الموقع قيد التحديث!

نبذة عن تاريخ الدّروز في سوريا

يعيش الدّروز في سوريا منذ بدء دعوة التّوحيد في مستهلّ القرن الحادي عشر ميلادي، فقد كانت سوريا، وخاصّة مناطق حلب، غوطة دمشق، وسفوح جبل الشّيخ، من المراكز الفاعلة والنّشطة للدّعوة، وانتشرت فيها التّجمّعات التّوحيديّة بقوّة، لا سيّما في شماليّ سوريا، حيث ازدهر الوجود الدّرزيّ في منطقة أنطاكية وبلغ درجة كبيرة من التّنظيم والصّلابة .إلّا أنّ هذا الازدهار لم يدم، إذ واجه الموحّدون في أنطاكية حملة شرسة عُرفت بـ”محنة أنطاكية”، الّتي استمرّت عدّة سنوات، وتعرّض فيها الدّروز للملاحقة والقتل والتّشريد، ممّا أدّى إلى تفكّك هذا التّجمع القويّ. كما تزامنت هذه الأحداث مع إغلاق باب الدّعوة، ما تسبّب في تراجع انتشار الطّائفة في مختلف المناطق السّوريّة وغيرها. ففي حلب، انحسر عدد الموحّدين بشكل كبير، واقتصر وجودهم على جبل السّمّاق حيث لا تزال هناك حتّى اليوم 13 قرية درزيّة قائمة. كما بقيت بعض القرى الدّرزيّة في غوطة دمشق، وعلى السّفوح الشّرقيّة لجبل الشّيخ، وكذلك في مدخل وادي التّيم من الجهة السّوريّة. وفي تلك الفترة، لم يكن جبل الدّروز مأهولًا بعد بالسّكّان الدّروز. وقد بدأ الاستيطان الدّرزيّ المكثّف في جبل الدّروز في أوائل القرن الثّامن عشر، بعد معركة عين دارا عام 1711 الّتي وقعت بين الفريقيْن القيسيّ واليمنيّ من الدّروز في لبنان. انتصر القيسيّون في هذه المعركة، وهُزم اليمنيّون بقيادة ما تبقى من آل معن، واضطرّوا للنّزوح إلى جبل حوران، حيث عمّروا الخرائب، وبنوا قرى جديدة، وشكّلوا نواة لتجمّع درزيّ قويّ في المنطقة.

مع مرور الوقت، أصبح جبل الدّروز   في سوريا ملاذًا لكلّ درزيّ مظلوم أو مُطارَد، فاستقرّ فيه أناس من ذوي الشّجاعة والاجتهاد، عمّروا أرضه، وحوّلوه إلى قوّة اقتصاديّة وعسكريّة لها شأنها في الإمبراطوريّة العثمانيّة والمنطقة. وقد حاولت الدّولة العثمانيّة حينها فرض التّجنيد الإجباريّ على الدّروز وتجريدهم من سلاحهم، إلّا أنّهم قاوموا هذه المحاولات بشجاعة وإصرار، مماّ أكسبهم وحدة داخليّة وقوّة تماسك فريدة. ومن أبرز المحطّات التّاريخيّة في هذا السّياق، مقاومة الدّروز للغزو المصريّ بقيادة إبراهيم باشا، الّذي احتلّ بلاد الشّام حتّى حدود الأناضول، دون أن يتمكّن من إخضاع جبل الدّروز، إلّا بعد أن قطع عنهم مياه الشّرب، ما اضطرّهم إلى التّفاوض والتّوصّل إلى اتّفاق معه. وفي تلك الحقبة، تولّت أسرة آل حمدان إدارة شؤون الجبل، فكانوا أول من قاد موجة النّزوح الدّرزيّ من لبنان إلى جبل العرب، وعملوا على تنظيم حياة السّكّان وتحويلهم إلى طائفة موحدة ذات نظام اجتماعيّ متماسك. لكن في منتصف القرن التّاسع عشر، بدأت سلطة آل حمدان تضعف، وانتقلت القيادة تدريجيًّا إلى آل الأطرش، بقيادة إسماعيل الأطرش، الّذي قاد جيشًا ولعب دورًا بارزًا في نصرة دروز لبنان خلال أحداث عام 1860، ما عزّز مكانته كزعيم سياسيّ كبير، ووطّد حكم آل الأطرش في الجبل، إذ وُجد في كلّ قرية زعيم من هذه العائلة له الولاية على شؤونها، ويملك ربع أراضيها. وفي عام 1889، ظهرت حركة شعبيّة تمثّلت في تمرّد بعض العائلات الصغيرة على هيمنة آل الأطرش، وقد تمّ تسوية الخلاف، لكنهّا عادت للظّهور عام 1947 بصورة جديدة، وبنفس الحدّة، وانتهت بمصالحة عامّة.

