الاتفاقية الدّرزيّة الفرنسيّة الموقّعة في 4 آذار 1921. أمّا في فلسطين فقد استقلّت رئاسة الروز الرّوحيّة عن مشيخة العقل في لبنان بعد قيام إسرائيل عام 1948.
نشوء الرّئاسة الرُّوحيَّة في جبل العرب: يعود وجود الموحّدين الدّروز في في العصر الحديث، في جبل العرب إلى عام 1685 حين انتقل إليه الأمير علم الدين المعني مع 150 فارسًا وعائلاتهم بسبب الصّراع القيسي واليمني الّذي أجّجت ناره الدّولة العثمانيّة في أواخر عهد الإمارة المعنيّة من أجل إضعاف هذه الإمارة. وبعد أن عاد الأمير علم الدين من الجبل تسلّم حمدان الحمدان رئاسة النّواة الدّرزية الّتي توطّنت الجبل واستقطبت فيما بعد جموع النّازحين إليه من الشّوف ووادي التّيم وصفد وحلب ودمشق والغوطة وإقليم البلّان (الجولان) [2].
إنّ تكاثر التّجمع الدّرزي الجديد بسبب النّزوح المستمرّ خلق المجال الواسع لظهور القيادات فيه. وكان من الطّبيعي أن ينشأ فيه تبعًا لذلك، ولبعده عن مشيخ العقل في لبنان، ولتعاظم شأنه، مراجع روحيّة عليا تترأّس رجال الدّين، وتتولّى تنظيم الأمور الدّينيّة المذهبيّة والأحوال الشّخصيّة، وقد تأخر نشوء هذه المراجع، أي الرّئاسات الرّوحيّة، إلى أواخر الرّبع الأوّل من القرن التّاسع عشر للأسباب الآتية:
1- قلّة الموحّدين الدروز وعدم استقرارهم في الجبل في المراحل الأولى من توطنّهم. لقد كانوا في بداية عهدهم بالجبل قلائل، فهم لم يبلغوا في عام 1810 سوى سبعة آلاف نسمة، وكان بعضهم غير مستقرّ يتنقّل من قرية إلى أخرى بحسب ما ذكر الرّحالة جون لويس بركهاردت المعروف “بالشّيخ إبراهيم” الّذي زار جبل حوران في خلال رحلاته في سوريا بين عامي 1810و 1812، وكان أوّل من كتب عنه، فقد لاحظ أن قرى كثيرة كانت مسكونة ثد هُجرت، وقرى كانت مهجورة وسُكنت حديثًا[3]. وكان الكثيرون من النّازحين يتوقّعون العودة مساقط رؤوسهم.
2- طبيعة التنّظيم الدّينيّ المذهبيّ عند الدروز : فالمنصب الرّوحي الوحيد عندهم بعد منصب الرّئاسة الرّوحيّة (مشيخة العقل)الّذي يجب أن يكون واحدًا، هو سائس المجلس، وفي ظلّ الواقع الدّينيّ، والتّنظيم الّذي يكتسب صفة البساطة، ويبتعد عن التّراتبيّة والتّعدّديّة، ينفسح المجال واسعًا للأتقياء للقيام بدور كبير في المجال الرّوحيّ، وتنظيم الأمور الدّينيّة، حتّى أن بعضهم أخذ شأنًا لا يقلّ عن شأن الرّؤساء الرّوحيين الرّسميين، يُضاف إلى ذلك غياب التّنظيم القضائيّ الّذي سمح بإتمام معاملات الزّواج والطّلاق أمام رجال الدّين بحسب الأعراف والتّقاليد دون العودة إلى المرجع الرّوحي المسؤول في حالات كثيرة حتى في حال وجوده.
3- عدم ظهور رجالات دينيّة بارزة لها دور القيادة في الجبل قبل الرّبع الأوّل من القرن التّاسع عشر.
إن حنا أبي راشد ينسب إلى الشّيخ الحمدانيّ، شيخ مشايخ الجبل، إيجاد الرّئاسة الرّوحيّة لاستجلاب دروز لبنان من أجل الاستقواء بهم وإعمار قرى الجبل[4] وهذا القول خاطئ لأنّ الرّئاسة الرّوحية لم توجد بتعيين من الحمدان أو غيره، وهي توجد لتجذب الدّروز من أجل إعمار ما تبقّى من قرى الجبل المهجورة وتقوية النازحين القدامى إليه. فتاريخ نشوء هذه الرّئاسة يتزامن مع المرحلة الأخيرة من حكم الحمدان، كما يتزامن مع المرحلة الأخيرة من انتقال الدّروز إلى الجبل إذ لميلِ نشوء الرّئاسة الرّوحية فيه إلّا نزوح درزي جماعي من الشّوف ووادي التّيم حصل بعد الفتنة الطّائفيّة الكبيرة بين الدّروز والنّصارى عام 1860، تجنّبًا لانتقام الحملة الفرنسيّة الّتي قدمت باسم أوروبا إلى الشّرق. وقد استطاع الدّروز تثبيت أقدامهم في الجبل قبل إيجاد الرّئاسة الرّوحيّة فيه، وبفضل القيادة السّياسيّة، والمعارك المنتصرة الّتي خاضوها ضد البدو الّذين كانوا يفرضون الأتاوات ويسلبون ويعتدون على الناس والمزروعات.
