علم من أعلام التّوحيد، وشيخ فاضل رشيد، تدثّر بدثار الهيبة والوقار، ولازم الخضوع لله والاستشعار، لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، وسيف عدله في فكّ النّزاعات قائم. تقيّ ورعٌ ديّان، وعينٌ من السّادة الأعيان. جواد ذو مروءة وفضل، ورجيح الفكر والعقل. بانت له الكرامات، ووقّره الأعلام والسّادات. رحمات الله عليه عديد قطرات السّماء، تُترى عليه ويرقى منابر العزّ والكرامة يوم الجزاء.
نشأته:
عاش الشّيخ أبو علي يوسف مكارم في رأس المتن ما بين (1837م- 1934 م) على التّقريب. عمل في مهنة النّجارة إلى أن كبر أولاده، فتفرّغ بعدها للعبادة في الخلوة الّتي عمّرها سنة 1299 م في ضيعته، مجاهدًا في تلاوة كتاب الله العزيز، قائمًا اللّيل خاشعًا لله سبحانه، مسبِّحًا ممجِّدًا لعظمته، حامدًا شاكرًا لنعمه. ألبسه الله سبحانه ثوب الهيبة والوقار، فهابه العظام والأحرار، تُفضّ النّزاعات مهما عظمت، بعقله الرّشيد وسدقه الوكيد، ورأيه السّديد، وكلّ من المتخاصمين يأخذ حقّه بالإنصاف، بعد الاعتذار منه والاعتراف. وقد قال عنه الأمير شكيب أرسلان: ” لم يكن يعجبني عقلُ عاقلٍ نظيرُه”.
محطّات مشرقة في حياته:
– دخل الشّيخ الجليل أبو علي يوسف لفضّ نزاع قائم في قبّيع، وكاد النّزاع أن يحلّ، لكن دخل شخص ليعرقل الحلّ. فقال له الشّيخ: “اللهمّ اِلْعن من تعامى عن الحقّ”. وبعدها أصبح هذا الرّجل يتعسّر في حياته بشكل ملحوظ، فاعتبر وقال: “هذا من غضب الشّيخ أبو علي يوسف عليّ”، وبعدها عاد إلى جادة الصّواب وصلح حاله.
– كان هناك عادة في بلاده إقامة الولائم في الأتراح، فأصدر الشّيخ الجليل تحريمًا قاطعًا في ذلك، حتّى تحوّلت السُّنّة السّيئة إلى سُنّة متّبعة محمودة جديدة.
– كان كثير التّشدّد في أمر الدّين حتّى إنه لم يحضر مأتم ابنه، لأنّه لم يكن تحت خاطره من النّاحية الدّينيّة.
– كان لا تأخذه في الحقّ لومة لائم، وكان اعتماده على كتاب الله تعالى، وشروحات السّيّد الأمير ومكاتباته.
– جاءه شخص من أهل ضيعته قويّ البنية، باستطاعته رفع الجرن بكلّ بسالة (رفع الجرن، هو لعبة تراثية في المهرجانات القرويّة القديمة). وقال للشّيخ: نطلب منك أن تحلم على أخي، وتفاتحه بآيات الله المباركة. فأجابه الشّيخ أبو علي يوسف: “أخوك لا يستحقّ. الدّين ليس برفع الأجران” فلم يحترم هذا الشّخص كلام الشّيخ كما يجب، فاعتلّ جسمه وأصبح لا يقوى على حمل الجرن، واعتبر من ذلك، وقال: هذا جزاء غضب الشّيخ أبو علي يوسف عليّ.
– كان أناس من عائلة “سرسق” وجهاء وأصحاب نفوذ ومال، وقع خلاف بينهم وبين بني معروف، ممّا حدا بميشال سرسق وهو وجيه كبير في هذه العائلة بإدخال مجموعة من أبناء طائفتنا (بني معروف) إلى السّجن، فقصد الشّيخ الجليل أبو علي يوسف ميشال سرسق من أجل إطلاق سراح المسجونين. فقال له ميشال سرسق: ” خاطر حضرتك أن نطلق سراحهم” فقال له الشّيخ: نعم، هؤلاء جيرانك تحتاجهم. فأطلق سراحهم. وبعد فترة، حصل حريق في أملاك ميشال سرسق، فسارع بعض النّاس الّذين حبسهم ميشال سرسق وأطفأوا الحريق. فقال ميشال سرسق: صدق الشّيخ أبو علي يوسف. احتجناهم.
