
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ثلاثةٌ وثلاثونَ عامًا مرّتْ على غيابِ سيّدِ الجزيرةِ الأطهر، وحِرزِها المحفوظِ الأنور، فضيلةِ سيّدِنا الشّيخِ الطّاهرِ الأمين، أبي يوسف أمين طريف، رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاه، ونفعَنا بعميمِ بركاتِهِ وصالحِ ذِكراه.
ثلاثةٌ وثلاثونَ عامًا انقضتْ كلمحِ البصر، تبدّلتْ فيها أحوالٌ ومضتْ أجيال، ولا يزالُ ذلكَ الوجهُ النّورانيُّ الوضّاح، وتلكَ الهيبةُ الرّبّانيّةُ السّاطعة، شمسًا لا تغيبُ عن وجدانِ طائفتِنا، ونبراسًا يُبدّدُ حلكةَ الأيّامِ وعواصفَ الزّمان. ثلاثةٌ وثلاثونَ عامًا ونحنُ ننهلُ من نبعِ سِيرتِهِ الزّكيّة، ونستمدُّ من فيضِ رُوحهِ الطّاهرةِ ثباتَ القلوبِ على التّوحيد، وصدقَ اليقين، وعزيمةَ النّفوسِ في مواجهةِ الخطوب.
إنّ المتأمّلَ في تاريخِنا التّوحيديّ العريق، يرى كواكبَ أضاءتْ دياجي الدّهور؛ هاماتٍ دينيّةً وأوتادًا روحيّةً رسّخوا قواعدَ الدّينِ ومكارمَ الأخلاق. وممّا لا ريبَ فيه، أنّ فضيلةَ سيّدِنا الشّيخ أمين كانَ في عصرِهِ عمودَ هذا الصّرح، وقطبَ رَحاه، وواسطةَ عِقدهِ الفريد. رجلٌ أخلصَ النّيّةَ للواحدِ الأحد، وترفّعَ عن زخارفِ الدّنيا ومتاعِها الزّائل، فاختارَ المسلكَ التّقيَّ الخفيّ، مجاهدًا نفسَهُ بالصّومِ والصّلاةِ والاجتهاد، حتّى تجوهرتْ ذاتُهُ بالطّهارة، وصارَ حِصنًا للطّائفةِ وركنًا وثيقًا تلجأُ إليهِ القلوبُ في كلِّ ملمّة.
ولقد كانَ لي الشّرفُ العظيم، أنْ أكونَ قريبًا من هذا النّور، شاهدًا على ذلكَ الفيضِ الإلهيّ الّذي اختصّهُ اللهُ به؛ فما إن كانَ يسدلُ اللّيلُ أستارَهُ وتنامُ الأعين، حتّى ينتصبَ فضيلتُهُ قائمًا بين يديِ الله، يتضرّعُ بدموعٍ سخيّة، وصوتٍ شجيٍّ يقطرُ خشيةً وحُبًّا وشوقًا لمولاه. يشكو إلى اللهِ هُمومَ الأمّة، ويضعُ بين يديْهِ حوائجَ النّاس، متوسّلًا بالعجزِ والانكسار، مستمطرًا الرّحماتِ والفرج. فكانتْ كراماتُهُ شاهدةً على صدقِ سريرتِه، ومواقفهُ ناطقةً بعظيمِ شأنِه، فغدا مرجعًا يُهابُ ويُطاع، وموئلًا يُحبُّ ويُجلّ، جامعًا بينَ هيبةِ القيادةِ في الدّنيا ورِفعةِ السّيادةِ في الدّين.
ولم تكنْ خلوتُهُ وانقطاعُهُ إلى اللهِ عائقًا عن حملِ همومِ الخلق؛ بل قضى عقودَ حياتِهِ المباركةِ متفقّدًا أحوالَ الرّعيّة، فاتحًا بابَ دارِهِ وصدرِهِ للجميع، ناصرًا للمظلوم، كاسرًا لشَوكةِ التّعدّي، ساعيًا في الصّلحِ وإصلاحِ ذاتِ البين، لا يخشى في اللهِ لومةَ لائم، حتّى صارَ صمّامَ أمانٍ لوحدةِ الطّائفة، وحاميًا لحقوقِها ومقدّساتِها، وسدًّا منيعًا أمامَ كلِّ محاولاتِ النّيلِ من هويّتِنا وعقيدتِنا.
إخواني وأخواتي، تأتي علينا هذه الذّكرى الثّالثةُ والثّلاثون، والمنطقةُ تضطربُ بأحداثٍ جسام، وأوضاعٍ بالغةِ الدّقّةِ والتّعقيد، سواءٌ في بلادِنا هنا، أو بينَ أهلِنا وإخوانِنا في سوريّا وجبلِ العربِ الأشمّ ولبنان. وإنّنا في هذا اليومِ التّذكاريّ، ونحنُ نقفُ في محرابِ سيرةِ سيّدِنا الشّيخ، نجدُ أنّ وصيّتَهُ الخالدةَ تتردّدُ في ضمائرِنا أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى: “حفظُ الإخوانِ، ووحدةُ الصّفّ، والاعتصامُ بحبلِ التّوحيد”.
إنّنا نُعاهدُ اللهَ ونُعاهدُ روحَ سيّدِنا النّورانيّة، أنّنا على عهدِهِ سائرون، وبنصائحِهِ مستمسكون؛ نحملُ أمانةَ الطّائفةِ مع مشايخِنا الأجلاّءِ، ساهرينَ على حقوقِ أبنائِنا، مناضلينَ لنيلِ مطالبِهم المشروعةِ في العيشِ الكريمِ والتّخطيطِ والبناء، ومواجهةِ آفاتِ العصرِ من عنفٍ وغربةٍ عن التّراثِ، بالرّجوعِ إلى أصالةِ قِيَمِنا المعروفيّة. كما نؤكّدُ أنّ عيونَنا وقلوبَنا ستظلُّ شاخصةً نحو إخوانِنا في الجبل، نساندهم في صمودِهم، ونعملُ بكلِّ ما أوتينا من جهدٍ وإمكاناتٍ لرفعِ الحصارِ والمعاناةِ عنهم، إيمانًا منّا بأنّنا جميعًا جسدٌ واحد، لا تُفرّقُهُ مسافاتٌ ولا تُباعدُهُ حدود.
في هذا اليومِ الأغرّ، نتوجّهُ بأكفِّ الضّراعةِ إلى الباري عزّ وجلّ، أن يتغمّدَ سيّدَنا الشّيخَ أبا يوسف بواسعِ رحماتِه، وأن يُجزلَ لهُ الرّضوانَ في علّيّين، وأن يُفيضَ علينا من بركاتِهِ وصالحِ دعواتِه. ونسألهُ تعالى أن يحفظَ طائفتَنا وأبناءَها وبناتِها في كلِّ أرضٍ ومكان، موحّدين، متآزرين، أعزّاءَ كِرامًا، وأن يمُنَّ على ديارِنا والعالمِ أجمع بالأمنِ والسّلامِ والطّمأنينة.
رحمَ اللهُ سيّدَنا الشّيخ، وأعانَنا وإيّاكم على جميلِ الاتّباعِ ورِفعةِ الاقتداء.
والسّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه.