الموقع قيد التحديث!

من أركان مذهب التوحيد

بقلم الشّيخ أبو توفيق سليمان سيف
يانوح

مذهب التّوحيد فلسفة تعتمد على الإيمان والمنطق، ومن بعض أركانها ما يلي:

التّواضع:

التّواضع هو ميزة أساسيّة مستحبّة ومرغوبة في المجتمع الدّرزي. وقد أمر دين التّوحيد بالتّواضع وعدم التّكبُّر، فسار رجال الدّين على هذا النّهج، وقاموا بواجباتهم خير قيام، وأصبحوا من الكبار، لكن ظلّت نفوسهم صغيرة (بمعنى التّواضع)، وظلّت أفكارهم في مستوى المطلوب، وتعاملوا مع النّاس بلين ورفق، وبدون تكبُّر وزهو. وكثيراً ما نشاهد رؤساء روحيّين وشيوخ عقل وأقطابًا من المشايخ يوقّعون أسماءهم ويكتبون كلمة “الحقير” قبل اسمهم، وذلك مبالغة في التّواضع وصغر النّفس. وقد ذُكر عن كبار الزُّهاد والمشايخ الكبار، تواضعهم في المأكل والملبس والحياة بصورة عامّة، وعدم ركضهم وراء المركز والجاه.  ونبذهم لكلّ علامات التّعالي، كثيرون منهم عاشوا في أماكن نائية وفي تقشُّف كبير وعلى النّزر القليل من الخبز والماء، وبأسلوب حياة كصغار النّفوس، يكتفون بالقليل ويسدّون الرّمق، لكنّهم كانوا أقوياء بالإيمان وبالعقيدة وبالتّراث، والتّواضع متواجد عند رجال الدّين، ففي الخلوة لا يوجد رئيس، أو مرؤوس، أو مكان عالٍ، أو منخفِض، إنّما يجلس الجميع بنفس المستوى ويقومون بنفس الصّلوات، هكذا يتصرّف المتديّن الدّرزيّ في كلّ مرحلة من مراحل حياته، وفي كلّ مكان يتواجد به.

التّوكُّل:

التّوكُّل هو أن يؤمن الإنسان إيمانًا مطلقًا بالله سبحانه وتعالى، ويعتمد عليه، ويعتقد أنّ الله عالم بكلّ سرائره، وهو الّذي يوجِّه خطاه ويحدِّد الأمور المصيريّة فيتّكل عليه ويطمئنّ إلى أنّه لا يحدث شيء إلّا ما كتبه الله. في حياته. وعلى الإنسان أن يعتمد على نفسه، وأن يسعى ويجتهد ويخطِّط، ويضع نصب عينيه أهدافًا ومشاريع وأمورًا يبغي تحقيقها، ويعمل كلّ جهده من أجل ذلك، لكن عليه أن يتّكل على الله دائمًا وأن يترك مصيره لمشيئة الله، وألّا يكفر بالنّعمة، وألّا يتذمّر من مكروه أصابه. فالتّوكّل هو الاعتماد الكلّيّ والقبول الكلّيّ بمشيئة الله، وما يحدّده للإنسان. والمطلوب من الإنسان المؤمن أن تكون ثقته بالله، سبحانه وتعالى، كاملة، وأن يبتهل ويصلّي إليه، أن يحقّق له مشاريعه، وأن يقوم بكلّ ما يتطلّب منه من سلوك قويم وتقوى، وأن يتفرّغ في نفسه لمحبّة الله والاعتماد عليه، وألّا يقبع في بيته منتظراً حدوث شيء ما، وألّا يقعد عن الكسب، وألّا يهجر العمل ليشكّل بذلك عالة على أهله ومجتمعه، وإنّما عليه أن يفكّر بكلّ ما باستطاعته للسّعي والكسب والنّجاح وتحقيق ما يريد، والاعتماد هو على الله.

الزُّهد:

الزُّهد هو عدم الانغماس في مباهج الدّنيا، والعزوف عنها، وعدم الطّمع فيها، وعدم الاستجابة لشهوة والتّملّك؛ فالدّنيا زائلة ولا يجوز أن يفضّلها الإنسان على دينه. وعلى الموحّد ألّا يحزن على ما فاته من دنياه وألّا يفرح بما أتاه منها، فكلّ شيء زائل إلّا عمل الخير فهو الباقي. وعلى الإنسان أن يثق بالدّرجة الأولى بالله، سبحانه وتعالى، وبما كتبه له، وقد حثّ مذهب التّوحيد على الزّهد كي يدفع بالموحّد إلى إراحة قلبه في الدّنيا والآخرة، وإلى ما هو أبقى لصالح نفسه، فمَنْ زهد في الدّنيا هانت عليه مصائبه، ويحرِّم مذهب التّوحيد أن يتأسّف الموحّد على ما فاته من دنياه، إذا سُلِّم دينه، ويحرّم عليه أن يفرح بدنياه على حساب دينه، والزّهد لا ينقص الرّزق، فالعبد مصاب بما قسم الله من أمر دنياه. والزّهد عند الموحّدين الدّروز هو الطّريق لمعرفة الحكمة وانشراح الصّدر بالعلم الذّاتيّ والهداية الشّفافة، وإنبات المعرفة من القلوب. وقد قيل: مَن طلب الدّنيا خسر الدّنيا والآخرة معًا، ومَن طلب الآخرة فاز بالاثنتين معًا.

التّوبة:

التّوبة هي من جوهر العقيدة التّوحيديّة ومن أركانها الأساسيّة. فهناك بعض النّاس أحيانًا يميلون إلى أمور غير مستحبّة، و ينجرفون وراء المغريات، ويخطئون ولا ينتبهون إلى ما يفعلونه لأنّهم منغمسون بالملذّات. وقد كان من الأفضل والأجدى لهم أن يتجنّبوا هذه المعاصي ولا يفعلونها، ولكنّ إذا وقعت المعاصي فعلًا فباب التّوبة مفتوح لهم ليعودوا عن غيّهم ويتّخذوا المسلك السّليم.، والطّريق الصّحيح، وأن يطلبوا الغفران والمغفرة عن ذنوبهم، وأن أخلصوا بنيّة صادقة وضمير سليم إلى ربّهم ودينهم ومجتمعهم، محاولين دائمًا أن يقوموا بفروضهم وواجباتهم اتّجاه أسرهم ومجتمعهم ودينهم.   والعقيدة الدّرزيّة تشدّد كثيرًا في موضوع التّوبة؛ فبينما في الأديان الأخرى التّوبة تمسح كلّ الذّنوب وتُمحى، عندما يتوب الإنسان ويعود على رشده، أمّا في العرف التّوحيديّ وحسب مسلك التّوحيد هناك جريمتان لا تغتفران أبدًا هما “الكبيرتان: القتل والزّنا “، فيمكن لفاعل إحدى الكبيرتين أو كليهما، أن ينضمّ لصفوف الدّين، لكن يظلّ طوال حياته في منزلة أقلّ من أولئك الّذين لم يخطئوا.

وفي هذه المسألة يحاسب الإنسان على تصرّفاته بعد بلوغه سن الخامسة عشرة سنة، لذلك على المرء أن يكون منتبهًا دائمًا، ويقظًا وحريصًا ألا يشبك نفسه في عمل صبيانيّ، يعتقد في حينه أنّه شيء خفيف، لكنّه يتحمّل أعباءه في وقت لاحق، إذ يُحاسب عليه دائمًا.

شروط التّوبة: ذكر العلماء أنّ التّوبة واجبة من كلّ ذنب، فإذا كانت المعصية بين العبد وبين الله لا تتعلّق بحقّ آدميّ فلها ثلاثة شروط: أن يقلع عن المعصية، أن يندم على فعلها، وأن يعزم ألا يعود إليها أبداً. وإذا كانت تتعلّق بحق آدميّ، فشروطها أربعة: الثلاثة المذكورة، وأن يبرأ من حقّ صاحبها…

مقالات ذات صلة:

دروس واعتبار ويقظة وتذكار

إنّ هذه المناسبة الجليلة، ذكرى زيارة مقام سيدنا شعيب عليه السلام، تدعونا لنستفيق من سباتنا العميق، سبات الغفلة عن الله