– أمّا قصّة تعرّف الشّيخ أبي علي يوسف على ميشال بك سرسق كانت أثناء مجيء الوالي العثمانيّ جمال باشا ومعه أنور باشا إلى لبنان، وكانا جالسَيْن في قصرهما في صوفر، يستقبلان الضّيوف المهنّئة من سائر المناطق اللّبنانية بقدومهما، ومن جملة الزّوار ميشال سرسق، وكان النّاس يدخلون إلى القصر مهنّئين وجمال باشا من عادته لا يقف لأحد من المهنّئين ولا يسلّم عليه، وأثناء تحدّثه مع أنور باشا وهو غير مكترثٍ بالمهنّئين، ينظر من شرفة القصر ويرى الشّيخ أبا علي يوسف يمشي على طريق(شارون- قبيع)، ويمرّ من جانب قصر جمال باشا، وكان له حاجة في شارون يريد قضاءها، فلمّا رآه جمال باشا هرع ومعه أنور باشا لملاقاته، وأمسكا بيديه، ودعوَاه إلى القصر ودخلا وهما حوله وأجلساه بجانبهما، وأخذا يتحدّثان معه ويرحّبان به، فحينئذٍ وقف ميشال سرسق وتعرّف على الشّيخ الجليل، وبدأت تتوطّد العلاقة بينهما، والزّيارات المتبادَلة.
– كان الحاكم الفرنسيّ عندما يزور مشايخ طائفة بني معروف تكون مدّة الزّيارة الّتي يعيّنها نصف ساعة، إلّا عند الشّيخ الجليل أبي علي يوسف فكان الحاكم الفرنسيّ المذكور يمكث نصف ساعة زائدة. وكان يقول للنّاس: ما وقع نظري على شخص مثل هذا الشّخص. وقال له الحاكم الفرنسيّ: “يا أيّها الشّيخ الجليل، أدعُ لدولة فرنسا”. فأجابه: العالَم بستان، سياجه الدّولة. الدّولة سلطان تحيا بها السّنّة (القوانين والأنظمة العادلة). السّنّة سياسة يسوسها الملك. الملك راعٍ يعضده الجيش. والجيش أعوان يكفلهم المال. المال رزق تجمعه الرّعيّة. الرّعيّة عبيد يكتنفه العدل. العدل المألوف هو إصلاح العالم. والدّولة العادلة لا تحتاج لدعاء.
– عندما تُوفّيَ محمد ابن الأمير مصطفى أرسلان، عَظُمَ على الأمير مصطفى ذاك المُصاب، ولم يستقبل أحدًا لأداء واجب التّعزية، ولا يتكلّم معه، وهو يتمشّى في بلاط قصره، غاضبًا أثقله عظم المصاب وعندما وصل الشّيخ أبو علي يوسف لتقديم واجب التّعزية، وضع يده على كتف الأمير مصطفى، فبردت نيران قلبه. وقال له الشّيخ أبو علي يوسف: المصيبة كبيرة، ولكن عقلك أكبر. فقال له: يا شيخ فقدت ابني محمد نور عيني. فأجابه الشّيخ الجليل: فقدت ابنك، كلّ أبناء الطّائفة أولادك، ولكن إذا فقدت عقلك من يدير البلاد؟ نحن بحاجة لك لتدير البلاد. فسكن روع الأمير مصطفى وجلس وبجانبه الشّيخ أبو علي يوسف، ليهوّن عليه عظم المصاب بأبلغ الحِكم والمواعظ*. (*هذه النّبذة نُقلت عن رسالة تعزية بالشّيخ أبي علي يوسف أرسلها الأمير شكيب أرسلان وذكر القصّة هذه كما رويناها، وقال إنّه كان موجودًا أثناء الزّيارة، وتمنّى على الشّيخ الجليل في وقتها ألا يوقف الكلام لما فيه من جودة المعاني وسحر البيان.)
