مع تصاعد الأنباء عن الاعتداءات الّتي طالت محافظة السّويداء في تمّوز 2025، تحوّل الشّعور بالمسؤوليّة لدى أبناء الطّائفة الدّرزيّة إلى فعل جماعيّ منظّم، انطلق من مبدأ “حفظ الإخوان”، وسرعان ما تُرجم إلى تحرّك واسع شمل إضرابًا عامًّا وتوافد آلاف المتضامنين إلى الشّريط الحدوديّ في مجدل شمس، إثر قرار وتوجيه الرّئيس الرّوحيّ للطّائفة سماحة الشّيخ موفّق طريف والمجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى ومنتدى السّلطات المحلّيّة الدّرزيّة.
في خضمّ هذه اللّحظة، برزت الحاجة إلى إطار مهنيّ قادر على مواكبة الأحداث المتسارعة، ليس فقط من خلال تقديم المساعدة، بل عبر إدارة الأزمة بشكل متكامل. وهنا جاءت مبادرة إقامة مركز المتابعة والتّقييم في جولس، بتوجيه من سماحة الشّيخ موفّق طريف والمجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى، ليكون منصّة مركزيّة لتنسيق الجهود ومتابعة التّطوّرات.
ورغم أنّ تأسيس المركز جاء استجابة مباشرة لأحداث السّويداء، إلا أنّ جذوره تعود إلى الأشهر الّتي سبقتها، حين بدأت الحاجة تتبلور لإنشاء منظومة منظّمة عقب التّوتّرات الّتي شهدتها مناطق درزيّة أخرى، ما أتاح بناء بنية عمل أوّليّة سرعان ما تطوّرت إلى نموذج متكامل.
في غضون أيّام قليلة، تحوّل المركز – الّذي عُرف لاحقًا باسم “غرفة عمليّات جولس” – إلى منظومة مهنيّة تضمّ مئات المتطوّعين والمتخصّصين من مختلف القرى الدّرزيّة في الجليل والكرمل والجولان، يعملون وفق تقسيمات واضحة واختصاصات دقيقة، في مجالات تشمل الإعلام، والمعلومات، والعمل الإنسانيّ، والقانون، والدّعم اللّوجستيّ.
ولم يقتصر دور المركز على تنسيق المساعدات، بل أصبح نقطة ارتكاز مركزيّة لإدارة الأزمة، من خلال رصد التّطوّرات الميدانيّة، وتحليل المعطيات، وإعداد أوراق عمل وتوصيات، إلى جانب نقل صورة موثوقة عن الأحداث إلى الجهات المحلّيّة والدّوليّة. كما وتحوّل المركز إلى منصّة تواصل مفتوحة مع العالم، استقبل خلالها وفودًا رسميّة ودبلوماسيّة، وشخصيّاتٍ سياسيّة ودينيّة، إلى جانب إعلاميّين وباحثين، معزّزًا حضوره كمصدر معلومات موثوق وفاعل في صياغة الرّواية والخبر الحقيق.
ويعمل المركز عبر أقسام مهنيّة متخصّصة، يديرها مختصّون بدعم من شبكة واسعة من المتطوّعين، تشمل فرقًا ميدانيّة، ومراكز لوجستيّة، وفرقًا تعمل عن بُعد، إلى جانب أطر استشاريّة قانونيّة وأكاديميّة تتابع الأبعاد الدّوليّة والاستراتيجيّة للأزمة.
في هذا السّياق، لم يعد المركز مجرّد مبادرة طارئة، بل تحوّل إلى نموذج متكامل لإدارة الأزمات في البيئات المعقّدة، يجمع بين العمل المجتمعيّ والتّنظيم المهنيّ، ويعكس قدرة المجتمع على التّحرّك الجماعيّ المنظّم في مواجهة التّحدّيات.
المساعدة الإنسانيّة في السّويداء
إعداد: العقيد (احتياط) وهيب فارس
والمقدم (احتياط) وأكرم منصور
منذ بداية الأزمة، عملت عرفة العمليّات على تطوير مفهوم متكامل للمساعدة الإنسانيّة، لا يقتصر على تقديم الدّعم المباشر فحسب، بل يهدف إلى تمكين المجتمع المحلّيّ وتعزيز استمراريّته. ويستند هذا النّهج إلى إدارة مبنيّة على البيانات الدّقيقة، وتنظيم جغرافيّ، وتوزيع واضح للمهامّ ضمن محاور عمل مركزيّة.
في هذا السّياق، أُنشئ منتدى لإدارة الموارد، تولّى تحديد الأولويّات وتوزيع المسؤوليّات، إلى جانب تطوير منهجيّة واضحة لتصميم المشاريع وفق الاحتياجات الفعليّة. وتمحورت الجهور حول خمسة قطاعات رئيسة: البيانات، الصّحّة، النّازحون، الغذاء، والمياه، بوصفه الأكثر تأثّرًا بالأزمة.
ميدانيًّا، تواجه محافظة السّويداء تحدّياتٍ إنسانيّة عميقة، إذ تشير التّقديرات إلى وجود نحو 120 ألف نازح، تتركّز غالبيّتهم في شهبا ومدينة السّويداء ومنطقة صلخد. وقد شملت الاستجابة إنشاء مراكز إيواء، ودعم للجمعيّات المحلّيّة، وتأمين الاحتياجات الأساسيّة، لا سيّما خلال فصل الشّتاء، إلى جانب توفير الغذاء والرّعاية الصّحّيّة.
في القطاع الصّحّيّ، ومع تدهور البنية الطّبّيّة، جرى التّركيز على تشغيل المستشفيات، وتأمين الأدوية، وإنشاء غرف ولادة داخل مراكز الإيواء، لتوفير الحدّ الأدنى من الخدمات الحيويّة. أمّا في قطاع الغذاء، فتمّ دعم المخابز عبر توفير الطّحين، وتأمين وجبات غذائيّة، مع تركيز خاصّ على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدّمتها الأطفال.
ولم يكن قطاع المياه بمنأى عن الأزمة، إذ تضرّرت الآبار وشبكات الكهرباء بشكل كبير، ما استدعى اعتماد حلول بديلة، أبرزها استخدام الطّاقة الشّمسيّة لتشغيل الآبار وضمان استمراريّة التّزويد.
وقد شكّل عنصر البيانات حجر الأساس في هذا النّموذج، من خلال بناء منظومة معلومات ميدانيّة دقيقة تتيح اتّخاذ قرارات مبنّية على معطيات واقعيّة، وتعزّز كفاءة توزيع الموارد.
كما اعتمدت غرفة العمليّات تقسيمًا جغرافيًّا واضحًا للمحافظة إلى ثلاثة قطاعات رئيسة، لكلّ منها إدارة ميدانيّة تتولّى تقييم الاحتياجات ورفعها وفق محاور العمل المحدّدة، ممّا أسهم في تسريع الاستجابة وتحسين دقّتها.
ويرتكز هذا النّموذج على مبدأ محوريّ: “نساعد دون أن نُعيق”، وهو ما يترجم عمليًّا عبر دعم القدرات المحلّيّة بدل استبدالها، والعمل بالشّراكة مع المجتمع والمؤسّسات المحلّيّة، لا نيابةً عنها.
ومع تطوّر العمل، بدأت غرفة العمليّات بالانتقال التّدريجيّ من مرحلة الإغاثة إلى دعم مشاريع تنمويّة، تشمل تعزيز القطاع الزّراعيّ، ودعم الصّناعات المحلّيّة، وتشجيع المبادرات المولّدة لفرص العمل، في مسعى لبناء اقتصاد محلّيّ أكثر تماسكًا.
