الموقع قيد التحديث!

نساء رائدات: د. رانية حسين فرّاج

بقلم زاوية من إعداد: السيّدة سهام ناطور (عيسمي) –
دالية الكرمل

باحثة وأكاديمية وأم، تُثبت أن العلم والإنسانية وجهان لعملة واحدة

تشكّل مسيرة د. رانية حسين فرّاج مثالًا مميّزًا للمرأة الّتي جمعت بين البحث العلميّ والعمل التّربويّ والالتزام الإنسانيّ تجاه المجتمع. وُلدت في قرية الرّامة في الجليل ونشأت في بيئة تقدّر العلم والمعرفة، وهو ما أسهم في تشكيل مسارها العلميّ والمهنيّ منذ سنواتها الأولى.

تشغل د. فرّاج اليوم منصب محاضِرة كبيرة في كليّة أورانيم الأكاديميّة للتّربية، كما تمّ تعيينها مؤخّرًا عضوًا في مجلس التّعليم العالي، لتكون بذلك أوّل امرأة درزيّة تتولّى هذا المنصب في دولة إسرائيل. ويعكس هذا التّعيين تقديرًا لمسيرة أكاديميّة طويلة كرّستها للتّعليم والبحث العلميّّ.

تلقّت د. فرّاج تعليمها الأكاديميّ في معهد التّخنيون في حيفا، حيث حصلت على درجة البكالوريوس في تعليم العلوم مع تخصُّص في علم الأحياء، ثمّ الماجستير في تعليم العلوم والتّكنولوجيا، وأخيرًا الدّكتوراه في موضوع التّدريس عن بعد. وبعد ذلك واصلت أبحاثها في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة حيفا ضمن مشروع بحثيّ دوليّ.

بدأت مسيرتها المهنيّة معلّمةً لعلم الأحياء في المدارس الثّانويّة، وهي تجربة شكّلت الأساس لرؤيتها التّربويّة لاحقًا. فقد منحتها سنوات التّدريس فهمًا عميقًا لعالم الطّلّاب واحتياجاتهم، وهو ما قادها إلى البحث في تطوير طرق التّعليم وإعداد المعلّمين.

في كليّة أورانيم تولّت د. فرّاج عدة أدوار أكاديميّة وإداريّة، كان أبرزها رئاستها لبرنامج إعداد معلّمي المرحلة الثّانويّة، وهو البرنامج الأكبر في الكليّة حيث كانت أوّل عربيّة درزيّّة ترأس هذا البرنامج، فعملت على تعزيز العلاقة بين البحث الأكاديمي والممارسة التّربويّة في المدارس، وسعت إلى تطوير نماذج تدريب تربويّ تقوم على الشّراكة بين الكليّة والميدان التّعليميّ.

أمّا في المجال البحثيّ، فتقود اليوم مجموعة بحثيّة في كليّة أورانيم، حيث يتركّز عملها في مجال الإيكو-نيوروبيولوجيا والتّطوّر المعرفيّ، وهو مجال متعدِّد التّخصّصات يدرس تأثير العوامل البيئيّة مثل الحركة والتّغذية والنوم والبيئة النّفسيّة على تطوّر الدّماغ والأداء المعرفيّ لدى الطّلّاب. وقد نشرت أبحاثها في مجلّات علميّة دوليّة وشاركت في مؤتمرات علميّة حول العالم.

وفي السّنوات الأخيرة توسّع اهتمامها ليشمل أيضًا الجانب النّفسّي في عمليّة التّعلّم، حيث تابعت دراستها في مجال العلاج النّفسيّ التّكامليّ، إيمانًا منها بأنّ الصّحّة النّفسيّة للطّلّاب جزء أساسيّ من قدرتهم على التّعلّم والّنموّ، وترى أنّ البيئة التّعليميّة الدّاعمة قادرة على إحداث تغيير حقيقيّ في حياة الإنسان. كذلك وفي إطار هذا التّخصُّص، هي تُدير عيادة خاصّة للعلاج النّفسيّ، تجمع فيها بين تجربتها العلميّة وخبرتها الميدانيّة والأدوات الّتي اكتسبتها خلال مسيرتها البحثيّة، لتقديم الدّعم لمن يعانون من ضغوط الحياة وتداعياتها في زمن يزداد فيه الضّغط والعبء النّفسيّ على الفرد والمجتمع.

إلى جانب مسيرتها الأكاديميّة، ترى د. رانيا فرّاج أنّ هويّتها الدّرزيّة كانت دائمًا مصدر قوّة وإلهام في مسيرتها. فقد شكّلت قيم المجتمع الدّرزيّ مثل الالتزام، واحترام الإنسان، وروح المسؤوليّة الجماعيّة، منطلقًا لكلّ ما قامت به من عمل علميّ وتربويّ. بالنّسبة لها، لم تكن الهويّة يومًا عائقًا، بل كانت جسرًا يربط بين الأصالة والانفتاح، وبين الانتماء المحليّ والحضور في السّاحة الأكاديميّة الدّوليّة.

ولا تنفصل هذه المسيرة العلميّة عن حياتها الإنسانيّة والعائليّة. فإلى جانب كونها باحثة وأكاديميّة، هي أيضًا أمّ وزوجة ترى في العائلة مصدر الدّعم والاستقرار الّذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار والعطاء. وتؤمن بأنّ التّوازن بين الحياة العائليّة والعمل الأكاديميّ ليس مجرّد تحدٍّ، بل هو أحد مصادر القوّة الّتي تمنح الإنسان معنىً أعمق لما يقوم به.

وتطمح د. رانيا حسين فرّاج في المستقبل إلى توسيع التّعاون البحثيّ مع جامعات ومراكز علميّة في العالم، والعمل على تطوير مشاريع تربويّة وبحثيّة تسهم في دعم الإنسان والمجتمع، انطلاقًا من إيمانها العميق بأنّ العلم حين يقترن بالقيم الإنسانيّة يصبح أداة حقيقيّة لبناء مستقبل أفضل. أسرة مجلة “العمامة” تفتخر وتعتز بالدّكتورة رانية، وتزفّ إليها أصدق التّهاني وأطيب التبّريكات على إنجازاتها التّعليميّة والاجتماعيّة، ومسيرتها الريّاديّة الّتي أرست نموذجًا مضيئًا يُحتذى به، وتتمنّى لها مزيدًا من التّميّز والتألّق والتّوفيق.

مقالات ذات صلة: