مقدمة: يُعدّ العصر العباسيّ من أهمّ المراحل التّاريخيّة في الحضارة الإسلاميّة، إذ شهد منذ قيام الدّولة العبّاسيّة سنة 132هـ/750م تحوّلات سياسيّة وفكريّة ودينيّة عميقة استمرّت حتّى سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م. ولم تقتصر أهمّيّة هذا العصر على التّطوّر الحضاريّ والعلميّ، بل شهد أيضًا ظهور العديد من الحركات والمذاهب والتّيّارات الفكريّة، نتيجة التّعدُّد الدّينيّ والمذهبيّ والتّنافس السّياسيّ على السّلطة والشّرعيّة. وفي هذا السّياق ظهرت الدّعوة الدّرزيّة في أوائل القرن الخامس الهجريّ/الحادي عشر الميلاديّ، خلال الفترة الّتي كانت فيها الدّولة الفاطميّة تفرض نفوذها على مصر وأجزاء من بلاد الشّام. ولذلك فإنّ دراسة تاريخ الدّروز أثناء العصر العبّاسيّ تتطلّب التّمييز بين الخلافة العبّاسيّة والدّولة الفاطميّة؛ فالدّعوة الدّرزيّة لم تنشأ داخل الدّولة العبّاسيّة، وإنّما ظهرت في البيئة الفاطميّة، إلاّ أنّ نشأتها كانت جزءًا من المناخ السّياسيّ والمذهبيّ الّذي اتّسم بالتّنافس بين العبّاسيّين والفاطميّين. كما ارتبط تاريخ الدّروز في بلاد الشّام لاحقًا بالتّحوُّلات العسكريّة والسّياسيّة الّتي شهدتها المنطقة، ومن بينها وصول الحملات الصّليبيّة في أواخر القرن الحادي عشر ميلادي. وقد شارك الدّروز، إلى جانب قوى وجماعات محلّيّة أخرى، في مقاومة الوجود الصّليبيّ والدّفاع عن مناطقهم، وهو ما منح بعض مناطق وجودهم أهمّيّة سياسيّة وعسكريّة:
أوّلًا: العصر العبّاسيّ والتّعدُّد السّياسيّ والمذهبيّ – قامت الدّولة العبّاسيّة سنة 750م، واتّخذت بغداد مركزًا للخلافة، وأصبحت المدينة خلال القرون التّالية مركزًا سياسيًّا وعلميًّا وثقافيًّا مهمًّا. وقد شهد العصر العبّاسيّ ازدهارًا في العلوم والفلسفة والأدب والتّرجمة، إلى جانب نشاط واسع في مجال الفكر الدّينيّ والمناظرات المذهبيّة. إلّا أنّ قوّة الخلافة العبّاسيّة لم تبقَ على حال واحدة طوال هذه الفترة. فمنذ القرن الرّابع الهجريّ، بدأت سلطة الخلافة السّياسيّة تتراجع في عدد من الأقاليم، وظهرت دول وسلالات مستقلّة أو شبه مستقلّة. وفي الوقت نفسه برزت الدّولة الفاطميّة باعتبارها قوّة سياسيّة ومذهبيّة منافسة للعبّاسيين. وقد اكتسب الصّراع بين العبّاسيّين والفاطميّين أهمّيّة خاصّة لأنّه لم يكن مجرّد صراع على الأراضي والنّفوذ، بل ارتبط أيضًا بمسألة الشّرعيّة الدّينيّة والسّياسيّة. فقد تبنّى الفاطميّون المذهب الإسماعيليّ، وطرحوا أنفسهم باعتبارهم أصحاب الحقّ في الإمامة والخلافة، في مقابل الخلافة العبّاسيّة في بغداد.
ثانيًا: الدّولة الفاطميّة وظهور الدّعوة الدّرزيّة – دخل الفاطميّون مصر سنة 969م، وأسّسوا مدينة القاهرة، الّتي أصبحت مركزًا سياسيًّا وحضاريًّا للدّولة الفاطميّة. وفي ظلّ هذه الدّولة ظهرت الدّعوة الدّرزيّة خلال عهد الخليفة الفاطميّ الحاكم بأمر الله، الّذي تولّى الحكم سنة 996م. وتشير المصادر إلى أنّ الدّعوة الجديدة نشأت في بيئة إسماعيليّة، ثمّ تطوّرت باتّجاه عقائديّ خاصّ. وكان من أبرز الشّخصيّات المرتبطة بتكوينها حمزة بن علي، الّذي أصبح أحد أهمّ الدّعاة. كما ارتبط اسم محمد بن إسماعيل الدّرزيّ بتاريخها المبكِّر، ومن اسمه اشتهرت تسمية “الدّروز”، مع وجود خلافات تاريخيّة وعقديّة بينه وبين حمزة بن علي. ولا يمكن فهم نشأة الدّعوة الدّرزيّة بعيدًا عن الظّروف الفكريّة والسّياسيّة الّتي كانت سائدة في الدّولة الفاطميّة. فقد كانت مسألة الإمامة والشّرعيّة الدّينيّة تحتلّ مكانة مركزيّة في الفكر الإسماعيليّ، جوهر الصّراع المستمرّ مع الخلافة العبّاسيّة. وفي هذه البيئة ظهرت أفكار الدّعوة الدّرزيّة وتبلورت تدريجيًّا.