– أمّا اللقاء الأوّل بين الشّيخ أبي علي يوسف والأمير مصطفى أرسلان فكانت بدايته أنّ الشيخ أبا علي يوسف كان في زيارة دينيّة في عيتات لأحد أقاربه، وكان يوجد في السّهرة شيخ من آل ريدان يعمل في قصر الأمير مصطفى، وكان من عادة الأمير مصطفى أنّه لا يقف لضيفه. ولمّا رأى الشّيخ أبو علي يوسف الشّيخ من آل ريدان في السّهرة قال له: أرغب بزيارة الأمير مصطفى. فسهّل الشّيخ من آل ريدان الزّيارة، وقال له الأمير مصطفى: أخبرني ساعة قدوم الشّيخ الجليل كي أذهب أستقبله في دار القصر، ولمّا وصل الشّيخ الجليل هرع الأمير لملاقاته بكلّ حفاوة وتكريم، ودخلا إلى القصر وأخذا يتحدّثان بأمور تهمّ شؤون الطّائفة.
– حصل خلاف بين ثلاث عائلات في الشّويفات، ووقع قتلى بينهم، وهناك قتيل من تلك العائلات الثّلاث ملقى على الأرض، ولمّا وصل الشّيخ أبو علي يوسف إلى مكان الخلاف من أجل الإصلاح، وكان الشّيخ علي بك جنبلاط موجودًا، وله النّفوذ الكبير آنذاك، وله مكانته واحترامه، وعندما حضر الصّلحة وسمع كلام الشّيخ أبي علي يوسف الدّاعي إلى التآلف السّلام والتّصافي، بأسلوب المواساة والإرشاد والنّصيحة، دنا منه وأبدى إعجابه به وبكلامه الموزون، وقال له: تشرّفنا خدمتكم، ونحن نرافقكم إلى أيّ مكان تبغون التّوجه إليه. فقال له الشّيخ الجليل: نحن عندنا زيارة إلى “ميشال سرسق” على الأشرفيّة. فيسّر سيّارة علي بك جنبلاط وذهب مع الشّيخ أبي علي يوسف إلى الأشرفيّة، وعندما وصلوا إلى المكان المنشود، يترجّل علي بك من السّيّارة ويقول للحارس: قل لميشال بك الشّيخ أبو علي يوسف يقصد زيارته، وكان في تلك الأثناء عند ميشال سرسق رجال دين نصارى لهم مكانتهم الدّينيّة، وعندما سمع كلام الحارس، ترك ضيوفه ونزل إلى مدخل القصر لاستقباله، فقبّل يده ورحّب به، وقال له: أهلًا وسهلًا بك يا شيخ. ومن رهابة الموقف وحفاوة الاستقبال تأثّر علي بك جنبلاط كثيرًا وهطلت دمعته على خدّه، وأخذ بيد الشّيخ أبي علي يوسف ودخلا إلى القصر. وأثناء جلوس الشّيخ أبي علي يوسف عند ميشال سرسق طلب منه الأخير أن يبارك له قصره، وأخذ يريه غرف القصر؛ منها ما كان بلاطها مجيديّات (قطع نقدية قديمة، وهي عملة فضية كانت تستخدم في العهد العثماني) ومن ثمّ أدخله غرفة ثانية فيها من السّجّاد الغالي الثّمن، ونوى ميشال سرسق أن يقدّم للشّيخ أبي علي يوسف السجّادة الّتي تعجبه مهما كان ثمنها. وقال للشّيخ الجليل: اختر سجّادة أعجبتك، وتكون هديّة منّي لك. فاعتذر الشّيخ الجليل منه وبارك له في قصره. وقال له: العزّ في الدّنيا يزول والعاقبة للمتّقين. فأجابه ميشال سرسق: يا شيخ أنت قلبك معلّق بالآخرة والدّنيا كلّها صغيرة في عينك. (الصّورة المرفقة بالمقالة هذه للشّيخ أبي علي يوسف أخِذت بقصر ميشال سرسق بالأشرفيّة)
– وقع خلاف بين رجل متديّن قريب النّسب من الشّيخ أبو علي يوسف وشخص نصرانيّ. وكان الحقّ بالأساس مع الرّجل المتديّن، ولكنّ هذا الرّجل أذى النّصراني وكسر له “البارك” للفلاحة، فاحتار النّصرانيّ وقيل له: أُقصد الشّيخ أبو علي يوسف قريبه في النّسب. فقصده وأخبره ما حصل. فقال الشّيخ للرّجل المتديّن: خاطري مكدّر عليك حتّى تأتي بـ”بارك” جديد للنّصرانيّ. فذهب الرّجل إلى زحلة وجلب له باركًا جديدًا وأعطاه إيّاه. فأخذ النّصرانيّ يثني على المشايخ وعلى بني معروف، ويقول: مشايخ بني معروف هم أهل الحقّ والفضيلة.
– وقع خلاف بين شخص من أبناء طائفتنا من آل حريز ورجل متظاهر بالدّيانة من رأس المتن. وكان قد سبق الخلاف أنّ الرّجلين اجتمعا بحضور الشّيخ أبو علي يوسف في مكان ما واتّفقا على أنّ الرّجل من آل حريز يشتري قطعة الأرض من الرّجل المتديّن المذكور، وكان الرّجل المتديّن قد قبض ثمن قطعة الأرض من الرجل الشّاري في محضر الشّيخ أبو علي يوسف، واتفق البائع والشّاري إلى أن يذهبا إلى “كاتب عدل” ليسجّلا عقد البيع، ولكنّ الرّجل المتديّن أخذ المال وفرّ هاربًا إلى سوريا، فلمّا علم الشّاري بالأمر اتّصل بصديق محامٍ له وأبلغه الأمر، فقال له هل هناك من شاهد يشهد على ذلك؟ فأفكر الرّجل الشّاري وتذكّر أنّ الكلام حصل بحضور الشّيخ أبو علي يوسف قبل الذّهاب إلى “كاتب عدل”، فقال: اتّفقنا على ذلك عند الشّيخ أبو علي يوسف. قال له المحامي: ما لك غير الشّيخ أبو علي يوسف. ولمّا علم الشّيخ أبو علي يوسف بالأمر، أرسل إلى سوريا كتابًا يتضمّن إشهار القصاص الدّينيّ على الرّجل المتديّن، وطرده من مجالس الذّكر. بعد ذلك عاد الرّجل المتديّن إلى الشّيخ أبو علي يوسف. فقال له الشّيخ الجليل: يا دينك، يا المال. فاعترف الرّجل المتديّن بخطئه وأرجع المال المأخوذ إلى صاحبه.
– كان هناك على أيّام العثمانيّين معهد تعليمي عالٍ برئاسة “أوليفار” وهو انكليزيّ بروتستانتيّ، تعلّم فيه أناس من رأس المتن، وكان الأستاذ “أوليفار” يقدّر الشّيخ كثيرًا. وقد شكّ فيه العثمانيّون على أنّه جاسوس وأرادوا شنقه، فحكى الشّيخ الجليل مع الأتراك فأطلقوا سراحه لثقتهم الكبيرة بالشّيخ الجليل.
– لم يتجرّأ أحد أن يتكلّم في مجلسه لوقاره وهيبته. وحضر يومًا في مجلسه شيخ عقل طائفة الموحّدين الدّروز آنذاك، وأخذ يتحدّث مع شخص أثناء الذّكر في أمور ربّما تكون اضطراريّة. فقال له الشّيخ الجليل بعد انتهاء الذّكر لشيخ عقل الطّائفة: عندما تتلو بيانًا، هل تحبّ أن تسمع النّاس أم تتكلّم. فقال: طبعًا، يستمعون. فقال: هذا الذّكر كلام رب العالمين، فالأفضل الاستماع عليه، وعدم الاشتغال عنه بالكلام مع أحد. فهنا أراد الشّيخ الجليل أن يعلّم النّاس أنّ لا كبير على القوانين الدّينيّة مهما علا شأنه. وهذا نصرة للضّعيف، ونصح نافع للقويّ.
– وقعت سنة 1914 م الحرب العالميّة الأولى، وحصل مجاعة كبيرة، وكان الشّيخ الجليل عنده من الخير والغلال الشّيء الكثير، فألزم على نفسه أن يقدّم نصف ما عنده على المحتاجين، ويقنع بالقليل، وطلب من النّاس الميسورين، أن يقدّموا نصف ما عندهم للمحتاجين. ولمّا علم بأنّ النّاس تبيع قطعة الأرض مقابل “مدّ قمح”، أطلق تحريمًا على هذا البيع، ومنع النّاس من ذلك.
وختامًا نقول من أخلص لله سريرته، وقّع الله تعالى في قلوب النّاس احترامه وهيبته. هذه صورة شيخنا الجليل الطّاهر، أبي علي يوسف مكارم رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته. آمين.
