طلبتُ من أخي وزميلي أبو حسين مالك أن يحدّثني عن عائلته ودورها في استضافة وإيواء بعض العائلات من المهجّرين في زمن الهجيج عام 1948.
حدّثني قائلًا : لم يتحدّث أهلي، وخاصّة والدي، عمّا حدث معه في حرب 48، وعمّا إذا كان قد استضاف أناسًا من المهجّرين من زمن النكبة، وما سرّ علاقة الصّداقة القويّة الّتي ربطت أهله مع عائلة أبو مصطفى فرهود وزوجته وأبنائه مصطفى ووليد وبناته عليا ونظميّة وفتحيّة، خاصّة بعد أن انتقلوا من دور الأجرة في نواة القرية، واشتروا أرضًا من المرحوم أبو عادل زكي سعد، وبنوا بيتًا في أوّل البلد (والّتي اشتراها الشّيخ هاني غانم ثمّ باعها للمجلس لتكون بناية له)، وانتقلوا بعدها للسّكن في قرية الرّامة المجاورة.
قال الأستاذ مالك: شاءت الأقدار أن مرضت والدتي بالسّرطان، وذلك سنة 1993، ونقلناها للعلاج في مستشفى رمبام في حيفا، حيث اشتدّ المرض عليها، وأشاروا علينا بنقلها الى المستشفى الطّليانيّ في حيفا، لتكملة العلاج الكيماويّ، موضّحين أن وضعها يزداد سوءًا من يوم لآخر.
هناك في المستشفى تعرّف والدي إلى الطّبيب خالد الّذي كان يشرف على علاجها في حينه، وتوطّدت علاقة حميمة بين الإثنيْن، وكان والدي رجلًا اجتماعيًّا محبًّا للتّعارف والصّداقة، وله معارف وأصدقاء على طول البلاد وعرضها من مختلف الطّوائف، وكانت لديه ذاكرة فولاذيّة ويحبّ التّاريخ والترّاث والأحداث والقصص الّتي فيها عِبر عن الكرم والشّجاعة والنّخوة والنّجدة والبطولة.
كان والدي ذا فراسة مميزّة، إذ كان غالبًا ما يتعرّف على النّاس الغرباء، من خلال سحنتهم أو لكنتهم أو لهجتهم، ولاحظ أن الدّكتور خالد بوجهه يذكّره بأناس سبق والتقاهم وأنّ الدّكتور خالد تختلف لهجته عن سكّان حيفا، فسأله مستفسرًا: عمي خالد بدّي أسألك- إذا ما في إحراج – اِنت من لهجتك مش من سكّان حيفا، مين وين أصلك؟
فأجاب الدّكتور خالد: صدقت عمّي أبو مالك، في الحقيقة إحنا أصلنا من المغار! فسارع والدي وسأله: من أيّ عائلة؟
فأجابه الدكتور خالد: من دار تركي!
فتابع والدي وسأله: شو بيكونلك إبراهيم وداود تركي؟
فأجاب خالد: ابراهيم يكون والدي وداود عمي ّ!!
فقال له والدي: “والنِّعم والسّبع تنعام، بس تروّح على الدار سلّم لي عليهم”
فوعده الدّكتور بأنّ يوصل له السّلام حال وصوله إلى البيت.
ولما أنهى الدّكتور خالد مناوبته، وعاد إلى منزلهم، قصّ على أهله وبيت عمّه كيف تعرّف إلى والدي ومدى شعوره بالسّرور للتّعرّف على شخصيّة فريدة مثله، وكيف شعر بانجذاب نحوه، وأنه أرسل لهم السّلام.
سأله والده عما إذا كان يعرف عنه أكثر!! فقال لهم إنّه لا يعرف سوى أنّه من بيت جن وينادونه “أبو مالك “، وأنّه معروف بدليل كثرة الزّوّار الّذين يأتون لزيارته للسّؤال للاطمئنان عن زوجته.
فتابع والده يسأله ليتحقّق من هويّة هذا الشّخص، واسمه الكامل، ومن أيّ عائلة، ولكنّ الدكتور خالد لم يُشفِ غليلهم بإجاباته، سوى كثرة المديح عن شخصيّة أبو مالك وكرمه ودماثة أخلاقه وبشاشة وجهه، وحسن استقباله المميّز لكلّ من يقابله أو يأتي لزيارته. وطلب منه والده أن يصفه له، فوصفه له خالد وأضاف “أنّ أبو مالك عندما يبتسم ويضحك يظهر سنّ ذهب من زاوية فمّه”. فسارع والده وقال له: إنّ من تصفه هو الشّخص الّذي طالما حدّثناكم عنه، وهو الإنسان الّذي صادفنا في طريق هجرتنا إلى لبنان، عندما مررنا بجانب بيت جن، وكنّا ماشين طريق الوادي الموصل بين بيت جن وحرفيش، وهناك التقينا، واعترض طريقنا عندما عَرف إنّا مْهاجْرين من بلدنا المغار إلى رميش في لبنان، أصرّ أن نعود معه لنحلّ ضيوفًا في دارهم، ودار المرحوم أبو شفيق عبدالله نجم “أبو عبسه”،إلى أن تهدأ الأمور، ويستتب الأمن والأمان قائلًا جملته المشهورة:” ” ياللّي بصير علينا بصير عليكو” !!مصيرنا وطريقنا مشترك، فنحن شعب واحد ولنا وطن واحد غالٍ وليس لنا سواه” (كتاب حماة الدّيار_المؤلِّف د.خالد تركي)وطلب منه أن يرجع على أعقابه إلى المستشفى وأن لا يرجع إلا برفقة والدي.
