الموقع قيد التحديث!

متفرّقات من “الذّاكرة الدّرزيّة”

بقلم المرحوم الشّيخ سميح ناطور

جمعها المرحوم الشّيخ سميح ناطور

والّتي ستصدر قريبًا ضمن كتاب شرع بإعداده قبل وفاته تحت عنوان: “الذّاكرة الدّرزيّة”   
وهو مشروع لجمع وتدوين ونشر قصص من تراث وتاريخ أهل التّوحيد


كيف أظهر الشّيخ حسن الدّين العقيلي، تواضعه أمام الشّيخ الهجري؟

عندما شرّف سيّدنا الشّيخ أبو حسين إبراهيم الهجري (ر) بلاد الشّوف رافقه الشّيخ أبو زين الدّين حسن العقيلي في جولته. وكان يدعو سيّدنا الشّيخ أبو حسين للدّخول أمامه أثناء الزّيارات. فيقول له سيّدنا الشّيخ أبو حسين: يا شيخ أبو زين الدّين حضرتك لك حق عا طاقين، أي نسب دُنيوي لأنّ مشايخ بيت العقيلي مشايخ رتبة في الجبل ومنزلة دينيّة لأنّه من علماء عصره وشُعرائه. فيجيبه الشّيخ أبو زين الدّين وهو الأدرى بمكاشفات الشّيخ أبي حسين إبراهيم الغيببيّة: ليس التّفاخر بالجثث البالية وإنّما التّفاخر بالدّرر الباقية أي بجواهر النّفوس المطمئنّة بالإيمان وفي هذا الكلام دلالة على تواضع الشّيخ أبي زين الدّين ومعرفته بنفسه.

المرجع: كتاب “مناقب الأعيان” للشيخ فرحان العريضي – الجزء الثالث – ص294.


كيف تزامن وصول المشايخ مع إعلان الثّورة؟

في اللّيلة الّتي أعلنّا فيها الثّورة، ليلة 17 تموز عام 1925 حضر وفد من رجال الدّين يتقدّمه الشّيخ أبو هاني علي الحنّاوي من السّهوة، والشّيخ سعيد الحِجلي من عرمان، فرحّبتُ بهما وأجلستهما في غرفة خاصّة من غرف دارنا الدّاخليّة وقلت لهم: “لم أكن أتوقّع زيارتكم في مثل هذه اللّيلة، ولكنّي سعيد جدًّا أن أجتمع بكم لعلّني أستلهم من وعظكم وإرشادكم ما ينير طريقي، ويضاعف من قوّة إيماني، وشدّة عزيمتي، ويجعلني جديرًا بحمل رسالة الثّورة، الّتي تقرّر إعلانها في الصّباح الباكر، والسّير تحت رايتها الخفّاقة. فأجابني الشّيخ أبو هاني علي الحنّاوي شيخ العقل: لم نأتِ لزيارتك إلّا بعد أن تفاهمنا مع شيخيْ العقل الفاضليْن الشّيخ أحمد الهجري والشّيخ حسن جربوع اللّذيْن حالت دون حضورهما الظّروف الرّاهنة في مثل هذه السّاعة المتأخرّة من اللّيل. نحن نشعر بأنّ الموقف حرج، والخطر المحدِّق بالبلاد كبير جدًا. وقد بذلت الهيئة الرّوحيّة في الجبل كثيرًا من الجهود لتحول دون وقوع هذا الخطر. لكنّ السّلطة الفرنسيّة لم تفتح بابًا للأمل، لذلك جاز لنا أن نبارك كلّ خطوة تخطوها في سبيل الدّفاع عن كرامة الشّعب، وحفظ النّاموس والعرض، وإنّنا لنبتهل إلى المولى القدير بأن يحفّك ويرعاك ويحقّق لنا النّصر المبين على يديْك.

المرجع: “مذكرات الباشا سلطان”- ص154


أيّ جواب سمع إبراهيم باشا عن سرّ قوّة الدّروز؟

يُروى عن القائد المصري إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا حاكم مصر، أنّه عندما غزى سوريا عام 1830 واحتلّ في طريقه فلسطين وسوريا ولبنان، حتّى وصل إلى مشارف القسطنطينيّة، متغلّبًا على الجيوش العثمانيّة الجرّارة، ومحطِّما كلّ علامات المقاومة المحليّة، ما عدا عنصر واحد أربكه وحيّره وشغله سنين طويلة، ولم يستطع التّغلّب عليه، إلّا بالحيلة وهم الدّروز. أرسل إبراهيم باشا الحملة تلو الحملة إلى معقل الدّروز في جبلهم، واضعا على رأس كلّ حملة أشجع قواده، إلّا أنّ كلّ هذه الحملات عادت مهزومة ومكسورة وفاقدة كلّ أسلحتها وذخيرتها وكرامتها. وفي أواخر الثّلاثينات من ذلك القرن، صمّم إبراهيم باشا أن يكسر شوكة الدّروز، بكلّ ثمن، وأن يُخضع أولئك الفلاّحين بأيّ طريقة، فجرّد حملة هائلة كثيرة العدد والتّعداد، مزوَّدة بأحدث وأشنع وسائل الحرب والدّمار، وحطّ في جبل الدروز، وشهد بأمّ عينيه من هم الدّروز وكيف يحاربون، وأحسّ على جلده وقع سيوفهم وتأثير ضرباتهم، بعد أن لام قوّاده سابقًا كيف تهزمهم زمرة من القرويين غير منظّمين وغير مدرّبين. وعندما يئس من التّغلّب عليهم، لجأ إلى الإجرام، فخطّط إلى تنفيذ عمل شنيع، لم يفعله أحد قبله في التّاريخ، وسيظلّ وصمة عار في ذكره إلى الأبد، وهذا العمل هو تسميم مصادر المياه في جبل الدّروز. كان هذا العمل الإجراميّ فتّاكا لدرجة أن قرّر زعماء الدّروز التّفاوض حقنًا للدّماء، ومحافظة على أرواح النّساء والأطفال. ويبدو أن إبراهيم باشا شعر بتأنيب الضّمير وبأنّه فعل إثمًا كبيرًا مع الدّروز، وفي نفس الوقت قدّر شجاعتهم واحترم موقفهم، فلم يفتك بهم بل عاملهم بالحسنى، وأكرمهم وطيّب خاطرهم، لكنّه طلب منهم أن يُطلعوه على سرّ قوّتهم وعن أسلحتهم المخفيّة الّتي مكّنتهم من الصّمود أمام جيوشه الجرّارة خلال سنين طويلة، فقام كبير مشايخهم رافعاً رأسه، موجِّها كلامه لإبراهيم باشا قائلًا: “السرّ هو، أن عسكرك لَمّ، ونحن أولاد عمّ”.

المرجع: مجلة “العمامة”


كيف غيّرت امرأة مجرى معركة؟

كانت معركة المزرعة من أشهر معارك الثّورة السّوريّة الكبرى، فقد قام الانتداب الفرنسيّ بتجهيز حملة كبيرة بقيادة الجنرال “ميشو”، كان تعدادها أكثر من 13 ألف ضابط وجندي فرنسي، مجهّزة بالدّبابات والمدافع والطّائرات. وكان عدد الثّوّار الدّروز لا يزيد عن أربعمائة مقاتل، بقيادة عطوفة سلطان باشا الأطرش. بدأت المعركة قرب قرية المزرعة، وذلك في صبيحة 31 تمور 1925 واستعمل الفرنسيّون الطّائرات الّتي شنّت هجومًا على الثوّار، وجعلت الذُّعر يدبّ في الخيول فتفزع ويفقد الفرسان السّيطرة عليها، وفي نفس الوقت كانت قذائف المدفعيّة في الميدان تتناثر بغزارة على خطوط المدافعين. فصمد الثّوار حتّى الظّهر، حيث أخذت أشعّة الشّمس المحرقة تلفح الوجوه وتجفّف الأجسام المنهكة، ورافق الهجوم تقدّم آليات مدرّعة، فامتلأ الجوّ بدخّان البارود والغبار المتكاثف، حتّى أنّ الصّخور البازلتيّة تحوّلت إلى شظايا متطايرة، فاضطرّ المدافعون إلى التّراجع إلى مواقع جديدة.

