الموقع قيد التحديث!

مع الأولياء الصّالحين.. المرحوم الشّيخ أبو سعيد فايز أبوذياب

بقلم الأستاذ الشّيخ غسّان يوسف أبوذياب
لبنان

شيخ همّام سادق ديَّان

وتذلّ عند حضوره الفرسانُ

وسلاحُه سدقُ النَّوايا والتّقى

ومسدّد قد صانه الرّحمن

يحمي الحقيقةَ بالنّباهة والوفا

وفصاحةٍ يحلو بها البرهان

رحماتُ ربِّي غيثُها متواصلٌ

تترى عليه ما جَرَتْ غُدرانُ

وُلد الشّيخ أبو سعيد فايز أبو ذياب في الجاهليّة سنة 1924. توجّه إلى الدّين وله من العمر خمس وثلاثون سنة. رُبي يتيم، وقامت والدته خانوم خدّاج(كفرمتى) بتربيته ورعايته، وكان لها الفضل الكبير في ذلك. وقد فقد والده وله من العمر أربع سنوات، وكذلك فقد أخاه “سعيد” وهو في مقتبل الشّباب. توفّاه المولى سنة 2009 م رحمة الله عليه.

كان في مطلع شبابه يتعاطى بالشّأن العامّ السّياسي، وبعد توجّههه إلى الدّين أضحى يتعاطى بالشّأن الدّيني- السّياسي، وحاز على ثقة أهل الدّين ومشايخ عصره، حيث كانوا يكلّفونه بحلّ المشكلات الصّعبة، مطمئنّين لسدق نواياه، وإخلاص مسعاه وتقواه. تميّز بالجرأة الأدبيّة الدّينيّة، والشَّخصيّة الاجتماعيَّة القويَّة، والأسلوب المقنع المرن، حيث نال ثقة مشايخ البلاد، وبات من أصحاب المشورة لديهم، يعتدّ برأيه.

وجهان مشرقان التقيا في وقت واحد، فتآلفا وتصافيا، وأفاضا من خيراتهما وعلمهما وأفضلا، المرحوم الشّيخ أبو سعيد فايز أبو ذياب رحمه الله وابن عمّه سماحة الشّيخ الجليل أبو علي سليمان أبو ذياب حفظه الله تعالى. إذ كان هذان الشّيخان الجليلان متعاضديْن ومتعاونَيْن لنصرة الحقّ وإشادة منارة الدّين بما وهبهما الله تعالى من مواهب متنوّعة.

محطّات نفيسة من حياته:

–          وقع خلاف بالرّأي بين سيّدنا الشّيخ أبي يوسف أمين طريف، ومشايخ بقعاتا بسبب “مشكلة الهويّة”، فتكلّف المرحوم الشَّيخ أبو سعيد من قِبل مشايخ البلاد لحلّ هذه المشكلة، وتوفّق في ذلك وجمع الآراء المتباعدة تحت سقف السَّلام والوفاق، فأُعْجِبَ سيِّدنا الشَّيخ أبو يوسف أمين بإخلاصه وذكائه وشجاعته، وأجلسه بجانبه، وطلب من الاستماع إليه قائلًا له: ” إيّاك أن تقول إنّك مقصر، الاجتماعات فقيرة بدونك. إيَّاك أن تقول مقصِّر، أوصيك بأهلنا في لبنان”.

–          بعد مجزرة صاليما أرصون سنة 1975 عُقد اجتماع في خلوات القطالب بحضور مشايخ البلاد من حاصبيا إلى المتين، وسماحة شيخ عقل طائفة الموحّدين محمد أبي شقرا، وفوّض جميع الشّيوخ الحاضرين، المرحوم الشّيخ أبي سعيد وكلّفوه أن يتكلّم باسمهم لحلّ هذه المشكلة الكبيرة، وكذلك الزّعيمان الأمير مجيد أرسلان ووليد بك جنبلاط كلّفاه أن يتكلم باسمهما. فانطلق المرحوم الشّيخ أبو سعيد فايز على بركة الله وبدعاء المشايخ الأفاضل لمقابلة القيادة السّوريّة وفي صحبته المحامي فريد أبو شقرا، وكان في استقبال الشّيخ أبو سعيد كبار الضّباط السّوريين.