نشوء أوّل رئاسة روحيّة عند آل الهجري: تجمع المصادر والمراجع، ويجمع النّاس على أنّ الشّيخ إبراهيم الهجري الأوّل هو أوّل رئيس روحي في جبل العرب، وأنه بالتالي مؤسِّس الرّئاسة الرّوحيّة فيه. أصله من إحدى قرى الشّوف في لبنان، نزح والده إلى الجبل وأصبح كاتبًا عند الحمدان في السّويداء. أمّا هو فقد انتقل إلى بلدة قنوات واستقرّ فيها مع أسرتيْن من آل جزّان، ومنذ صغره ظهرت عليه دلائل النّبوغ، وشبّ على التّقى، ونهل من العلوم الدّينيّة، فغدا مرجعًا روحيًّا وفعّاليّة اجتماعيّة بارزة لها دورها في المجال السّياسيّ إذ كان يستشيره القادة الزّمنيون في الأمور المصيريّة للقرارات.
اشتهر الشّيخ إبراهيم الهجري في المجال الرّوحي بتقواه وغزارة علومه الدّينيّة ونظمه للشّعر الدّينيّ، وتأسيسه المجالس في بعض القرى، وقد نُسبت حوله هالة من القداسة والطّهارة ونودي، بالرّغم من حياته القصيرة التي تبلغ فقط 36 عامًا “بالسّيِّد” وهو لقب يُطلق على الأولياء وكبار التّقاة، وأضحى قبره في قنوات مزارًا بتبارك به الموحّدون واشتهر في المجال السّياسي بأمريْن: أولهما موقفه الصّلب والمعارض لعملية تجنيد القائد المصري إبراهيم باشا الدّروز في جيشه، وقيادة ثورنهم الشّهيرة عليه عامي 1837و 1838 إلى جانب شيخ مشايخ الجبل يحيى الحمدان، وثانيهما نزاعه مع الشّيخ الحمداني الّذي بدأ منزعجّا ومتضرِّرًا من تجاوز النّاس له وميلهم إلى الشّيخ إبراهيم، ومن تحوّل الشّيخ إبراهيم إلى صفوف النّاقمين عليه بسبب ظلمه الفلاحين.
إنّ الشّيخ إبراهيم الهجري حاك عباءة الرّئاسة الرّوحيّة بيديه وبقدراته الذّاتيّة الّتي فرضته واحدًا من الفعّاليّات الاجتماعيّة والسّياسيّة. ولم يكتسب هذه الرّئاسة بتعيين من الشّيخ الحمداني أو باختيار من سواه لشغل منصب لم يكن له وجود قبله. إنّ دور الشّيخ الحمداني لم يكن على الإطلاق دور المعين له بل دور المعترَف به كسائر النّاس، المتوسِّم خيرًا من مناصرته لتعزيز نفوذه السّياسي.
نشوء الرّئاسات الرّوحيّة عند آل جربوع، آل الحنّاوي، آل أبو فخر: نشأت الرّئاسات الرّوحيّة في هذه العائلات بشخص الشّيخ أحمد جربوع الأوّل، والشّيخ أبو علي قسّام الحنّاوي، والشّيخ شهاب أبو فخر، وبرزت بعد وفاة الشيخ إبراهيم الهجري عام 1840في أوقات متقاربة، فكان هؤلاء الشّيوخ معاصرين للشّيخ حسين ابن الشّيخ إبراهيم ومساعدين له.
إنّ الشّيخ أحمد جربوع من عصبيّة قويّة اشتهرت بالشّجاعة والكرم والتّقوى. وقد اشتهر الشّيخ بتديّنه وبكونه أحد القادة في الثّورة على إبراهيم باشا. واشتهر الشّيخ أبو علي قسّام الحنّاوي بفروسيّته وشاعريّته وفصاحته فكان لسان الموحّدين الدّروز والمفاوض عنهم مع القادة العثمانيين، وكان قريب إسماعيل الأطرش (إسماعيل زوج شقيقته) وحليفه في صراعه المنتصر ضد الحمدان. أما الشّيخ شهاب أبو فخر، فهو من الأسرة الثّانية التي تلي أسرة الحمدان في القوّة في بداية توطن الموحّدين الدّروز في الجبل، والّتي نافستها فاضطر الحمدانيون إلى ترحيلها، والشيخ شهاب هو من الفرع المتديّن في آل أبو فخر الّذي سكن ريمة الفخور، فكان صهر الشّيخ إبراهيم الهجري.