وهنا تدخّلت السّيّدة أم حمد خولة أبو عاصي، زوجة المجاهد عبّاس أبو عاصي من قرية نجران القريبة، حيث شاهدت بعض الثّوار متراجعين بفعل الضّغط في الجبهة، فقامت بدعوتهم إلى الدّار، وجمعت عددًا كبيرًا منهم، وكان من عادتها أن تعدّ الطّعام للمجاهدين، فكانت منذ الصّباح قد أعدّت المناسف ووضعتها أمام الثّوّار، وتوجّهت إلى زوجها قائلة: “لي عندك طلب يا أبو حمد”، فقال “أبشري” قالت: “عندي كلام أريد أن أخاطب الثّوّار فيه. فهل سمحت لي أن أقفر على الزّاد؟” والتّقفير هو عادة من عادات جبل الدروز المشهورة المخصصة لكبار القوم من الرجال. ولمّا كانت أم حمد صاحبة رأي ومعروفة باتّزانها وهيبتها لم يجد زوجها حرجًا في تلبية طلبها والسّماح لها بالتّقفير على الزّاد، فدخلت وبيدها “الكبشة” وبعد أن صبّت الّسمن على المناسف، قالت مخاطبة الثّوّار: “يا إخوتي، هذا الطّعام مخصّص لمن يرى في نفسه استعدادًا لخوض المعركة ببسالة وثبات حتّى الموت. إن حماية العرض والأرض هي أمانة في أعناقكم، فمن كان مستعدًا لذلك فليتقدّم وليأكل من الطّعام هنيئًا مريئًا”. وهنا تفجّرت رعود، واشتعلت بروق في صدور الرّجال، وارتفعت صيحات النّخوة: “لعينيك يا أم حمد، تربة وطننا ما نبيعها بالذّهب”. وأكل الثّوّار وعادوا إلى أرض المعركةـ واستماتوا في الدّفاع، وقُتل العدد الأكبر من جنود الاحتلال الفرنسيّ، وتمّ تكبيد الحملة خسائر كبيرة، فاندحرت وتبعثرت هياكل مدرّعاتها وآلياتها المختلفة وأسلحتها الثّقيلة وجثث قتلاها بين السّهول الممتدّة من المزرعة شرقًا حتّى قرية الدّور ومشارف بُصرى الحريري غربًا. وتمّ بعونه تعالى الانتصار في المعركة والتّغلّب الحملة الشّرسة الكبيرة الّتي كانت من أصعب المعارك في تاريخ الثّورة.

المرجع: مجلة “العمامة” – العدد 137 | مقالة للسيدة سهام ناطور (عيسمي)


ماذا فعلت القيادة كي تبقى الثّورة السّورية نقية؟

جدير بالذّكر أن أخي زيد اضُطر إلى إطلاق الرّصاص من مسدسه على أحد الثّوّار، لأنّه ارتكب جريمة السّطو على بعض مخازن البلدة في أعقاب المعركة. وكان لمشايخ خلوات البيّاضة فضل كبير يومئذ لمحافظتهم الشّديدة على بيوت المسيحيين، والسّهر على راحتهم وأمنهم، منع الغوغاء الّذين جاءوا بكثرة من منطقة العرقوب وغيرها بقصد السّلب والنّهب. نذكر من المشايخ الشّيخ قاسم أبو صالح، الشّيخ فندي شجاع، الشّيخ محمد رعد والشّيخ علي علم الدّين ذياب وقد أناطت قيادة الحملة بسلمان الأطرش الملقّب بدبابة الجبل مهمّة حفظ البلدة إثر مغادرتنا لها في صبيحة اليوم التّالي.

المرجع: “مذكرات الباشا سلطان”- ص213


ما هي قصّة: وقار سلطان وشهامة الخوري يعقوب؟

هذا ما سمعناه عن لسان الشّيوخ المتقدّمين: لقد كان لسلطان باشا الأطرش فرس عربيّة أصيلة اعتنى بتربيتها كثيرًا. وفي ظلام أحد اللّيالي قام أحد اللّصوص بسرقتها لينتفع من ثمنها لفقر حاله فقصد فلسطين ليكون بعيدًا عن الأنظار. وقد مرّ بطريق جسر بنات يعقوب ووصل إلى قرية طوبا زنغرية فلم يتجرّأ أحد على شرائها خوفًا أن تكون من خيول عائلة الأطرش في جبل العرب الدّروز. ودخل قرية الرّامة الجليليّة أمام منزل الخوري المحترم يعقوب حنا، وحين وقع نظره على الفرس أعجبته كثيرًا فناداه: لوين يا شاب بهالفرس؟ قال: إلى السّوق لأبيعها. فسأل عن ثمنها فقال: مائة ليرة عثملية (العملة المتداولة في حينه) قال له: أدخلها إلى الدّار ودفع له ثمنها.