في المحصّلة، يقدّم نموذج جولس مثالًا عمليًّا على تطوير العمل الإنسانيّ في البيئات المعقّدة، من خلال الجمع بين الاستجابة السّريعة والتّخطيط طويل الأمد، والاعتماد على المجتمع بوصفه شريكًا في الحلّ، لا مجرّد متلقٍّ للمساعدة.
الاستجابة الطّبّيّة: من الطّوارئ إلى بناء منظومة صحّيّة متكاملة
إعداد: الدكتور أسامة الشيخ
في أعقاب الهجوم على محافظة السّويداء، وما خلّفه من ضحايا ونزوح واسع، برزت الحاجة إلى استجابة طبّيّة عاجلة ومنظّمة، قادرة على احتواء التّداعيات ومنع انهيار القطاع الصّحّيّ. وفي هذا السّياق، أدارت غرفة العمليّات في جولس، تحت رعاية سماحة الشّيخ موفّق طريف، نموذجًا متكاملًا للاستجابة الطّبّيّة، تجاوز منطق المساعدات الطّارئة نحو بناء منظومة علاجيّة فعّالة.
المرحلة الأولى: الاستجابة الحادّة والفوريّة
تركّزت الجهود في البداية على إنقاذ المصابين وتأمين العلاج العاجل، من خلال إدخال الجرحى للعلاج داخل البلاد، إلى جانب إرسال كمّيّات كبيرة من الأدوية والمستلزمات الطّبّيّة إلى داخل السّويداء. وقد شملت هذه المرحلة علاج أكثر من 300 مصاب ومريض، وساهمت في احتواء المرحلة الأكثر خطورة.
المرحلة الثّانية: التّقييم وبناء نموذج التّدخّل
مع إجراء مسح شامل للوضع الصّحّيّ، تمّ اعتماد نموذج استراتيجيّ يقوم على تمويل الخدمات الطّبّيّة مباشرة داخل السّويداء، بدل توزيع المساعدات الماليّة، وذلك بالاعتماد على المشافي الخاصّة نظرًا لجهوزيّتها الأعلى في تلك المرحلة.
ضمن هذا الإطار، أُطلقت عدّة مبادرات مركزيّة:
- مبادرة سويداء الشّفاء
موّلت العمليّات الجراحيّة والخدمات الطّبّيّة المتخصّصة، حيث تمّ تنفيذ نحو 1,274 عمليّة جراحيّة، إلى جانب أكثر من 15,800 خدمة طبّيّة، استفاد منها نحو 17,307 شخصًا، بكلفة تقارب 992 ألف دولار.
- مبادرة سويداء الدّواء
هدفت إلى ضمان وصول الأدوية بشكل منتظم للمرضى المزمنين والمصابين، حيث شملت 20 قرية و6 مراكز، وقدّمت أكثر من 19 ألف استفادة، مع توزيع أكثر من 52 ألف علبة دواء، بكلفة تقارب 101 ألف دولار.
- مبادرة مهد الحياة
ركّزت على دعم الأمّهات والولادات في ظروف صعبة، حيث تمّ تنفيذ 462 عملية قيصريّة و44 ولادة طبيعيّة، ليصل مجموع الولادات إلى 506، و518 طفلًا، بكلفة تقارب 90 ألف دولار.
المرحلة الثّالثة: دعم القطاع الصّحّيّ العامّ
بعد تثبيت الاستجابة العلاجيّة، انتقل العمل إلى دعم المشافي العامّة، عبر تمويل رواتب وتشغيل نحو 1,000 عامل شهريًّا لمدّة ثلاثة أشهر، إلى جانب تنفيذ أكثر من 300 عمليّة جراحيّة، ودعم البنية التّحتيّة والتّجهيزات الأساسيّة.
هدفت هذه المرحلة إلى إعادة تفعيل القطاع الصّحّيّ العامّ، وتمكينه من استعادة قدرته التّشغيليّة، بعد أن كان مهدّدًا بالتّوقّف.
الأثر العامّ
تعكس هذه الأرقام حجم تدخّل واسع ومنظّم، لم يقتصر على تقديم العلاج، بل ساهم في سدّ فجوات خطيرة في النّظام الصّحّيّ، ووصل إلى عشرات آلاف المستفيدين، وأسهم في تعزيز الاستقرار الصّحّيّ والاجتماعيّ.
في المحصّلة، يقدّم هذا النّموذج المقتضب مثالًا على إدارة صحّيّة فعّالة في ظروف معقّدة، حيث تحوّلت الاستجابة من طوارئ آنيّة إلى منظومة متكاملة، تجمع بين التّخطيط والتّنفيذ والمتابعة، وتؤكّد أنّ الإدارة المهنيّة قادرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء استجابة أكثر استدامة.
قسم المعلومات: أساس اتّخاذ القرارات
إعداد: الشيخ سليم مرعي والمقدم (احتياط) رودي سعد
منذ بداية الهجوم على السّويداء في يوليو 2025، أُنشئ قسم للمعلومات داخل غرفة العمليّات في جولس، تولّت إدارته مجموعة من الكفاءات الشّابّة من أبناء الطّائفة، ممّن يمتلكون خبرة ميدانيّة وشبكة علاقات واسعة مع المجتمع المحلّيّ في سوريا.
وقد أسهم هذا الامتداد الاجتماعيّ في تسهيل عمليّة جمع المعلومات، وبناء صورة دقيقة ومحدّثة تعكس مجريات الواقع على الأرض، بما مكّن طاقم غرفة العمليّات من تزويد المسؤولين بالمعطيات اللّازمة لاتّخاذ قرارات مدروسة فيما يتعلّق بتوجيه المساعدات والاستجابة للاحتياجات الإنسانيّة بشكل منظّم وفعّال.
اعتمد القسم في عمله على منظومة متعدّدة المصادر، شملت تواصلًا يوميًّا مباشرًا مع الأهالي في مختلف قرى السّويداء، إلى جانب التّواصل مع شخصيّات محلّيّة فاعلة، من قيادات ميدانيّة، ووجهاء، ورجال دين، ونشطاء اجتماعيّين. كما جرت متابعة مستمرّة لمختلف منصّات الإعلام وشبكات التّواصل الاجتماعيّ، بما في ذلك المجموعات المحلّيّة على تطبيقات التّراسل، لضمان مواكبة التّطوّرات أوّلًا بأوّل.
وفي إطار تعزيز التّنسيق، تمّ إنشاء مجموعات تواصل مشتركة ضمّت ممثّلين عن مختلف مناطق المحافظة، ما أتاح تبادل المعلومات بشكل مباشر، وساهم في تكوين صورة شاملة ودقيقة عن أوضاع القرى والمناطق المختلفة، الأمر الّذي انعكس إيجابًا على سرعة الاستجابة وفاعليّتها.
تمحور عمل القسم حول جمع وتحليل بيانات أساسيّة تتعلّق بالواقع الإنسانيّ، شملت أوضاع القرى المتضرّرة، وأعداد النّازحين، والإصابات، والضّحايا، والمفقودين، إلى جانب رصد الاحتياجات العاجلة في مراكز الإيواء، من مياه وغذاء ودواء ورعاية صحّيّة.
ومع دخول فصل الشّتاء، توسّعت الجهود لتشمل تأمين مستلزمات التّدفئة، من ملابس دافئة وبطّانيّات ووسائل تدفئة، إضافة إلى توزيع كمّيّات كبيرة من الموادّ الغذائيّة، بما يلبّي احتياجات آلاف العائلات.
ولا يزال قسم المعلومات يواصل عمله حتّى اليوم، في متابعة الأوضاع الميدانيّة وتحديث قاعدة البيانات، بما يضمن استمراريّة الاستجابة الإنسانيّة وتكيّفها مع التّحوّلات المتسارعة على الأرض.
الأمن المائيّ: من إدارة الأزمة إلى بناء الاستدامة
إعداد: العقيد (احتياط) المحامي راضي نجم
في ظلّ التّدهور الحادّ في قطاعَي المياه والطّاقة في محافظة السّويداء، برزت الحاجة إلى حلول تتجاوز المعالجة المؤقّتة نحو بناء استقرار مستدام. وفي هذا السّياق، شكّلت مشاريع الطّاقة الكهروضوئيّة أحد أبرز التّدخّلات الاستراتيجيّة الّتي تبنّتها غرفة العمليّات في جولس لضمان استمراريّة تزويد المياه.
يعتمد النّظام المائيّ في المحافظة على أكثر من 281 بئرًا جوفيًّا، يصل عمق بعضها إلى 700 متر، ما يجعل تشغيلها مرتبطًا بشكل مباشر بتوفّر الطّاقة. ومع انقطاع التّيّار الكهربائيّ لما يصل إلى 22 ساعة يوميًّا، وخروج نحو 38% من الآبار عن الخدمة، تفاقمت أزمة المياه بشكل غير مسبوق، وانعكست بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة.
استجابةً لذلك، اعتمدت غرفة العمليّات منهجيّةً قائمة على التّشخيص الميدانيّ الدّقيق، وتحليل الفجوات، وتحديد الأولويّات بناءً على البيانات، مع توجيه الاستثمارات نحو مشاريع طويلة الأمد. وقد شمل ذلك تنفيذ مشاريع للطّاقة الشّمسيّة لتشغيل الآبار، إلى جانب دعم تشغيليّ في مجالات الصّيانة وتأمين المضخّات.
بلغ إجمالي الاستثمارات نحو 190 ألف دولار، توزّعت بين مشاريع الطّاقة الشّمسيّة (حوالي 120 ألف دولار) والدّعم التّشغيليّ (نحو 70 ألف دولار). وشملت هذه المشاريع تشغيل عدد من الآبار الحيويّة في مناطق مختلفة، ما ساهم في تحسين استقرار الإمدادات المائيّة.
وتُظهر المعطيات أنّ الاعتماد على الدّيزل لتشغيل الآبار يشكّل عبئًا ماليًّا كبيرًا، إذ قد تصل تكلفته السّنويّة إلى أكثر من 120 ألف دولار للبئر الواحد، في حين توفّر أنظمة الطّاقة الشّمسيّة بديلًا أكثر استدامة، مع فترة استرداد تقلّ عن سنة واحدة، وتكاليف تشغيل منخفضة على المدى المتوسّط والطّويل.
كما تستفيد محافظة السّويداء من ظروف طبيعيّة ملائمة، بمتوسّط إشعاع شمسيّ جيّد، ما يعزّز جدوى هذا الخيار ويجعله أحد الحلول الأكثر واقعيّة في ظلّ الأزمة. وقد انعكست هذه المشاريع على الواقع المعيشيّ بشكل مباشر، من خلال تحسين استقرار إمدادات المياه، وخفض التّكاليف التّشغيليّة، ودعم النّشاط الزّراعيّ، وتعزيز قدرة المجتمع على الصّمود في مواجهة التّحدّيات. وفي إطار التّخطيط المستقبليّ، يجري العمل على توسيع هذه التّجربة لتشمل آبارًا إضافيّة، بما يعزّز الأمن المائيّ ويدعم بناء نموذج تنمويّ أكثر استدامة في المحافظة.
الفريق القانونيّ: نقل القضيّة إلى السّاحة الدّوليّة
اعداد – المحامي عاصم حامد، عقيد احتياط ومختص في القانون الدولي
لم يقتصر عمل غرفة العمليّات في جولس على الاستجابة الإغاثيّة والميدانيّة، بل امتدّ ليشمل بُعدًا قانونيًّا استراتيجيًّا، تمثّل في تشكيل فريق قانونيّ متخصّص يواكب الأحداث ويوثّقها، ويعمل على نقلها إلى السّاحة الدّوليّة. يهدف هذا الفريق إلى توفير مرافقة قانونيّة مهنيّة لعمل غرفة العمليّات، إلى جانب قيادة الجهود الرّامية إلى توثيق الانتهاكات ومتابعتها ضمن الأطر القانونيّة الدّوليّة، بما يضمن عدم تغييبها أو فقدانها في خضمّ تعقيدات المشهد.
يقود الفريق المحامي عاصم حامد، وبمشاركة نخبة من الخبراء في القانون الدّوليّ، الّذين يقدّمون استشاراتهم بشكل تطوّعيّ. وقد أسهم هذا التّشكيل المتخصّص في بناء قاعدة قانونيّة متينة، تجمع بين الخبرة الأكاديميّة والممارسة العمليّة في المؤسّسات الدّوليّة.
تركّز عمل الفريق منذ البداية على جمع الأدلّة الميدانيّة، بما في ذلك الشّهادات المباشرة، والتّوثيق البصريّ، وتحليل المعطيات المتاحة، بهدف بناء ملفّ قانونيّ متكامل يعكس طبيعة الأحداث والانتهاكات الّتي شهدتها المحافظة.
وفي هذا الإطار، عمل الفريق على إعداد ملفّ قانونيّ مفصّل قُدّم إلى جهات دوليّة معنيّة بالتّحقيق، مع الحفاظ على تواصل مهنيّ مستمرّ لتزويدها بالمستجدّات والأدلّة، بما يعزّز من موثوقيّة المعلومات المطروحة.
وقد شكّل صدور تقرير دوليّ يستند إلى هذه المعطيات محطّة مفصليّة في هذا المسار، إذ ساهم في تثبيت توصيف قانونيّ واضح لطبيعة الانتهاكات، وفتح المجال أمام متابعة قانونيّة أوسع على المستوى الدّوليّ.
ولا يزال الفريق يواصل عمله، من خلال متابعة الإجراءات القانونيّة الممكنة، والسّعي إلى تعزيز آليّات المساءلة، إلى جانب الاستمرار في رصد وتوثيق التّطوّرات، بما يضمن حضور القضيّة في الأطر القانونيّة الدّوليّة.
في المحصّلة، يعكس هذا المسار انتقال العمل من الاستجابة الإنسانيّة إلى الفعل القانونيّ المنظّم، معزّزًا فرص المساءلة، ويؤكّد أنّ حماية المجتمع لا تقتصر على الإغاثة، بل تشمل أيضًا الدّفاع عن حقوقه ضمن منظومة القانون الدّوليّ.
قسمُ الإعلام: كسر التّعتيم وبناء حضورٍ عالميّ للقضيّة
إعداد: هشام سعد
لم تكن أحداث السّويداء مجرّد أزمة عابرة، بل شكّلت اختبارًا حقيقيًّا لدور الإعلام في مواجهة التّضليل وكشف الحقائق ضمن بيئة معقّدة. وفي هذا السّياق، برز قسم الإعلام في مركز المتابعة والتّقييم في جولس كنموذج متقدّم، تجاوز الدّور التّقليديّ لنقل الخبر، ليؤسّس منظومة إعلاميّة متكاملة تجمع بين التّوثيق المهنيّ والتّأثير الاستراتيجيّ.
منذ اللّحظة الأولى، عمل القسم على إنتاج موادّ إعلاميّة احترافيّة دعمت التّحرّكات السّياسيّة والدّبلوماسيّة، من خلال إعداد حزم متكاملة من الإحصائيّات والعروض التّقديميّة الّتي استُخدمت في لقاءات رفيعة المستوى. كما ساهمت الموادّ التّوثيقيّة في تعزيز المسارات القانونيّة، عبر تقديم صورة دقيقة وموثوقة عن طبيعة الانتهاكات، ضمن أطر المساءلة الدّوليّة.
وفي موازاة ذلك، تمّ توظيف الصّورة كأداة مركزيّة للتّأثير، من خلال إنشاء منظومة إنتاج إعلاميّ متقدّمة شملت إعداد فيلم زمنيّ يوثّق تطوّرات الأحداث، إلى جانب بناء هويّة بصريّة داخل غرفة العمليّات تنقل للزّائر حجم الواقع وتعقيداته. كما جرى توثيق مقاطع فيديو حسّاسة، بعضها صُوّر خلال الأحداث نفسها، واستخدامها ضمن عروض رسميّة لتوضيح خطورة ما جرى. وامتدّ هذا الجهد إلى السّاحة الدّوليّة، حيث عُرضت موادّ إعلاميّة استراتيجيّة أمام شخصيّات قياديّة، في مسعى لنقل الرّواية بشكل مباشر إلى دوائر صنع القرار.
ميدانيًّا، اتّخذ العمل الإعلاميّ بعدًا توثيقيًّا وإنسانيًّا، عبر إدارة طواقم إنتاج داخل محافظة السّويداء، رصدت عمليّات الإغاثة المختلفة، من دعم المستشفيات إلى تنفيذ مشاريع حيويّة كتركيب أنظمة الطّاقة الشّمسيّة للآبار وتوزيع الموادّ الأساسيّة. وأسهمت هذه التّغطية في تعزيز الدّعم الشّعبيّ، حيث استُخدمت بأساليب حديثة ساعدت في حشد الموارد وتأمين تبرّعات دعمت استمراريّة العمل الإنسانيّ.
وفي إطار تثبيت الرّواية، أُطلق موقع إلكترونيّ باللّغة الإنجليزيّة شكّل أرشيفًا رقميًّا مفتوحًا، يتيح الوصول إلى موادّ موثقة من صور ومقاطع فيديو، ما مكّن الباحثين ووسائل الإعلام من الاطّلاع المباشر على المعطيات، وساهم في ترسيخ حضور القضيّة عالميًّا.
كما اعتمد المركز على توسيع دائرة التّأثير عبر إشراك متحدّثين ومحلّلين في وسائل إعلام دوليّة، لتفنيد الرّوايات المضلّلة، إلى جانب تفعيل شبكة من المؤثّرين على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ما ساهم في وصول المحتوى إلى جمهور واسع متجاوزًا القيود الإعلاميّة التّقليديّة.
وشمل النّشاط أيضًا استضافة قنوات تلفزيونيّة محلّيّة ودوليّة، أعدّت تقارير وتحقيقات ميدانيّة سلّطت الضّوء على ما جرى، وعلى الجهود المبذولة لنقل الحقيقة.
في المحصّلة، يقدّم مركز المتابعة والتّقييم في جولس نموذجًا لدور الإعلام حين يتحوّل من أداة نقل إلى أداة تأثير، إذ نجح في نقل قضيّة السّويداء إلى فضاء الرّأي العامّ العالميّ، مؤكّدًا أنّ معركة الوعي لا تقلّ أهمّيّة عن أيّ مسار آخر في مواجهة الأزمات.
قسم التّوعية الميدانيّة: البُعد المجتمعيّ للاستجابة
إعداد: المركزة فاتن نبواني عباس
وفي أعقاب الأحداث أُنشئ كذلك الأمر منظومة التّوعية الميدانيّة كجزء من غرفة التّقييم والمتابعة في جولس، بهدف مرافقة العمل الإنسانيّ ببعد توعويّ ومجتمعيّ يعزّز الوعي العامّ ويقوّي الرّوابط بين الدّاخل والمجتمع المحلّيّ في سوريا.
ارتكزت هذه المنظومة على بناء طاقم واسع من المتطوّعين والمتطوّعات من مختلف القرى، ضمن إطار تنظيميّ مهنيّ، وخطّة عمل مستمرّة امتدّت حتّى نيسان 2026، ما أتاح استمراريّة النّشاط وتطوّره بشكل منهجيّ.
عملت المنظومة على عدّة مستويات متوازية، كان أبرزها نشر معلومات دقيقة وموثوقة حول مجريات الأحداث، محلّيًّا ودوليًّا، إلى جانب تنظيم فعّاليّات جماهيريّة، شملت وقفات تضامنيّة في عدد من المدن، مثل القدس، جولس، عسفيا، شفاعمرو وبيت جنّ.
كما وامتدّ النّشاط إلى الحيّز الأكاديميّ والمجتمعيّ، من خلال إقامة محطّات توعويّة في الجامعات والمراكز التّجاريّة، وتطوير موادّ تعليميّة رقميّة موجّهة للمدارس، في محاولة لترسيخ الوعي لدى فئات عمريّة مختلفة.
وشمل العمل أيضًا استقبال وفود دوليّة وشخصيّات رسميّة في غرفة الطّوارئ بجولس، إلى جانب إطلاق مبادرات إنسانيّة نوعيّة، من بينها حملة قطريّة للتّبرّع بنخاع العظم لإنقاذ طفلة من السّويداء، ما يعكس قدرة هذه المنظومة على تحويل التّوعية إلى فعل إنسانيّ مباشر.
ويضمّ الفريق اليوم نحو 75 متطوّعًا ومتطوّعة من خلفيّات أكاديميّة ومهنيّة متنوّعة، يعملون جميعًا بروح تطوّعيّة عالية، ما شكّل ركيزة أساسيّة لنجاح هذه المنظومة واستمراريّتها. في المحصّلة، تمكّنت منظومة التّوعية الميدانيّة من دمج العمل الإنسانيّ بالتّوعويّ والتّربويّ، بما يسهم في بناء وعي جمعيّ أكثر تماسكًا، ويعزّز مناعة المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات.
مرافقة المصابين: رحلة شفاء مفعمة بالأمل
إعداد: المربية رينان كمال حلبي
كذلك شكّلت المرافقة اليوميّة الّتي قدّمها المتطوّعون والمتطوّعات لمصابي السّويداء الّذين نُقلوا إلى مستشفيات البلاد أحد أبرز أوجه الدّعم الإنسانيّ المباشر، وأكثرها أثرًا على المستوى الفرديّ. فلم تقتصر هذه المبادرة على زيارات عابرة، بل تحوّلت إلى حضورٍ منتظم، رافق المصابين في تفاصيل تجربتهم العلاجيّة، وأسهم في تخفيف الأعباء النّفسيّة الّتي ترافق الألم والغربة والقلق. وقد انعكس هذا الحضور بشكل واضح على قدرة المصابين على التّأقلم مع واقعهم الصّحّيّ، وتعزيز استجابتهم للعلاج، والشّعور بدرجة أكبر من الأمان والاستقرار.