شهدت منطقة جبل الدّروز حروبًا متكرّرة ضد السّلطنة العثمانيّة، بقيادة آل الأطرش، وحقّق الدّروز فيها انتصارات مهمّة، إلى أن جاءت الحرب العالميّة الأولى، حيث وقف الدّروز إلى جانب الأمير فيصل بن الحسين، وساهموا في دخول قوّاته إلى دمشق. غير أن القوى العظمى لم تعترف بحكم فيصل، وفرضت الانتداب الفرنسيّ على سوريا ولبنان.

سعى الفرنسيّون إلى استمالة الدّروز، فأنشأوا دويْلة جبل الدّروز ضمن مشروع تقسيم سوريا إلى كيانات طائفيّة، وشكّلت حكومة محليّة، وانتُخب مجلس نيابّي برئاسة سليم الأطرش، واعتمدت السّويداء عاصمة للدّولة وحُدّد العلم وعُين أصحاب المناصب الماليّة والعدليّة والثّقافيّة وغيرها، إلّا أنّ هذا المشروع كان هشًّا، وقوبل برفض وطنيّ واسع، لا سيّما من قِبل عطوفة سلطان باشا الأطرش، الّذي قاد مع رفاقه الثّورة السوريّة الكبرى عام 1925. ألهبت هذه الثّورة مشاعر الجماهير العربيّة، وأحيت رغبة التّحرّر من الاستعمار، وبرز فيها الدّروز كقوّة وطنيّة شجاعة رائدة. لكنّ الثّورة لم تلقَ الدّعم الكافي من باقي القوى الوطنيّة، بل إن بعض الزّعامات العربيّة تعاونت مع الانتداب الفرنسيّ، ما أدّى إلى ضعف الثّورة وانكفاء قادتها إلى المنفى، حيث نُفي سلطان باشا الأطرش ورفاقه إلى الصّحراء السّعودية، وبقوا هناك عشر سنوات، عانوا فيها من قسوة العيش، في حين تنعّم الآخرون بمواقع السّلطة، حتّى تمّ التوّصل إلى مصالحة عامّة عام 1936، فعاد القادة المنفيوّن إلى ديارهم، ليعيدوا إعمار ما دمرته القاذفات الفرنسيّة.

آثر عطوفة سلطان باشا الأطرش بعد عودته الابتعاد عن السّياسة، بعد ما خاب أمله من بعض مواقف الزّعامات الأخرى. إلّا أن دوره برز مجدّدًا عام 1954، حين شنّ الدّيكتاتور أديب الشّيشكلي حملة عنيفة على الجبل، طارد فيها الدروز، ودمّر بيوتهم، فخرج سلطان من البلاد حقنًا للدّماء. إلّا أن الجيش السّوري تمرّد على الشّيشكلي وأطاح بحكمه، ففرّ إلى البرازيل، وهناك لحقه أحد المتضرّرين من بطشه، وهو المواطن الدّرزي نواف غزالة، الّذي واجهه وقضى عليه. وفي عهد الوحدة بين سوريا ومصر، نال الدّروز تقديرًا واحترامًا، وكان لاستقبال عطوفة سلطان باشا الأطرش للرّئيس جمال عبد النّاصر في السّويداء أثر بالغ، إذ قُوبل الرّئيس المصريّ بحفاوة كبيرة من قبل سكّان الجبل. وبعد الانفصال بين الدّولتيْن، حافظ الدّروز على كيانهم ودورهم المؤثّر في الحياة السّياسيّة، وإنْ بشكل محدود، وقد حرصوا على التّمسك بقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم.

ويبلغ عدد الموحّدين الدّروز في سوريا اليوم حوالي 700 ألف نسمة، يتوزّعون بشكل أساسيّ في جبل الدّروز (الّسويداء)، وفي مناطق من حلب، وغوطة دمشق، وسفوح جبل الشّيخ.  

المصدر: موسوعة التّوحيد الدّرزيّة، سميح ناطور، 2011

مقالات ذات صلة:

في رحاب الكرمل المقدس

اكتسب جبل الكرمل منذ القدم، هالة من القدسية، حيث كان من أوائل المناطق التي استوطنها إنسان في بلادنا، إذ تدل