ونشوء الرّئاسات الرّوحيّة في هذه العائلات الثّلاث هو كنشوء الرّئاسة الرّوحيّة عند آل الهجري، أي أنّه نتيجة لبروز فعّاليّات دينيّة فرضت نفسها في المجتمع ولبّت حاجاته إلى مراجع روحيّة، وانتزعت اعتراف القيادة السّياسيّة والنّاس بدورها. ولم يكن نشوؤها بتعيين من الزّعامة السّياسيّة الحمدانيّة، بل كان وليد القدرات الذّاتيّة والمواهب.
نخلص إلى القول إن الرّئاسة الرّوحيّة لم تكن في بداية توطّن الموحدين الدّروز في جبل العرب منصبًا شاغرًا ليملأه هذا أو ذاك من النّاس، وإنّما أوجد تكاثر الموحدين في الجبل الحاجة إلى مراجع روحيّة بارزة وقد أهّلت الكفاءات والقدرات الشّيخ إبراهيم الهجري، والشّيخ أحمد جربوع والشّيخ قسّام الحنّاوي والشّيخ شهاب أبو فخر لتكوين الرّئاسات الرّوحيّة الأربع فكانوا المؤسّسين الأوائل للرّئاسة الرّوحيّة.
إن هذه الرّئاسات الرّوحيّة كانت عبارة عن فعاليّات اجتماعيّة سياسيّة لبّت مصالح المجتمع الدّرزي الناشئ، في جبل العرب، وفرضت أنفسها بين القيادات. وهي لم توجد بفضل تعيين من الزّعامة السّياسيّة إذ لو كان الأمر كذلك لاستمرّت هذه الزّعامة في إنشاء الرّئاسات الرّوحيّة من أجل زيادة أنصارها وتقوية نفوذها، وهي ليست وليدة العصبيات القويّة إذ لو كان الأمر كذلك لكان يفترض وجود رؤساء روحيين في العصبيات الأقوى في الجبل وهي آل الحمدان، وآل الأطرش، وآل عامر، وآل هنيدي وآل عز الدّين وآل نصّار.
والرّئاسة الرّوحيّة لم توجد بإرادة العقّال (رجال الدّين) وحرّيّتهم في الاختيار فلو كان الأمر عائدًا إلى هؤلاء لوجب اختيار الرّؤساء الرّوحيين من قِبلهم ومن منطلق عشيرة درزيّة، وهذا ما لم يُعمل به حتى اليوم إذ لا زال يتمّ توارث أبناء الهجري وجربوع والحنّاوي للرئاسات الرّوحيّة الثلاث بهد انتهاء الرئاسة الرّوحية عند آل أبو فخر عام 1930.
وإذ جاز القول بولاية، أي بمدّة رئاسة للرّؤساء الرّوحيين المؤسّسين فإنّه من الصعب تحديد تاريخ بدئها، لأن رئاستهم الّتي تكوّنت في شخصهم مع الأيّام. وإذا استثناهم، يمكن تحديد بداية ولاية خلف كلّ منهم بتاريخ وفاة السّلف لأن العرف السّائد يقضي بإلباس عباءة المشيخة لابن الشّيخ الزّمني أو الشّيخ الرّوحي في يوم الوفاة أو الأسبوع.
وتجدر الإشارة أخيرًا إلى أن هذه الرّئاسات الرّوحيّة خلت عند نشوئها من الصّفة الرّسميّة الّتي تتميّز بها مشيخة العقل، وكان شأنها شأن الرّئاسة الرّوحيّة الموجودة في كلّ ومن لا في المناطق الّتي تخلو من شيوخ عقل فحسب، بل في لبنان أيضًا الّذي كان يوجد فيه سابقًا ويوجد فيه حاليًّا فعّاليّات دينيّة لها دورها البارز في المجال الرّوحي، وفي المجال السّياسي، ومع استمراريّة الرّئاسات الرّوحيّة في جبل العرب فاعلة في مجتمعها، متوارثة بين أبناء العائلات الّتي نشأت فيها، غدا لها الصّفة الرّسميّة الّتي تعزّزت بفضل تكاثر الدّروز في الجبل وتعاظم شأنهم ودورهم. ثم غدا استقلالها الرّسميّ عن مشيخة العقل في لبنان واسم مشيخة العقل بعد إنشاء دولة جبل الدروز في عام 1921.
[1] أنظر عن الفرضية عند دروز لبنان كتابنا: “دروز سوريا ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي 1920-1943” المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت 1992 ص 261.
[2] “جبل العرب، صفحات من تاريخ الموحّدين الدروز” دار النّهار للنّشر، دار عويدات- 1985 ص 161- 172.
[3] جون لويس بركهارد: “رحلات في سوريا” تَرجم بعض فصوله سلامة عبيد بعنوان “جبل حوران في القرن التّاسع عشر” مكتبة حرب للطباعة والنّشر، لا تاريخ ص 40-41.
[4] أنظر مقالة حنا أبي راشد عن جبل الدروز (جبل العرب) بتوقيع الرّحالة في مجلة الهلال عدد أول تشرين الأول 1925 ص 49.