وبعد فترة من الزّمن في إحدى المناسبات جاء إلى قرية الرّامة الشيخ أبو يوسف غالب يوسف بلعوس من أبناء الجبل المقرَّب من سلطان باشا الأطرش والمقيم في قرية المغامر. وكان يتردّد كثيرًا إلى الجبل لزيارة الأهل والأقارب. وكان يعرف الفرس معرفة جيدة، فسأل الخوري المحترم: من أين لك هذه الفرس الأصيلة؟ أجاب: اشتريتها بمالي من شاب عرضها للبيع ودفعت له ثمنها مائة ليرة عثمانيّة. قال له: هذه الفرس تعود إلى سلطان باشا الأطرش وهو يتوعّد من أخذها. أجاب الخوري: أنا لا يهمّني هذا فقد اشتريت بمالي. وبعد أيام معدودة أعدّ العدّة وركب هو وولده كلّ منهما على فرس مع هديّة جرّتيْن من زيت الزّيتون الصّافي وجرّتين من الزّيتون المكبوس وهي تليق بمنطقة الجبل الخالي من شجر الزّيتون وأخذا طريقهما جسر بنات يعقوب قاصدين جبل العرب لضيافة الباشا سلطان وإعادة الفرس له. وعند وصولهما منزل سلطان، دخل الخوري المحترم إلى الدّيوان وأحنى رأسه أمام الباشا قائلًا: الفرس أمام المنزل. أجاب الباشا: أنت رجل محترم أخبرني كيف وصلت فرسي إليك؟ فقصّ عليه كيف اشتراها ووصف له اللّصّ الّذي اشتراها منه فعرفه الباشا قائلًا: سامحه الله إنه فقير وبحاجة للمال. وأنت يا محترم كم دفعت ثمن الفرس وتوجّه إلى خزانته ليحضر له مائة ليرة. فقال الخوري يعقوب حنا: ما جئت من قرية الرّامة لآخذ مالًا بل جئت للتّعارف والصّداقة. عندها تعانقا وألبسه عباءة قائلًا له: بعهد الله أنت أخ لي في فلسطين ما دمت حيًّا. وهذا أكسب الخوري المحترم يعقوب احتراما زائدا عند أهل القرية والقرى المجاورة.. 

المرجع: مجلة “العمامة” – العدد 138 | مقالة للشيخ أبو مالك صالح ملحم بدر


ما هي أفخر صورة بطوليّة أبدتها امرأة درزيّة ثاكلة؟

 عاد المجاهدون، في أحد الأيّام، عند الغروب، وقد ظهر الألم والحزن على وجوههم، والأسى في عيونهم. وكانوا يسوقون معهم فتى يافعًا مكتوف اليديْن، أسمر اللّون، طويل القامة، يرتدي الزّي العسكريّ الفرنسي. وراحت أم حمد تستقبل ضيوفها كالعادة، وتتفرّس في وجوههم لتقرأ أخبارهم. وكان بينهم الأمير عادل أرسلان، الّذي تمالك نفسه وخاطبها قائلًا: “يا ست أم حمد، بكل الألم ننعى إليك استشهاد ابن شقيقك جبر شلغين، بعد أن قام بواجب الجهاد، وأتى من البطولة ما لم يقدر عليه غيره، وقد دفع روحه الزّكيّة ثمنًا لبطولاته، وها نحن قد أتيناك بهذا العسكريّ أسيرًا…”

صمتت أم حمد قليلًا، وقد امتلأت عيناها بالدّموع، ثمّ رفعت رأسها وخاطبت محدّثها الأمير والثّوّار قائلة: “يا أمير، أوّلًا من حضر السّوق باع واشترى، وكان ممكن لأيّ واحد فيكم أن يقتُل أو يُقتل، فالرّزق مقسوم والعمر محتوم، وتلك هي إرادة الله، سبحانه وتعالى، ولا نقول إلّا، لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. ثانيًا، تعلمون أنّ هذا العسكريّ لا يكافئ ولا يوازي زعل زين الشّباب وفارس الفرسان. ثالثًا، ترون أن هذا العسكريّ يدلّ على أنّه مغربّي، فهو عربيّ، وقد جنّدوه لقتالنا غصبًا عنه، فهو لم يختر حربنا بإرادته. فنحن والمغاربة في الهوى سوا، ولا تنسوا أنّه أسير، وهل تقبل أخلاقنا وشهامتنا قتل الأسير! وأريد أن تعرفوا جميعًا، أنّني أم، وأدرك كيف يكون حبّ الأم لولدها، إنّ أمّه تنتظر عودته، وطالما أنا صاحبة القرار في مصير هذا الجنديّ، فإنّي أطلق سراحه بيدي، احتسابًا لوجه الله، وحفاظًا على سمعة الأهل والعشيرة.”

وتقدمّت أم حمد، تفكّ وثاق الأسير، الّذي راح يقبّل يديها وأطراف ثوبها وهو يبكي، اعترافًا بجميلها، وأشارت إلى الجهة الّتي يمكن أن يعود منها إلى معسكره، وعادت بستان شلغين تذرف الدّموع وتندب شهيدها البطل.

المرجع: موقع “منتدى جبل العرب”

مقالات ذات صلة:

التوكل

الحالات، وفي كل الأوقات. وهذه الميزة، هي مشتركة لكافة المؤمنين، الذين يؤمنون بالله الواحد الأحد، ضمن الديانات السماوية الموجودة. فالتوكل