بدأ الكلام الشّيخ أبو سعيد قائلًا: إني أرحّب بالمشنقة والإعدام، وسجن المزة. ولي الشّرف أن أستشهد في سبيل العرض والدّين. هؤلاء الجماعة أخسّ وأجبن وأنذل أن يتصرّفوا معنا لولا ما تكونون حامين لهم. وإذا كنتم أنتم وغيركم تريدون التّخلّص من الطّائفة الدّرزية فإني أشهد أمام الله سبحانه وتعالى أمشي أمام الشّباب وبيدي هذه العصا وأدوّخكم وأدوّخ كلّ من ينصركم. فأجابه الضّابط السّوري وليد حمدون: لكم ماض وحاضر يشهد لكم، وما يقدر أحد يزايدكم عليه.

الشّيخ أبو سعيد: نحن نحبّ الإنصاف حتّى مع الأعداء. اِجلسوا أنتم على حياد كي لا يُهرق دم عربيّ، ونحن نعمل جولة معهم، إذا انتصروا يجرون فينا كما أجروا في صاليما وأرصون، وإذا انتصرنا نعلّمهم ونعلّم العالم شرف القتال، ونعلّمهم كيف تكون المحافظة على العرض والأرض، وكيف المحافظة على الأطفال العزّل. نحن قوم ما تعوّدنا نتهجر، وهذه الضّياع الّتي حصلت فيها المجازر يجب أن تعود أهاليها وتتأمّن حمايتهم ومعيشتهم. رفع وليد حمدون يده وأقسم باسم حافظ الأسد بأنّه على استعداد لتنفيذ طلبات الهيئة الرّوحية بكاملها.

–          من كلامه النّفيس عندما كلّفته الهيئة الرّوحية أن يتكلّم باسمها في إحدى المحطّات التّاريخية والأزمات الصّعبة الّتي مرّت بها، ممّا اضطرّها الأمر إلى اتّخاذ موقف صارم يترجم عن صورة الطّائفة الدّرزية الحضاريّة الرّاقية:” …كلّنا يدٌ واحدة في سبيل الكرامة، ودفاعًا عن العرض والأرض، وبعون الله تعالى نرفض التّعدّي منّا على أحد، وقلنا وسنبقى نقول الّذي يتعدّى علينا الله لا يوفّقه، والله سبحانه خصمه، ونحن خصمه، والّذي سيتخاذل عندما يصير علينا تعدٍّ، الله خصمه، ونحن خصمه، والّذي يخاف أن يموت من يد الخصم، سيموت من يد أمّه وأبيه، لأنّنا ما تعوّدنا نُنجِب جبناء وأنذالًا لا يغارون على عرضهم وأرضهم…”.

رحم الله الشّيخ أبو سعيد الّذي سطّر في حياته سطور العزّة والكرامة، والإخلاص والدّيانة، وما ذكرناه في هذا الكتاب يبقى غيضًا من فيض.

أقيم للمرحوم الشّيخ الجليل مزار في ضيعته الجاهليّة تقصده النّاس للتّبرّك، وتلاوة كتاب الله  العزيز.

مقالات ذات صلة:

الحاسّة السّادسة

الحاسّة السّادسة (The Sixth Sense) هي شعور وجدانيّ داخليّ في الإنسان ينبِّئه أحيانًا عمّا يمكن أن يتعرّض له قبل أن

العدد 75 – اب 2006

العدد 75 – اب 2006 Share on whatsapp Share on skype Share on facebook Share on telegram لتحميل العدد Pdf