وتزداد أهمّيّة هذا الدّور في ظلّ التّحدّيات الإضافيّة الّتي واجهها بعض المصابين، وعلى رأسها عائق اللّغة داخل المستشفيات، حيث برز المتطوّعون كحلقة وصل حيويّة، تجاوزت التّرجمة إلى مرافقة إنسانيّة شاملة. فقد ساهموا في تسهيل التّواصل مع الطّواقم الطّبّيّة، وشرح الإجراءات العلاجيّة، ومرافقة المرضى في مختلف مراحل العلاج، إلى جانب تمكينهم من التّعبير عن احتياجاتهم ومخاوفهم بشكل دقيق. وهكذا تحوّل المتطوّع إلى جسر لغويّ وإنسانيّ في آنٍ واحد، يجمع بين الدّعم العمليّ والاحتواء النّفسيّ، مانحًا المصابين تجربة علاجيّة إنسانيّة.
برلمان الشّباب: الاستثمار في الوعي والقيادة المستقبليّة
في إطار الجهود الرّامية إلى تعزيز البعد المجتمعيّ والتّربويّ، برزت مبادرة “برلمان الشّباب” كأحد النّماذج اللّافتة الّتي أطلقت ضمن منظومة العمل في غرفة التّقييم والمتابعة في جولس، بهدف إشراك فئة الشّباب في صياغة الوعي وتعزيز دورهم في الحياة العامّة.
أُقيمت هذه المبادرة خلال شهر شباط/فبراير، بمشاركة مجموعة من الشّباب من مختلف القرى، ضمن لقاء تفاعليّ أتاح مساحة مفتوحة للحوار والتّعبير، وشكّل نموذجًا عمليًّا لمحاكاة آليّات النّقاش وصناعة القرار.
وجاء إطلاق البرلمان بمبادرة من جهات تربويّة وبالتّعاون مع مركز الإرشاد الدّرزيّ والشّركسيّ، إلى جانب دور محوريّ للمتطوّعين في غرفة التّقييم، الّذين أسهموا في تنظيم الحدث وإدارته، بما يعكس تكامل العمل بين البعد التّربويّ والمجتمعيّ.
أتاحت هذه التّجربة للشّباب فرصة مناقشة قضاياهم، وتطوير مهارات التّفكير النّقديّ، والحوار المسؤول، وصياغة المبادرات، ضمن بيئة منظّمة تحاكي العمل المؤسّساتي. كما ساهمت في تعزيز الشّعور بالانتماء، وتشجيع المشاركة الفاعلة في الشّأن العامّ.
ولم يقتصر أثر المبادرة على مستوى النّشاط ذاته، بل امتدّ ليؤكّد أهمّيّة الاستثمار في فئة الشّباب بوصفها ركيزة أساسيّة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التّحدّيات، من خلال تمكينهم ومنحهم أدوات التّعبير والمشاركة.
في المحصّلة، يعكس “برلمان الشّباب” توجّهًا واضحًا نحو بناء جيل قادر على القيادة والمبادرة، ويجسّد أحد أوجه العمل الّتي تتجاوز الاستجابة للأزمة نحو تأسيس وعي مجتمعيّ طويل الأمد.
في المحصّلة، تعكس مبادرات مرافقة المصابين أحد أعمق أوجه العمل الإنسانيّ، حيث يتحوّل التّضامن من مفهوم نظريّ إلى ممارسة يوميّة، تسهم في ترميم ما تخلّفه الأزمات من آثار نفسيّة واجتماعيّة.
قسم المنظومة التّكنولوجيّة: تعزيز السّيطرة على الظّرف والمتابعة
إعداد: المهندس نجيب شحادة
حدّد مركز العمليّات والمتابعة للطّائفة الدّرزيّة في جولس منذ المراحل الأولى لتأسيسه حاجة أساسيّة لبناء بنية تحتيّة تكنولوجيّة متقدّمة لإدارة المساعدات الإنسانيّة على نطاق واسع. ويأتي ذلك في ظلّ وجود أكثر من 400,000 نسمة في محافظة السّويداء، حيث يحتاج جزء كبير منهم إلى استجابة سريعة، منظّمة ودقيقة لتلبية الاحتياجات الأساسيّة والخدمات الحيويّة. وانطلاقًا من هذا الإدراك، تمّ إنشاء منظومة رقميّة متكاملة تهدف إلى تعزيز السّيطرة، المتابعة، والتّنسيق بين مختلف الجهات العاملة على الأرض.
في هذا الإطار، تمّ تطوير عدّة أنظمة وتطبيقات مخصّصة، في مقدّمتها نظام لإدارة توجّهات الجمهور، الّذي يركّز طلبات المساعدة في مجالات متعدّدة مثل الغذاء، الملابس الشّتويّة، الرّعاية الطّبّيّة والدّعم النّفسيّ. وحتّى الآن، تمّ تسجيل أكثر من 50,000 عائلة طلبت المساعدة الغذائيّة، ما يعكس حجم الحاجة وأهمّيّة الإدارة الرّقميّة الفعّالة للمعلومات.
إضافة إلى ذلك، تمّ إنشاء نظام مخصّص لجمع الشّهادات القانونيّة، يتيح للمتضرّرين الإبلاغ عن الحالات المختلفة بطريقة منظّمة وآمنة. ويتضمّن النّظام إمكانيّة تقديم الشّهادات بشكل مجهول، مراعاةً للظّروف الشّخصيّة ولتمكين الأفراد من المشاركة دون الشّعور بعدم الارتياح أو الخوف. وقد تمّ حتّى الآن تسجيل أكثر من 1,000 طلب لتقديم شهادات قانونيّة.
كما تمّ تطوير نظام لجمع المعلومات المدنيّة، يتيح تجميع البيانات من الميدان بشكل فوريّ، وتحليلها وربطها من مصادر مختلفة. ويساهم هذا النّظام في تحسين فهم الواقع، وتعزيز عمليّة اتّخاذ القرار، وتمكين استجابة أسرع وأكثر دقّة للاحتياجات المتغيّرة. بشكل عامّ، تُمكّن هذه المنظومة التّكنولوجيّة من إدارة كمّيّات كبيرة من البيانات، وتحسين كفاءة العمل، وضمان إيصال المساعدات للسّكّان بشكل دقيق، سريع ومحترم.
شُكر وعرفان
من هذا المِنبر، واعترافًا وتقديرًا بالجهود المبذولة من جميع أطياف ومجموعات غرفة التّقييم والمتابعة المكوّنين لنسيجها الهامّ والحصريّ، نرى لزامًا علينا أن نشكر المئات من المتطوّعين والمتطوّعات على التزامهم الحريص واليوميّ، فعملهم الملتزم وَفق فريضة حفظ الإخوان أنقذ الغالي والنّفيس.
وإذا كانَ مركز المتابعة والتّقييم قد نجح في بناء منظومة متكاملة لإدارة الأزمة، فإنّ القيمة الحقيقيّة لهذا العمل تظهر في انعكاسه على حياة النّاس. فالأثرُ لا يقاسُ فقط بما أنجز، بل بما تغيّر في واقع الأفراد. ومن قلب هذه التّجربة، تخرج شهادات حيّة لأبناء السّويداء، تنقل ما لا تستطيع التّقارير الإحاطة به.