عاد الدّكتور خالد على الفور، ولما وصل المستشفى أخبر والدي بما حدث له مع أهله، وطلب منه أن يرافقه إلى البيت، فعرف والدي أنّ أهله عرفوا بالقصّة الّتي جرت لهم معهم في بيت جن. لكنّ والدي اعتذر لأنّه لا يمكنه مغادرة المستشفى وترك زوجته وحيدة، طالما هناك زوّار يأتون للسّؤال عن حالها، فبعد انتهاء الزّيارات بإمكانه أن يلبّي دعوته. فقال له الدّكتور خالد: سأبقى معك وأنتظر حتّى تنتهي الزّيارات، لأنّه طلب ألّا أعود إلى البيت بدونك. وفي هذه البرهة من الزّمن قام العمّ خالد ودعا بجمع كلّ أفراد العائلتيّْن، من الكبير حتى الصّغير، وزيّن الدّار، وجهّز وجبة عشاء فاخرة احتفاءً باللّقاء المرتقب، وجلسوا جميعًا ينتظرون قدوم الدّكتور خالد برفقة والدي.
ولما وصل د. خالد ووالدي، وفتحا الباب، استقبله الجميع بالزّغايد والغناء والتّرحيب، وكان لقاءً لا يوصف، وتعالت دقّات القلوب، وترقرقت الدّموع في الأحداق، وفاضت المشاعر بالمحبّة والوفاء وأعادت إلى الأذهان ذكريات الماضي، وبعد أن هدأت الأمور، وكان المنزل مكتظًاّ بالحضور، وأخذ أبو خالد والعمّ داود يسردان قصّة ما حدث لهم في بيت جن، وعمّا فعله والدي، والّذي بفضله وفضل المرحوم عبد الله نجم أبو عبسة بقوا في الوطن ونجوا من آلام الغربة وعذابها وذلّ المعيشة في المخيّمات.
يكتب الدّكتور خالد في روايته (يوميات برهوم البلشفي الصّادر عام 2008، صفحة 17) ما يلي: “وكان للشّيخيْن الجليليْن الجليلييْن فضل كبير في بقائه وعائلته في موطنهم، وعليهم للشّيخين دين عظيم لن ينسوه أبد الدّهر، ولبيت جن مكان خاص ودافئ في كلّ قلب نابض وخافق من قلوب الآباء والأبناء والأحفاد”.
كما كرّر ذلك د. خالد في كتابه (من حيفا.. هنا دمشق) الصّادر عام 2015، ص307) عن زمن النّكبة والتّهجير ، إذ كتب ما يلي : ” وكانت عائلتي شاهدًا على هذا، عندما لجأت الى بيت جن الأبيّة، الجليل الأعلى، في طريقها الى لبنان، حيث حضن أهل القرية العائلات النّازحة قائلين لهم ” اللّي بصير عليكو بصير علينا” ونحن ما زلنا نكنّ الوفاء والعهد للعائلات الثلاث صلالحه (حسين أبو مالك) وأبو عبسي (عبدالله أبو شفيق) وأبو كنج علي اليوسف (المختار).
وقد عاد د. خالد وسرد القصّة ذاتها للمرّة الثّالثة في كتابه (حماة الدّيار)، الّذي يهديه لروح عمّه المناضل داود تركي (أبو عايدة)، في ص43. فيكتب:” حين ترك برهوم وعائلته حيفا متّجهين إلى الجليل، في طريقهم إلى لبنان… وطن التّشرّد واللجوء، أسوة بباقي أبناء شعبهم، وجد نفسه وعائلته ببيت جن الجليليّة الجليلة، وحلّوا ضيوفًا في بيوت الشّيخ حسين صلالحة أبي مالك، والشّيخ عبد الله ابي عبسي ابي شفيق، فقد حال هذان الشّيخان دون وقوع برهوم وعائلته في سجّل اللّاجئين وشرك مخيمات الّلجوء القسريّ”.
وكان للشّيخيْن الجليليْن والجليليْن فضل كبير في بقائه وعائلته في موطنهم، وقد منع العمّ أبو خالد من والدي أن ينام في المستشفى، وطلب منه أن يكون ضيفه مدّة بقاء أمي في المستشفى. إنّ هذه الحادثة إن دلّت على شيء إنّما تدلّ أنّ النّاس الأوفياء ما زالوا بيننا وأنّ المعروف مع أهله مُحال أن يضيع..