المعرفة هي أساس الخير، ولا يصحّ بدونها عمل يُرضي الله تعالى ويوصل إلى الفوز. وفي الوحي القديم: أيّها الإنسان اِعرف ذاتك. وفي هذا الأمر الصّادر عنه تعالى سرّ دقيق وحكمة بالغة، إذ أن أوّل الواجبات على العبد معرفة ربّه. قال الجنيد: “إنّ أوّل ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه، والمُحدََث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المُحدَث، ويذلّ لدعوته ويعترف بوجوب طاعته، فإنّ من لم يعرف مالكه لم يعترف بالمُلك لمن يستوجبه.
فالمعرفة تحتاج إلى بحث عميق وتفكُّر وتدبُّر، وإذا أراد الطّالب أن يعرف الله، سبحانه وتعالى، بالبحث عنه خارج نفسه فلا بدّ أن يتّجه إلى مكان ما، فينطوي على إشارة التّحديد، حيث يكون العبد قد جعل الله كالأشياء الّتي تُعرف بالمعاينة الحسّيّة وفي مكان معيّن وهذا محال. ولمّا كان الوحي القديم يأمر الإنسان بمعرفة ذاته أيّ نفسه، ولمّا كانت النّفس لا تُعرف إلّا بعد صفائها، علمنا بأن الوحي يتضمّن الأمر بتهذيب النّفس لكي تصفو وتُعرف. والنّفس إذا صفت، وصفت وإذا حاذت حاكت، وصفاؤها يتمّ يترك الشّهوات فكرّا وفعلًا بعد ترويضها بالمجاهدة. وعند صفائها ومعرفتها واستنارتها بنور العلم، يشرق نور الله فيها من قبيل المجانسة النّورانيّة المنزّهة عن الحصر والمشاركة والكيفيّة والأينيّة، فيعرف الإنسان ربّه عزّ وجلّ معرفة يقينيّة، ويستشعر وجوده، ويذل لعيبته، ويأنس بقربه، من غير توهُّم إحاطة، ولا إشارة إلى مكان. وقد قيل: مَن عرف نفسه عرف ربّه، ومن عرف ربّه لم يشقَ.
ويجب أن نعرف بأن النّفس خالدة، لها بداية وليس لها نهاية، ولا تستغني عن الجسم لحظة واحدة، وإنّها دائمة الحركة، قابلة للخير والشّرّ بسبب خلقتها من نور وظلمة، وأنّها غير فارغة أبدًا، فإن لم نشغلها بما يُصلحها اشتغلت هي تلقائيًّا بما يُفسدها. ويجب أن نعلم أن الله، سبحانه وتعالى، خلق النّفس للعبادة، والعبادة نراها في ظاهر الأمر وكأنّها تكليف من الله، وهي بالحقيقة منحة منه تعالى لعبيده. فقد قيل: يكفي جزاءٌ لك على الطّاعة أن جعلك الله أهلًا لها، وقيل: العزّ في الطّاعة، والذُّلّ في المعصية.
فالعبادة شرف للعابد، أي شرف أرفع من صلة العبد بربّه، وهي سعادة له لأنّها لا بدّ وأن يرافقها حسن الخلق، وحُسن الخلق سعة في الصّدر، وزينة للمرء ومصدر سعادته في الدّنيا والآخرة. وقيل: “يبلغ العبد بحسن خلقه درجة الصّائم القائم” وفي سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
وقد اقتضت مشيئة الله تعالى: أن تميل النّفس إلى الشّرّ، لكي يكون للعبد فضل على بمكابدة خواطره ومجاهدة نفسه، إذ انّها لو كانت تُقاد إلى الخير بسهولة لم يكن للطّائع فضل على العاصي، والأجر بقدر المشقّة. قال أحد العُبّاد: “اشتغلت ست عشرة سنة بحدادة نفسي”، فشبه النّفس بالحديد الّذي يحتاج إلى عناء شديد لمعالجته، وإذا علم العبد عجْز نفسه وذُلّها وافتقارها لبارئها واستعان به، فلا بدّ أنه تعالى يوفّقه ويعينه على جهادها وترويضها وتثبيتها على الطّاعة الموصلة إلى النّعيم الدّائم.
فالواجب على العبد ألّا ينسى ذلّ نفسه وعجزها، ويعلم أنّ لا حول لها عن المعصية، ولا قوّة لها على الطّاعة إلا بمعونته عزّ وجلّ. قيل: ما أعزّ الله عبدًا بعزٍّ هو أعزّ له من يذلّه على ذلّ نفسه، وما أذلّه بذلٍّ هو أذلّ له من أن يحجبه عن ذلّ نفسه. وقيل: إن الله تعالى أوحى لداوود (ع) يا داوود اِعرف نفسك تعرفني، ففكّر داوود وأجاب: يا ربّ عرفت نفسي بالذّلّ والفناء، وعرفتك بالعزّ والبقاء. فقال تعالى: الآن عرفتني. فيُستدلّ من ذلك أنّ الإنسان لا يعرف ربّه إلّا بعد معرفة نفسه، ومعرفة النّفس وذلّها لا تتمّ إلّا بعد صفائها، وصفاء النّفس تحصيل حاصل لدى الأنبياء الكرام، عليهم السلام، وفناء النّفس الّذي أشار إليه النّبيّ داوود(ع) هو فناء الجسم، فعبّر عنه بفناء النّفس كما هو مألوف. وأمّا النّفس النّاطقة الإنسانيّة فهي خالدة كما هو معلوم، وهذا القول الإيحائي من الله إلى نبيّه داوود تذكير له وتعليم لسواه.
وينبغي أن يعرف الإنسان أنّ الظّلمة الّتي في نفسه بمنزلة السّباع الضّارية، والأفاعي السّامّة القاتلة، وأنّها متى هاجت عليه أهلكته، وأن هذه الظّلمة موجودة في نفسه بالقوّة وعليه أن يميتها بالفعل لتقوى نورانيّتها، والنّفس لا يأتيها الشّرّ إلا من قِبل ذاتها، كما قالت الحكماء: مَن اقتحم ارتطم، ومن عفّ عن الشّهوات عفّت عنه الويلات. ويعلم أن النّفس تحتاج إلى العِلم والمفيدين كما يحتاج الجسم إلى الطّعام والشّراب، وأوّل المفيدين الأنبياء والأولياء.
ماهيّة النفس: حقيقتها: صورة، روحانيّة، أزليّة، ناطقة، مميّزة.
نعوت ذاتها: حيّة، متحرّكة، باقية، فعّالة، منفعلة.
صفاتها: جوهريّة الذّات، روحانيّة الصّفات، متخيّرة في الأرادات، نامية بالمعلومات، قابلة لصور الخير والشّرّ الواردات. وارد عليها: حلول وانتقال، هداية وضلال، انخفاض وارتفاع، قوّة وضعف، خير وشرّ. أفعالها: تدبير، نيّة، اعتقاد، قول، وعمل. تضادّ أفعالها: التّدبير ما بين صواب وخطأ، النّيّة، ما بين طيّب وخبيث، الاعتقاد ما بين صحّة وفساد، القول ما بين صدق وكذب، والعمل ما بين خير وشرّ. كمالاتها: صفاء، يقين، طاعة، يقظة، ومواظبة. مراتب نقصها: ظُلمة، شكوك، معصية، غفلة، وهجران. مواطن عزّها: مادّة، هداية، مشاهدة، طاعة، وثبات. مواطن ذلّها: قطيعة، ضلال، حُجبة، انعكاس، ومعصية. درجاتها: درجة، مكان، بقاء، حركة وصقال. تفسيرها: درجتها تحت العبوديّة، مكانها تحت العجز، بقاؤها بالهداية، حركتها بالأمر والنّهي، وصقالها بالعلم والعمل. تربيتها: بالحكمة، المفيد، المواظبة، العِلم والعمل. لذّاتها: بالفهم، العلم، اليقين، الإيمان والمشاهدة. تفسيرها: لذّة العقل والفهم، لذّة النّفس العلم، لذّة الفكر اليقين، لذّة القلب الإيمان، لذّة البصر المشاهدة. قواها المعنوية: سامعة، باصرة، شامّة، ذائقة، وحاسّة. قواها الروّحانيّةّ: قوّة اللّطافة، قوّة الصّقال، قوّة الحركة، قوّة النّور، قوّة القبول. انبعث عنها: قوّة شفافة، قوّة الصّفاء، قوّة باحثة، قوّة عقليّة، قوّة ماسكة. مولودها: قوّة مُذكِّرة، قوّة مُخيّلة، قوّة مفكِّرة، قوّة مميِّزة، قوّة حافظة.
كسر النفس: الأمّارة هي الّتي تأمر صاحبها بفعل الشّرّ، وتدعوه إلى سوء أهوائها. اللّوّامة: هي الّتي تحمل صاحبها في الدُّنيا على الشّهوات، وتلومه على ترك الطّاعات وارتكاب المنهيّات. أماّ المطمئنّة: هي الّني اطمأنّت بذكر الله، الرّاضية بقضائه، غير المضطربة تحت حُكمه وبلائه، ساكنة إلى وعده، خائفة من عتبه.
نقلا عن كتاب: “شمائل المسلمين الدروز ودلائل الآيات والرموز” للمؤلّف: نايف عبد الخالق