الموقع قيد التحديث!

نتعرّف على عائلات درزيّة وشخصيّاتها البارزة: آل الهجري

عائلة رائدة في تاريخ الطّائفة الدّرزيّة

تميّزت الطّائفة الدّرزيّة عبر تاريخها بقيادات دينيّة وروحيّة شكّلت محاور التّوازن والاستقرار داخل المجتمع، وكان لعائلة الهجري حضور استثنائي في هذا السّياق، إذ شكّلت مشيخة العقل الّتي تعاقب عليها أفراد هذه الأسرة مركزًا للتّوجيه الدّينيّ والقيادة المجتمعيّة، منذ مطلع القرن التّاسع عشر إلى يومنا هذا.

    لقد جسّدت هذه العائلة العريقة القِيم التّوحيديّة في أبهى صورها، فمزجت بين الورع الدّينيّ والصّلابة الوطنيّة، وبين النّقاء الدّاخليّ والفطنة السّياسيّة. ويُعدّ الشّيخ إبراهيم الهجري المؤسِّس الحقيقيّ لهذا الدّور، وقد خلّف وراءه إرثًا لا يُقاس بطول العمر بل بعُمق الأثر، تتابع من بعده أبناؤه وأحفاده في حفظ الأمانة ورفع راية التوحيد.

الشّيخ إبراهيم الهجري: المؤسّس وباني المرجعيّة

     وُلد الشّيخ أبو حسين إبراهيم الهجري عام 1804 في قرية الأشرفية في غوطة دمشق، في بيت متواضع من عائلة عُرفت بالزُّهد والورع. تعلّم مبادئ الدّين واللّغة على يد والده الشّيخ محمود سلمان زين الدّين، فنشأ على حبّ الرّوحانيات، وظهرت عليه منذ صغره علامات الذّكاء والنّبوغ والتّوق إلى المعرفة. وقد نُسب اسمه إلى “هَجَر”، المكان المقدّس عند الدّروز في شبه الجزيرة العربيّة، لتعلّقه الشّديد به روحيًّا ومع نضوجه العلميّ والرّوحيّ، انتقل إلى بلدة قنوات في جبل الدّروز، حيث استقرّ هناك وبدأ تنظيم الحياة الدّينيّة والاجتماعيّة للطّائفة. فأسّس المجالس الدّينيّة في القرى، وعيّن السُّيّاس، وحثّ الناس على التزام الصّلاة وتلاوة المعلوم الشّريف والتّمسّك بتعاليم الأمير السّيّد قدّس الله سرّه. وفي وقت قصير، تحوّل إلى المرجع الأوحد للدّروز في جبل العرب، بل تجاوز تأثيره الجغرافيّ ليصل إلى لبنان وفلسطين، فأضحت مشيخة العقل في عهده حقيقة قائمة ومؤسّسة منظّمة.

   لم يكن الشّيخ إبراهيم رجلًا دينيًّا فحسب، بل كان زعيمًا وطنيًّا أيضًا، إذ لعب دورًا محوريًّا في مقاومة سياسة التّجنيد الإجباري الّتي فرضها إبراهيم باشا المصريّ على سوريا. قاد ثورة درزيّة مسلّحة، كانت ملاذًا لكلّ من هرب من ظلم الاستعمار والجنديّة، وخاض معارك حاسمة في منطقة اللجاة دامت تسعة أشهر، مُنيت فيها جيوش إبراهيم باشا بخسائر فادحة، قُدّرت بسبعين ألف قتيل، مقابل ثلاثمئة شهيد درزي. وقد اعتُبر هذا الانتصار معجزةً روحيّة ونصرًا من عند الله.

   لكن حياة هذا القائد العظيم لم تطل، إذ اغتيل غدرًا عام 1840 عن عمرٍ لا يتجاوز السّادسة والثّلاثين، ويُروى أنّ أحد ولاة دمشق الأتراك استدعاه وحاول أن يستميله بشتّى المغريات للحصول على تأييده لسياسة الحكم التّركي القائمة على البطش والإرهاب، ولمّا لم ينجح في ذلك دسّ له السّمّ في حذائه، فمات متأثّرًا بالسّمّ بعد أيام، ودُفن في قنوات حيث لا يزال قبره مزارًا مقدّسًا يتبارك به الموحدون.

خلّف الشّيخ إبراهيم وراءه ديوان شعر عاميّ يفيض بالوجد والعرفان، بالإضافة إلى رسائل ومكاتبات قيّمة تُمثّل ركيزة من ركائز التّراث الدّينيّ الدّرزيّ. وقد لُقّب عند وفاته بـالسّيّد، وهو لقب لا يُمنح إلا لمن بلغ أعلى مراتب الصّفاء الرّوحي والكرامات.

شخصيّات بارزة أخرى من آل الهجري:

الشيخ حسين الهجري

بعد وفاة والده الشيخ إبراهيم الهجري تولّى الشّيخ حسين الهجري مشيخة العقل، فكان خير خلف لخير سلف ومن أبرز رجال عصره وأحزمهم وأشدّهم بأسًا وأحرصهم على أن تكون كلمة التّوحيد هي العليا. امتاز بالحكمة والجرأة والفصاحة، وكان مدافعًا شرسًا عن الدّين والكرامة. وقف الشّيخ حسين بشجاعة ضد الفساد والانحرافات لا يهاب في الحقّ لومة لائم، وممّا عُرف عنه أنه كان فصيح اللّسان، قويّ الحجّة، سليم المنطق، أمره نافذ، وخاطره مقبول، كفوءً في القيام بأعباء منصبه مع التّواضع والتّقوى ومحبّة الإخوان وعمل الخير والإصلاح الاجتماعيّ. وأنّ مواقفه للنّهي عن المنكر ولتنفيذ أوامر الدّين قد رفعت من شأن الطّائفة بأكملها حيث قال:” الدّين له شروط، وبأهله موثوق مربوط، وإنّ أمّة الموحّدين إذا لم يحفظوا فروضه وشروطه والتّمسّك بأوامره ونواهيه. فعرِّفوني بأيّ ديانة تدينون؟ وبأيّ شيء إلى الله تتقرّبون؟ ومن أيّ باب إلى الجنّة تدخلون؟ ” مشدّدًا على حفظ الفرائض والتّمسّك بأوامر الدّين ونواهيه، وكان لصوته وقع في المجالس، ولسيرته أثرٌ في النّفوس. وقد شهدت فترته هدوءًا وازدهارًا دينيًّا واجتماعيًّا، فاعتبرها الناس “عصرًا ذهبيًّا” في تاريخ الجبل.

الشيخ أبو يوسف حسن الهجري

انتقلت المشيخة الى الشّيخ أبو يوسف حسن الهجري الّذي وُلد في قنوات بعد وفاة الشّيخ حسين، وقد عُرف عنه رحمه الله أنّه كان من أهل الورع والتّقى والزّهد صاحب بصيرة نيّرة وقويّة وفراسة عميقة فريدة إذ كان يقرأ الأحداث في لوح الغيب هذا فضلًا عن كونه معروفًا بالتّقوى والورع وحكمةٍ صامتة. لكنّ القدر لم يُمهله، إذ اضطرّ إلى الالتحاق بالجيش العثمانيّ ضمن سياسة التّجنيد الإجباريّ، فهرب إلى قرية الرّحيبة، وكان برفقته بعض المجنّدين الدّروز منهم، أبو طلال وهبة عامر وقفطان عزام وحمد المغوش وأبو هلال هزاّع الحلبي وذوقان القلعاني حيث أصيب بالمرض وتوفي هناك في مقتبل عمره، موصيًا بالمشيخة إلى ابن أخيه، أحمد بن مسعود الهجري.

الشيخ أبو حسين أحمد الهجري

تسلّم المشيخة في عمر الرّابعة والعشرين فقط، بوصيّة من عمّه الشّيخ حسن كما أسلفنا. وفي زمن تتداخل فيه أطماع المستعمرين ومؤامرات الدّاخل، برز الشّيخ أحمد كقائد روحي نادر المثال، تمكّن من صون الدّين ومحاربة البدع، والوقوف في وجه الفساد وقلع جذوره، ومواكبة تطلّعات النّاس في ظلّ الاستعمار العثمانيّ والفرنسيّ حيث امتاز بعلمٍ غزير، وحكمةٍ نافذة، وشجاعةٍ في قول الحقّ، وتواضعٍ شديد رفع من شأنه. لقد ساهم الشّيخ أبو حسين أحمد الهجريّ في دعم وتعزيز حركة الاستقلال الوطنيّ ورفع راية الوطن خفّاقة بين رايات سائر الأمم. وأثبت أنّه شخصيّة قياديّة قادرة فذّة نادرة المثال لم يعرف تاريخ هذه المنطقة شخصيّة دينيّة مثلها، غير شخصيّة جدّه الأوّل المرحوم الشّيخ إبراهيم الهجري، كما وكان له دورٌ محوريّ في ترسيخ مفاهيم القيادة الدّينيّة كمؤسّسة فاعلة في المجتمع وقد كرّس نفسه للطّاعة ولخدمة المجتمع والعمل على حلّ مشاكل النّاس وقد تظافرت جهوده مع جهود أبناء الجبل لرفع مستوى أبنائه في كافّة المجالات الدّينيّة والاجتماعيّة والعلميّة. توفي عام 1953، بعد مسيرة حافلة تركت بصمات واضحة في وجدان الطائفة والمنطقة.

الشيخ إبراهيم الهجري (الثاني)

تسلّم المشيخة في العام 1953 بعد وفاة الشيخ أحمد الهجري، في فترة سياسيّة دقيقة من تاريخ سوريا. عُرف بالحكمة والرّصانة، وبمحافظته الشّديدة على قيم الطّائفة وتقاليدها في ظلّ التّغيّرات المتسارعة في المنطقة. سعى إلى الحفاظ على الوحدة الدّاخليّة، وعلى استقلال القرار الرّوحيّ للطّائفة، واستمرّ في تكريس الإرث العائليّ لمشيخة العقل.