ثالثًا: الحاكم بأمر الله وتحوُّل الدّعوة – كان الحاكم بأمر الله شخصيّة محوريّة في التّاريخ المبكِّر للدّعوة الدّرزيّة. وقد ظهرت في أواخر عهده أفكار دينيّة جديدة ارتبطت بمكانته، وانتشرت بين مجموعة من الدّعاة والأتباع. وفي سنة 1021م اختفى الحاكم بأمر الله في ظروف لم تحسمها المصادر التّاريخيّة بصورة قاطعة. وقد أدّى اختفاؤه إلى تحوّل كبير في وضع الدّعوة؛ إذ تعرّض أتباعها للملاحقة في مصر، وانتقل معظمهم إلى مناطق أخرى، وخاصّة بلاد الشّام. ومع انتقال الدّعوة إلى بلاد الشّام بدأت مرحلة جديدة في تاريخها. فقد ساعدت الطّبيعة الجغرافيّة لبعض المناطق الجبليّة على استقرار الدّعوة والحفاظ على خصوصيّتها الدّينيّة والاجتماعيّة، وأصبحت مناطق مثل وادي التّيم وجبل لبنان من أهمّ مناطق وجود الدّروز.
رابعًا: استقرار الدّروز في بلاد الشّام – كانت بلاد الشّام خلال القرن الخامس الهجريّ منطقة ذات أهمّيّة استراتيجيّة كبيرة، نظرًا إلى موقعها بين مصر والعراق والأناضول، ولذلك أصبحت ساحة للتّنافس بين قوى سياسيّة مختلفة. وفي هذه البيئة استقرّ أتباع الدّعوة الدّرزيّة في عدد من المناطق، ولا سيّما المناطق الجبليّة. وقد وفّرت الجغرافيا الجبليّة قدرًا من الحماية والعزلة النّسبيّة، وهو ما ساعد الدّروز على الحفاظ على تماسكها الدّينيّ والاجتماعيّ في ظلّ التّغيّرات السّياسيّة المتلاحقة. ومع مرور الوقت، تطوّر المجتمع الدّرزيّ من حركة دينيّة ناشئة إلى جماعة دينيّة واجتماعيّة ذات خصوصيّة واضحة. كما أنّ توقُّف الدّعوة إلى اعتناق المذهب أدّى إلى زيادة الانغلاق النّسبيّ للفرقة والمحافظة على هويتّها الدّاخليّة.
خامسًا: الدّروز والحملات الصّليبيّة – في أواخر القرن الحادي عشر الميلاديّ بدأت الحملات الصّليبيّة، وكان وصول الصّليبيّين إلى بلاد الشّام نقطة تحوُّل كبيرة في تاريخ المنطقة. وقد أدّت الحملات الصّليبيّة إلى إنشاء عدد من الإمارات والمراكز العسكريّة الصّليبيّة، وأصبحت مناطق واسعة من بلاد الشّام مسرحًا للصّراع بين الصّليبيّين والقوى الإسلاميّة المحليّة والإقليميّة. وفي هذه الفترة كان الوجود الدّرزيّ قد أصبح مرتبطًا بعدد من المناطق الجبليّة في بلاد الشّام، الأمر الّذي منح الدّروز أهمّيّة محلّيّة في مواجهة التّوسُّع الصّليبيّ. وقد شارك الدّروز، إلى جانب جماعات وقوى أخرى، في مقاومة الوجود الصّليبيّ والدّفاع عن مناطقهم. ومن النّاحية التّاريخيّة، ينبغي عدم القول إنّ الدّروز كانوا “حرس حدود للدّولة العبّاسيّة” ضد الصّليبيّين؛ فهذا الوصف غير دقيق زمنيًّا وسياسيًّا. فقد بدأت الحملات الصّليبيّة سنة 1096م تقريبًا، في وقت كانت فيه الخلافة العبّاسيّة قد فقدت السّيطرة السّياسيّة المباشرة على معظم بلاد الشّام، وكانت المنطقة تخضع لنفوذ قوى إسلاميّة محلّيّة وإقليميّة متعدِّدة. والأدقّ أن يقال إنّ الدّروز شاركوا في مقاومة الوجود الصّليبيّ ضمن القوى المحلّيّة الإسلاميّة في بلاد الشّام، وأنّ المناطق الجبليّة الّتي استقرّوا فيها أدّت دورًا مهمًّا في توفير الحماية والمواقع الدّفاعيّة. كما ساهمت طبيعة المنطقة في منح الدّروز قدرة أكبر على الحفاظ على وجودها خلال فترة الصّراعات العسكريّة.
سادسًا: أهمّيّة الدّور الجغرافيّ والعسكريّ – لم يكن الدّور الّذي لعبته المناطق الجبليّة مقتصرًا على الجانب العسكريّ، بل كان له أثر واضح في الحفاظ على الطّائفة الدّرزيّة نفسها. فالجبال وفرّت بيئة أكثر صعوبة أمام الجيوش الغازية، كما سمحت للسّكّان المحلّيّين بالاحتفاظ بدرجة من الاستقلال مقارنة بالمناطق المفتوحة. وقد أصبح الموقع الجغرافيّ لبعض المناطق الدّرزيّة عاملًا مهمًّا في تاريخها، خاصّة مع تزايد الصّراعات بين القوى الإسلاميّة والصّليبيّين. ومع ذلك، ينبغي النّظر إلى هذا الدّور ضمن السّياق العامّ للصّراع في بلاد الشّام، وعدم عزله عن أدوار القوى الإسلاميّة الأخرى الّتي شاركت في مواجهة الصّليبيّين. كما أنّ مقاومة الصّليبيّين لم تكن حدثًا واحدًا أو جهدًا تقوم به مجموعه واحدة، بل كانت عمليّة طويلة شاركت فيها قوى سياسيّة وعسكريّة متعدِّدة، من بينها السّلاجقة والأيّوبيوّن، إضافة إلى جماعات وقوى محلّيّة مختلفة.
سابعًا: الدّروز والعبّاسيّين – تظهر أهمّيّة دراسة الدّروز في العصر العبّاسيّ في أنّها تكشف عن طبيعة التّحوُّلات الّتي شهدها العالَم الإسلاميّ في المرحلة المتأخِّرة من الخلافة العبّاسيّة. فظهور الدّعوة الدّرزيّة تزامن مع فترة تراجع السّلطة السّياسيّة المباشرة للعبّاسيّين وازدياد نفوذ قوى إقليميّة أخرى، وعلى رأسها الفاطميّون. ومن ثمّ، فإنّ العلاقة بين الدّروز والعصر العبّاسيّ كانت علاقة سياقيّة أكثر منها علاقة مباشرة. فقد نشأت الدّعوة في الدّولة الفاطميّة، لكنّها ظهرت في عالم إسلاميّ كان منقسمًا سياسيًّا ومذهبيًّا بين قوى مختلفة، وكانت الخلافة العبّاسيّة والفاطميّة أبرز مظاهر هذا الانقسام. أمّا بعد انتقال الدّروز إلى بلاد الشّام، فقد أصبح تاريخهم مرتبطًا بالتّطوّرات السّياسيّة والعسكريّة الّتي شهدتها المنطقة، ومن بينها الحملات الصّليبيّة. ولذلك يمكن دراسة تاريخ الدّروز باعتباره جزءًا من تاريخ بلاد الشّام في العصور الوسطى، وليس باعتباره تاريخ مجموعه منفصلة عن محيطها السّياسيّ والاجتماعيّ.
خاتمة: يتّضح من خلال دراسة تاريخ الدّروز في العصر العبّاسيّ أنّ ظهورهم ارتبط بالمرحلة الأخيرة من العصر العبّاسيّ، لكنّه لم يكن نتيجة مباشرة للخلافة العبّاسيّة. فقد نشأت الدّعوة الدّرزيّة في مصر خلال عهد الدّولة الفاطميّة، وفي بيئة إسماعيليّة اتّسمت بالصّراع السّياسيّ والمذهبيّ مع الخلافة العبّاسيّة. وكان الحاكم بأمر الله شخصيّة محوريّة في المرحلة الأولى من تاريخ الدّعوة، ثمّ أدّى اختفاؤه سنة 1021م إلى انتقال عدد من أتباعها إلى بلاد الشّام. وهناك ساعدت الظّروف الجغرافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة على استقرار الجماعة والحفاظ على خصوصيّتها. ومع وصول الحملات الصّليبيّة إلى بلاد الشّام، أصبح الدّروز جزءًا من البيئة المحلّيّة الّتي واجهت التّوسُّع الصّليبيّ، وشاركوا إلى جانب قوى وجماعات أخرى في مقاومة الوجود الصّليبيّ والدّفاع عن مناطقهم. وعليه، فإنّ دراسة تاريخ الدّروز في العصر العبّاسيّ تتطلّب فهمًا متكاملًا للعلاقات بين العبّاسيّين والفاطميين، وللتّطوُّرات المذهبيّة في القرن الخامس الهجريّ، ولأهمّيّة بلاد الشّام باعتبارها منطقة استراتيجيّة شهدت صراعات سياسيّة وعسكريّة متواصلة. كما تكشف هذه الدّراسة عن طبيعة التّداخل بين الدّين والسّياسة والجغرافيا في تشكيل الجماعات والهويّات خلال العصور الوسطى.
المصادر:
- المقريزي، تقيّ الدّين أحمد بن علي. اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا. تحقيق جمال الدّين الشّيّال.
- ابن تغري بردي، جمال الدّين. النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة. القاهرة.
- Halm, Heinz. The Fatimids and Their Traditions of Learning. London: I.B. Tauris.
- Hodgson, Marshall G. S. The Venture of Islam: Conscience and History in a World Civilization. University of Chicago Press.