وتجدر الإشارة أيضًا، أنّه ومن باب تقدير عمل المتطوّعين والمتطوّعات على جهودهم في غرفة العمليّات، تمّ اختيار المتطوّع تامر نظام عطالله ليوقد شعلة في احتفالات استقلال الدّولة، باسم غرفة العمليّات، ودعمًا لقضيّة السّويداء، ومثالًا حيًّا للشّابّ الدّرزيّ المثقّف والواعي، إثباتًا أنّ متطوّعي غرفة العمليّات تخطّوا حواجز الأفق في الإصرار والالتزام والإيمان بالقضيّة الإنسانيّة.
السّويداء ذاكرة الألم وشهادة الانتماء
بقلم: نور وهّاب عماشة، ابنة السّويداء المقيمة في هضبة الجولان
أنا نور وهّاب عماشة ابنة السّويداء الجريحة، ولدت في قرية مجادل في جبل الدّروز (شمالي السّويداء)، تزوّجت من الدّكتور منهل عماشة من هضبة الجولان سنة2000م عندما كان يدرس الطّبّ في جامعة دمشق.. أتيت إلى الجولان بطلب لمّ الشّمل للعائلات في سنة 2003 م. أسّسنا أُسرة مكوّنة من ولدين كانا لي السّند والعوض بغربتي. عشنا في الجولان جسدًا لكنّ روحنا كانت في السّويداء. لم ألتق بأهلي إلّا بضعة مرّات في الأردنّ وكان لقاؤنا دائمًا فيه غصّة، وقد زرت أهلي مرّتين فقط في السّويداء دون زوجي وأولادي وكانت الزّيارة لا تتعدّى اليومين بحكم زيارة المشايخ الدّينيّة لمقام النّبيّ هابيل (ص) في شهر أيلول من كلّ سنة. اعتدتُ على الغربة رغم الألم والصّعاب، ورضيت بما قسمه الله لي إلى أن جاء تمّوز الأسود على السّويداء، عندما بدأت المجازر لحظة الغزو الهمجيّ والبربريّ في 13.تمّوز.2025 على يد من كنّا نظنّهم أبناء الوطن، وعلى يدِ الّذين فتحنا لهم بيوتنا على أيّام النّظام السّابق، جرائمهم تفوق الوصف: نكّلوا بأهلنا وأهانوا شيوخنا واعتدوا على حرماتنا وسبوا نساءنا ورموا النّاس عن شُرفات منازلهم، قتلوا شبابنا وأطفالنا وخطفوا الكثير منهم وهدموا وأحرقوا البيوت وهجّروا الأهالي منها ولم يراعوا حرمة الجبل ولا حقّ الجيرة، وشوّهوا تاريخ الثّورة السّوريّة الكبرى بقيادة القائد العامّ سلطان باشا الأطرش الّذي قال جملته المشهورة: (الدّين لله والوطن للجميع). عشنا أصعب أيّام من خوف وتوتّر ورعب، مرّت ليالٍ لم أذق بها طعم النّوم، فقد كنت على تواصل مع أهلي في كلّ لحظة ودقيقة. كانت هناك ساعات لم أكن أعرف عنهم شيئًا عندما قطعوا شبكات الإنترنت والاتّصال عنهم. كدت أفقد عقلي من بشاعة التّفكير بمصيرهم المجهول. في 15 تمّوز خرجنا بعض النّساء المتزوّجات إلى الجولان ووقفنا على الشّريط الحدوديّ في مجدل شمس موقع عين التّينة (تلّة الصّراخ)، وكان معنا من أهالي الجولان والجليل والكرمل، وحضر سماحة الشّيخ موفّق طريف أطال الله بعمره ،علّنا نساعدهم ونوصّل صوتهم للعالم لإيقاف المجازر وفكّ الحصار عن السّويداء من هذا الواقع الأليم، ومن معقل سيّد الجزيرة سيّدنا الشّيخ أمين طريف رحمه الله في جولس ولدت الفكرة على يد الحفيد سالك الدّرب الصّعبة في أحلك الظّروف وقائد سفينة النّجاة للطّائفة المعروفيّة، ومن عين المسؤوليّة ومبدأ حفظ الإخوان والثّالوث المقدّس(الأرض والعرض والكرامة )تأسّست غرفة العمليّات والمتابعة في جولس برئاسة ورعاية الشّيخ أبي حسن موفّق طريف وبمساعدة كلّ المختصّين والغيّورين على كرامة الطّائفة على كلّ الأصعدة والمستويات، ليهبّوا ويتطوّعوا لمساندة أهل السّويداء، فعملوا ليل نهار كخليّة النّحل دون كللٍ أو ملل ،كانوا سهارى يراقبون الأحداث، ليس فقط أحداث السّويداء بل من قبلها أحداث جرمانا وأشرفيّة صحنايا ،كانوا ولا زالوا يعملون على مساعدة أهلنا من غذاء ودواء وتدفئة وعلاج المرضى ومصابي الحرب. وكان لي من منطلق واجبي الإنسانيّ أوّلًا وكوني ابنة السّويداء ثانيًا أن أقوم بدوري قدر المستطاع. تطوّعت معهم في غرفة العمليّات والمتابعة كان لي الشّرف بمرافقتهم: قمت بمرافقة المرضى والجرحى الّذين أتوا للعلاج في المشافي، كنت السّند والعون لهم. تطوّعت في المخازن بهضبة الجولان لتأمين الملابس والموادّ الغذائيّة وغيرها من احتياجات، قمنا بحملة نخوة أهل لشبابنا المرابطين لحماية حدود الجبل فقدّمنا لهم معاطف شتويّة، كنت ولا زلت جاهزة لأيّ عمل تطوّعيّ يخدم أهلنا ويخفّف عنهم. عندما كنت ألتقي بفريق المتطوّعين في غرفة العمليّات آخذةً الدّعم المعنويّ والنّفسيّ منهم كأنّهم أهلي وعائلتي كانوا محترمين معطائين لأبعد الحدود وبدون مقابل ممتنّةً لله تعالى على نعمة التّوحيد وواجب حفظ الإخوان. ومن هذا الموقع، أبتهل لله تعالى أن يديم الشّيخ أبا حسن موفّق طريف وأهل بيته الكرام على الجهود المبذولة من قبلهم اتّجاه الطّائفة عمومًا. وشكرًا لكلّ من سعى وأعطى من وقته وماله لمساعدة ومساندة أهلنا بالسّويداء وأزال الله هذه الغيمة السّوداء عنهم. أخيرًا وليس آخرًا أتمنى أن تفتح معابر إنسانيّة لنزور أهلنا ويزوروننا ويعمّ السّلام في بقاع الأرض لنعيش إنسانيّتنا. دمتم بخير – نور وهّاب عماشة ابنة السّويداء الصّامدة.
التّكافل التّوحيديّ عبر الحدود: نموذج حيّ للدّعم والصّمود
بقلم: الدّكتورة ديالا جمّول، مديرة مؤسّسة “عطاء بلا حدود – السّويداء”
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تُعدّ مسألة التّكافل بين أبناء الطّائفة الدّرزيّة عبر الحدود مثالًا حيًّا على استمراريّة الرّوابط الاجتماعيّة والثّقافيّة رغم التّحدّيات السّياسيّة والجغرافيّة. وفي هذا السّياق، برز دور دروز إسرائيل بعد أحداث السّويداء في تمّوز الأسود كرافعة إنسانيّة واقتصاديّة مهمّة لدعم أهلهم في محافظة السّويداء جنوب سوريا، خاصّة في ظلّ الأزمات المركّبة الّتي تعصف بالمنطقة. من النّاحية التّاريخيّة، عُرف المجتمع الدّرزيّ ببنية تضامنيّة متماسكة تقوم على قيم العون المتبادل، والالتزام الأخلاقيّ تجاه الجماعة، والوقوف إلى جانب المحتاج. هذه القيم لم تبقَ حبيسة الخطاب، بل تجلّت عمليًّا في مبادرات واسعة النّطاق بدعم من سماحة الشّيخ أبو حسن موفّق طريف وأهلنا من دروز إسرائيل (غرفة العمليّات في جولس) لدعم دروز السّويداء، الّذين يواجهون أوضاعًا معيشيّة صعبة نتيجة التّدهور الاقتصاديّ، وانهيار البنية التّحتيّة، ونقص الخدمات الأساسيّة بعد أحداث السّويداء بتاريخ 15/7/25وسنذكر بعدّة نقاط ما تمّ دعمه خلال التّسعة أشهر الماضية من أحداث السّويداء.
- أوّلًا: الدّعم الماليّ وتخفيف أعباء المعيشة:
شكّل الدّعم الماليّ أحد أبرز أوجه المساندة، حيث ساهمت التّبرّعات الفرديّة والجماعيّة في تأمين الاحتياجات الأساسيّة للمتضرّرين بالحرب ومن فقدوا منازلهم وأرزاقهم بالقرى الغربيّة ولعبت هذه المساعدات دورًا مهمًّا في إعانة الأسر المتضرّرة بالحرب وذوي الشّهداء، في ظلّ غياب مصادر الدّخل المستقرّة.
- ثانيًا: الرّعاية الصّحّيّة والطّبّيّة
في ظلّ تدهور القطاع الصّحّيّ في السّويداء، برزت مبادرات لتأمين الأدوية والمستلزمات الطّبّيّة، ونذكر منها:
* مبادرة جرعة أمل سويداء الدّواء: حيث تمّ تأمين الأدوية المزمنة لمرضى القلب والسّكّريّ والضّغط والغدّة …إلخ بشكل شهريّ ومجّانيّ حيث يستفيد من هذه المبادرة من الأمراض المزمنة أكثر من عشرة آلاف مريض من المتضرّرين بالحرب ومصابي الحرب وذوي الشّهداء والأسر الأشدّ حاجة حيث شملت هذه المبادرة أكثر من تسعة عشر قرية من السّويداء وأربع مراكز في المدينة.
* مبادرة سويداء الشّفاء لدعم العمليّات الجراحيّة؛ حيث تمّ إجراء عمليّات جراحيّة بعدد كبير جدًّا لمصابي الحرب والأسر المتضرّرة بالحرب وذوي الشّهداء والأسر المحتاجة بين عمليّات جراحيّة وصور وتحاليل …إلخ والعلاجات المزمنة من مرضى السّرطان والمصابين. كما ساهم أطبّاء من دروز إسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تقديم استشارات طبّيّة أو دعم برامج علاجيّة وأخصّ بالذّكر الدّكتور أسامة الشّيخ.
- ثالثًا: التّدفئة وتأمين مستلزمات الشّتاء
مع اشتداد الأزمات وارتفاع أسعار الوقود، أصبح تأمين التّدفئة تحدّيًا كبيرًا لسكّان السّويداء. وهنا لعبت المساعدات دورًا مهمًّا في توفير وسائل التّدفئة، سواء عبر إرسال الوقود أو دعم شراء الحطب والبدائل، ما خفّف من معاناة آلاف الأسر خلال فصل الشّتاء القاسي.
- رابعًا: مشاريع المياه وحفر الآبار:
تفاقمت أزمة المياه في السّويداء بسبب الجفاف وضعف البنية التّحتيّة. واستجابة لذلك، تمّ تمويل اثني عشر مشروعًا من مشاريع حفر آبار مياه، وصيانة شبكات الرّيّ، وتشغيل الآبار بالطّاقة البديلة بتكلفة 200 ألف دولار ما ساعد في تأمين مصادر مياه للشّرب والزّراعة. هذه المشاريع لم تكن مجرّد حلول مؤقّتة، بل أسهمت في تعزيز الاستقرار المحلّيّ وتقليل الاعتماد على مصادر غير آمنة للآبار.
- البعد الثّقافيّ والإنسانيّ:
ما يميّز هذه الجهود ليس فقط حجمها، بل الدّافع الكامن وراءها. فهي تعبير عن هويّة جماعيّة عابرة للحدود، وعن شعور عميق بالمسؤوليّة تجاه “أهل الجبل”. كما تعكس هذه المبادرات قدرة المجتمعات المحلّيّة على تنظيم نفسها وتقديم حلول مبتكرة في غياب الدّعم الرّسميّ.
وباسم أهل الجبل في السّويداء نشكر سماحة الشّيخ موفّق طريف وأهلنا دروز إسرائيل وغرفة العمليّات في جولس وكلّ من دعم وساهم بتقديم المساعدة لدروز السّويداء. إنّ مساهمة دروز إسرائيل في دعم دروز السّويداء تمثّل نموذجًا فريدًا في التّضامن الأهليّ، حيث تتقاطع القيم الثّقافيّة مع العمل الإنسانيّ لتشكّل شبكة أمان حقيقيّة في أوقات الأزمات. ورغم التّحدّيات، فإنّ هذه الجهود تبرهن على أنّ الرّوابط الاجتماعيّة العميقة قادرة على تجاوز الحدود، وصنع فارق ملموس في حياة النّاس.
بين المقام الشّريف (ص) والجبل:البُعد الرّمزيّ والقياديّ في لحظة الأزمة
بقلم: رشاد أبو سعدة، مدير مركز المشكاة للدّراسات والتّوثيق – السّويداء
من حضرة شعيب – ص- … يدٌ باركتها السماء، وصوتٌ أنقذ الجبل
رسالة شكر مفتوحة
في حضرة مقام النّبيّ شعيب عليه السّلام، لا تبدأ الحكاية من حدثٍ عابر، بل من تقليدٍ ضاربٍ في عمق الزّمن، حين يتوافد الموحّدون الدّروز عامًا بعد عام إلى مقامِه في حطّين، في زيارةٍ لا تُقاس بخطوات الأقدام، بل بما تحمله من معنى الاستمرار، حيث تتحوّل الزّيارة إلى فِعل بقاء، وإلى إعلانٍ متجدّد بأنّ الجماعة الّتي تحفظ عهدها، تحفظ وجودها، وأنّ الرّوح الّتي اجتمعت على قيم العدل لا تتبدّد مهما تعاقبت الأزمنة.
هناك، لا يكون المقام مجرّد مكانٍ مقدّس، بل مرآةً للهويّة، وملتقًى تتجدّد فيه البيعة الصّامتة للقيم الّتي حملها شعيب ص: العدل، والصّدق، ورفض الظّلم، وكأنّ الزّائرين لا يأتون ليزوروا، بل ليُجدّدوا العهد مع معنى لا يزول.
وفي هذا الامتداد، تتجلّى الزّيارة بوصفها أكثر من طقس دينيّ، فهي اجتماع للذّاكرة الجماعيّة، وتأكيدٌ على وحدة المصير، حيث يلتقي التّاريخ بالحاضر، وتُستعاد سيرة نبيٍ لم يدعُ قومه إلى الإيمان فحسب، ولم يواجه الشّرك وحده، بل الظّلم بكل صوره، فكانت رسالته ميزانًا أخلاقيًّا يتجاوز حدود الزّمن، ويستمر أثره في كلّ موقفٍ يُرفع فيه الصّوت دفاعًا عن الحقّ.
وفي هذا العام، تمضي الخطى إلى المقام مثقلةً بنداءٍ لم يخمد، نداء تمّوز، حين انكشفت السّويداء على جرحها الكبير، واجتمع عليها الخوف والحصار والخذلان، فبدت كأنّها تُدفع قسرًا إلى حافّة الانكسار، جبلٌ صمد قرونًا يُراد له أن ينحني، وأرضٌ عرفت الكرامة يُراد لها أن تُستباح.
وفي تلك اللّحظة الفاصلة، حيث يُمتحن الرّجال بقدرتهم على حمل الألم لا الهروب منه، ارتفع صوت سماحة الشّيخ موفّق طريف، لا كمرجعٍ بعيد، بل كحضورٍ وازنٍ ممتدّ الجذور، يستمدّ معناه من سلفٍ صالحٍ حمل الأمانة قبله، ومضى بها دربًا من الحكمة والثّبات، فكان الصّوت امتدادًا لا انقطاعًا، وكان الموقف سلالةً لا طارئًا. رفض أن تُختزل الدّماء في خبر، وأن يُختصر الحصار في سطر، فحمل القضيّة من ضيق الجغرافيا إلى سعة الضّمير، ومن عتمة العزلة إلى نور المنابر الدّوليّة، كأنّما يعيد تثبيت المعنى: إنّ السّويداء ليست وحدها، وأنّ الجبل ليس تفصيلًا على هامش الخرائط، بل كيانًا حيًّا لا يُترك لمصيره في صمت.
وحين صمت كثيرون، بل حين خيّم الصّمت العربيّ على مشهدٍ أثبتته لجان التّحقيق الدّوليّة بوصفه جرائم حرب ترقى إلى مستوى الإبادة، كان صوته خروجًا على هذا الصّمت، وانتصارًا للحقيقة في وجه التّواطؤ أو العجز، فلم يسمح أن تُدفن المأساة تحت ركام السّياسة، ولا أن تتحوّل دماء الأبرياء إلى أرقامٍ باردة، بل أعاد للوجع اسمه، وللضّحايا إنسانيّتهم، وللقضيّة موقعها في ضمير العالم.
فكان صوته جسرًا بين الألم والاعتراف، بين المأساة والوعي، بين الحقيقة ومحاولات طمسها، ولم يكن ذلك اندفاعًا عاطفيًّا عابرًا، بل تجسيدًا لمسؤوليةٍ تُدرك أنّ حفظ الإخوان ليس شعارًا يُرفع، بل فعلًا يُنجز وفريضةً تُؤدّى، ولو استدعى أن تُقرَع أبواب العالم كلّه، وأن تُستنفَر كلّ وسيلةٍ ممكنة، وأن يُوضَع الجرح حيث يجب أن يُرى، في صدارة الاهتمام لا في هامش النّسيان.
وعلى هذا الامتداد، لم يكن الجهد ظاهرًا في العلن فحسب، بل كان له وجهٌ صامت يعمل في العمق، يتمثّل في غرفة عمليّات جولس الّتي أُنشئت بعناية، لتكون عينًا ساهرةً على الجبل، تتابع تفاصيله الدّقيقة على مختلف المستويات، تتحرّك بصمتٍ لا يطلب اعترافًا، وبحبٍّ لا ينتظر مقابلًا، وبحرصٍ لا يعرف التّعب. يقف خلفها جنودٌ مجهولون، لا تُعرف أسماؤهم بقدر ما تُعرف نواياهم، همّهم الوحيد أن يبقى الجبل واقفًا، وأن تبقى كرامة أهله مصونة، وألاّ يُترك الجائع دون خبز، ولا المشرّد دون مأوى، ولا العطشان دون ماء، ولا المريض دون دواء.
ولم تقف هذه الرّعاية عند حدود المتابعة أو التّنسيق، بل تجسّدت دعمًا مباشرًا مسّ تفاصيل الحياة اليوميّة، فكانت يده حاضرة في تشغيل الأفران حين انقطع الخبز، وفي إسناد المشافي حين ضاقت بالإمكانات، وفي دعم مصادر المياه حين اشتدّ العطش، وفي تحريك عجلة الحياة اليوميّة، فغدا حضوره سندًا ملموسًا لا خطابًا، وعطاءً يُرى أثره في حياة النّاس لا مجرّد كلمات تُقال، وكأنّما كان يعيد ترميم الأرواح المكسورة في زمن الانهيار.
وفي هذا كلّه، لم يكن حضوره مجرّد موقفٍ سياسيّ أو دينيّ، بل كان حضور الأب والأخ معًا، يحمل همّ النّاس كما لو كان همّه الشّخصيّ، لا يبخل بمساعدة، ولا يتردّد في دعم، فكان كالشّجرة الوارفة بظلالها، المعطاءة بثمرها الطّيّب، يستظلّ بها المتعبون، ويجد عندها المحتاجون ما يسندهم في زمن القحط.
ونحن في مركز المشكاة للدّراسات والتّوثيق، كان لنا شرف المتابعة المباشرة لهذا الجهد، عن قربٍ لا عبر روايات، فواكبنا حراكه، ولا سيّما على المستوى الدّوليّ، حيث لم يبخل علينا بمعلومة، ولم يتأخّر عن دعم، بل كان حاضرًا في كلّ تفصيل، يفتح الأبواب، ويقدّم ما يلزم، إيمانًا بأنّ الكلمة الموثّقة جزء من المعركة، وأنّ الحقيقة تحتاج من يحميها كما تحتاج الأرض من يحرسها.
وفي هذا كلّه، يُستعاد المعنى الأعمق للمقام الشّريف -ص-، لا بوصفه مكانًا يُزار، بل بوصفه مدرسةً تُستعاد قيمها، حيث الإيمان لا ينفصل عن الكرامة، والدّين لا يكون حيًّا إلّا حين ينحاز للإنسان، وحين يكون رجل الدّين هِبةً إلهيّة، يُرسَل في الزّمن الصّعب ليحفظ ما تكسّر، ويجمع ما تشتّت، ويقول الكلمة حين يخشاها الآخرون، ويكون شاهدًا على أنّ السّماء لا تترك الأرض وحيدة.
وفي الختام، حين نتأمّل المشهد بعمق، ندرك أنّ ما قام به سماحته، وما قام به أهلنا من فضل، لم يكن دفاعًا عن السّويداء فحسب، بل كان دفاعًا عن الهويّة الّتي لا تُختزل، وعن العقيدة الّتي لا تُساوَم، وعن معنى الوجود ذاته حين يُهدَّد في جذوره، فكان موقفهم امتدادًا لخطٍّ تاريخيٍّ من الثّبات، يحرس القيم، ويصون العقيدة، ويؤكّد أنّ الجماعات لا تبقى بقوّتها وحدها، بل بقدرتها على حماية ذاتها المعنويّة قبل المادّيّة. وبين المقام الشّريف والجبل الأشمّ يمتدّ خيطٌ خفيّ من المعاني، يقول إنّ العهد لم ينقطع، وإنّ ما حُفظ بالتّوحيد لا يضيع، وإنّ الكرامة إذا استندت إلى عقيدة، تصبح أصلًا لا يُقتلع، ومصيرًا لا يُكسر. زيارةٌ مقبولة للجميع، يتجدّد فيها الأمل بمستقبلٍ أكثر عدلًا وكرامة وسلامًا..