فضيلة الشّيخ حكمت الهجري –  الرّئيس الرّوحي الحالّي للدّروز في سوريا

خلف شقيقه الشّيخ أحمد الهجري في هذا المنصب في العام 2012 وقد وُلد في فنزويلا في العام 1965 حيث كان والده يعمل في حينه، ثمّ عاد الى سوريا واستكمل تعليمه على كافّة مراحله فيها، وقد درس الحقوق بجامع دمشق وتخرّج منها في العام 1990، شهدت فترة تولّيه لمشيخة العقل انقسامًا في الهيئة الرّوحيّة في سوريا الى اثنتين: الأولى برئاسته في القنوات والثّانية في منطقة عين الزّمان بقيادة الشّيخيْن يوسف جربوع وحمود الحنّاوي. على الصّعيد السّياسّي، عُرف الشّيخ الهجري بمواقفه المتأنّيّة، حيث أيّد الن

ظام السّوريّ في بدايات الأزمة، ممّا أثار بعض الانتقادات. لكن مع تطوّرات الأحداث بدأ خطابه يأخذ طابعًا أكثر استقلاليّة وتماهيًا مع مطالب المجتمع.

وعقب سقوط الرّئيس بشّار الأسد والنّظام السّوريّ في ديسمبر 2024، دعا إلى حوار وطنيّ برعاية دوليّة، رافضًا تسليم السّلاح قبل ضمان الحقوق الدّستوريّة. كما شدّد في بياناته على وحدة سوريا وضرورة تشكيل حكومة انتقاليّة مدنيّة تكنوقراطيّة تضمن العدالة والشّفافيّة.

في ظلّ المرحلة الجديدة، أبدى تحفّظات واضحة تجاه الرّئيس أحمد الشّرع وحكومته، مؤكدًا رفضه لمحاولات تهميش الجبل ومحافظة السّويداء العريقة والّتي لعبت دورًا هامًّا في تاريخ سوريا ومعربًا عن معارضته للإعلان الدّستوريّ الجديد. وبرز اسم فضيلة الشّيخ حكمت الهجريّ، الزّعيم الرّوحي لطائفة الموحّدين الدّروز، خلال الاشتباكات الأخيرة في محافظة السويداء، بعد رفضه لاتفاق وقف إطلاق النّار مع الدّولة، ومواقفه الصّريحة ضد نظام الشّرع واتباعه الّذين نفّذوا اعتداءات وحشيّة بربريّة ضد سكّان السّويداء والبلدات المجاورة لها، ما دفع بالشّيخ حكمت الهجريّ إلى دعوة المجتمع الدّوليّ، بما في ذلك الولايات المتّحدة وإسرائيل إلى حماية الدّروز. كما وأثارت تصريحاته لصحيفة أمريكيّة جدلاً واسعًا بعد أن أشار إلى أن إسرائيل “ليست العدو”، معتبرًا أنّ الأولويّة يجب أن تكون لمعالجة الأزمة السّوريّة بعيدًا عن الشّعارات التّقليديّة الّتي لم تخدم الشّعب. لقد شكّلت عائلة الهجري عبر قرنين من الزمن، عمودًا فقريًّا في بنية القيادة الرّوحيّة للطّائفة الدّرزيّة في سوريا. ومن الشّيخ إبراهيم الهجريّ المؤسّس، إلى حفيده الشّيخ أحمد المجدّد وحتّى يومنا هذا، تتابعت قيادات هذه الأسرة على حماية القيم والمعتقدات، وترسيخ الحياة الدّينيّة، والدّفاع عن الكرامة والحقوق، في وجه الاستعمار والاضطهاد والفساد.

لم تكن مشيخة العقل في إرث آل الهجريّ مجرّد منصب دينيّ، بل كانت عهدًا أخلاقيًّا والتزامًا عمليًّا بمسؤوليّة الدّين والمجتمع. فبذلوا أعمارهم في سبيل التّوحيد، وزرعوا قيم الصّلاح في الأرض، وتحوّلوا من مجرّد رجال دين إلى رموز وطنيّة وروحيّة كبرى.

وهكذا، فإنّ آل الهجريّ لا يُذكَرون فقط في تاريخ الطّائفة، بل في تاريخ سوريا والمنطقة كلّها، من خلال قيادات صنعت الوعي، وواجهت الظّلم، وعبّدت الطّريق أمام أجيالٍ جديدةٍ من أبناء الجبل للسّير على خطى القِيم والحقّ.

 المصادر:

  • “عائلة الهجريّ في التّاريخ” – مقال الشّيخ المرحوم حاتم قاسم حلبي من العدد الستّين لمجلة “العمامة”  2004
  • موسوعة التّوحيد الدّرزيّة – سميح ناطور.

مقالات ذات صلة: