الموقع قيد التحديث!

كوارث ومحن في تاريخ الدّروز

بقلم الدّكتور جبر أبو ركن
عسفيا

منذ ظهور الموحّدين الدّروز على مسرح الأحداث في الشّرق الأوسط وصفحات تاريخهم تمتلئ بسطور دامية من ضحايا وشهداء ومئات المعارك والحروب والمصائب والمحن والأهوال الّتي حلّت بهم وأصابتهم في أماكن سكناهم وقضت على أعداد تفوّق عددهم الحالي بكثير. بالرّغم من الظّروف التّاريخيّة والسّياسيّة المتغيّرة والمتقلّبة الّتي كانت تقع فيها هذه الحوادث إلّا أنّ المبدأ المشترك بينها كان وما زال واحدًا الصّراع من أجل الكيان والوجود واستمراريّته بأمان وسلام وعزّة نفس واحترام رغم الصّعوبات والعراقيل الكثيرة الّتي حاولت منع تحقيق هذه الأهداف وبسببها تحوّل الصّراع كثيرًا إلى دمار وفناء وفضّلوا الموت بكرامة وشرف على الحياة مع الذّلّ والعار حيث صحّ فيهم قول الشّاعر الكبير المتنبّي:

لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى        حتّى يُراق على جوانبه الدّم

وكانت جميع معارك الدّروز اضطراريّة دفاعيّة أو رد على اعتداء وقع عليهم.

هذه مقتطفات لبعض من تلك الحوادث:

المحنة الأولى:

تُعرف عند الموحّدين باسم محنة الدّجّال. وقعت في الفترة الممتدّة بين السّنوات 1021 – 1026 كان ذلك عندما احتجب مولانا الحاكم الحكيم في ليلة 12 -13 شباط سنة 1021 وبويع بالخلافة الفاطميّة لبي الحسن علي الملقّب بالظّاهر لإعزاز دين الله. وما أن اعتلى الخليفة الجديد العرش حتّى بادر إلى اضطهاد الموحّدين ناكثاً للعهد الّذي قطعه على نفسه للحاكم. وظهر عزمه وقراره على مناصبتهم العداء في السّجل الّذي قُرئ على النّاس عند اعتلائه العرش. وجاء في هذا الّسجل أو المنشور :”إن جميع من خرج منهم عن حدّ الأمانة والعبوديّة لله عزّ وجلّ فعليهم لعنة الله ولعن اللاعنين والملائكة والنّاس أجمعين، وأّنه قد قدّم إنذاره لهم بالتّوبة إلى الله تعالى من كفرهم ومن أقام منهم على كفره فسيف الحقّ يستأصله”. كان هذا السّجل إيذانًا ببدء المحنة على الموحّدين وهدر دمهم. غير أنّ ما وردّ فيه من اتّهامات لهم لم يكن إلّا السّبب الظّاهر لاضطهاد الخليفة لهم يسوّغ فيه إراقة دمائهم أمّا العامّة من النّاس. ويقول الباحثان عباس أبو صالح وسامي مكارم إنّ السّبب الحقيقيّ لاضطهاد الخليفة الظّاهر للموحّدين فهو أنّهم لم يعترفوا بالظّاهر إمامًا لهم. والإمامة الفاطميّة انتهت حسب معتقدهم بالحاكم الّذي سلّمها في الأوّل من محرّم سنة 408 ه إلى حمزة بن علي وقد لقّبه بإمام الزّمان. ولذلك كان الموحّدون في نظر الخليفة الظّاهر خارجين عن طاعته لا يعترفون بإمامته وبالتّالي لا يدينون له بالولاء. ومن هنا كان لا بدّ له من استئصالهم بالسّيف على حدّ تعبيره.

فلمّا اعتلى الظّاهر عرش الخلافة الفاطميّة وكان قد مضى على احتجاب الحاكم نيّف وأربعين يومًا. عدّ كلّ يمين من الأربعين يمينًا، الّتي قيل إنّه أخذها على نفسه بألّا يصيب الموحّدين بسوء، قبالة يوم واحد حسب المصادر التّوحيديّة الّتي تضيف أن ذلك كان بمشورة أحد أخصام الموحّدين وهو صالح بن مرداس والي حلب. وبدأ الظّاهر باتّخاذ شتّى أنواع الاضطهاد والتّعذيب والتّنكيل ضدّ الموحّدين وهدر دمائهم في مختلف أنحاء مملكته ودامت فترة الاضطهاد هذه نحو ستّ سنوات ونيّف. وبقي الموحّدون على صبرهم وثباتهم أمام أهوال هذه المحنة. وبالرّغم من أنّهم لم يتمكّنوا من مجابهة اضطهاد الظّاهر لهم عسكريًّا والوقوف دون بلوغ مآربه منه فقد صمدوا في وجهه وتقبّلوا هذه المحنة بصبر وثبات بفضل عقائدهم التّوحيديّة وإيمانهم الرّاسخ بها. ومع ذلك فقد حاول قادتهم رفع الضّيم عنهم ما أمكنهم ذلك بالطّرق السّياسيّة، فهذا الأمير رافع بن أبي اللّيل زعيم قبيلة بني كلب الّذي أصبح من قواد الظّاهر العسكريين يعمل ما أمكنه لحقن دماء الموحّدين والدّفاع عنهم بماله ونفسه وتأثيره من خلال انخراطه في صفوف الظّاهر محاولًا التّخفيف من محنتهم وأشكال الاضطهاد والتّنكيل. وربما يكون غيره من الدّعاة والموحدين قد تسلّلوا إلى صفوف أعدائهم يذبّون عن إخوانهم في العقيدة ويحاولون أن يسيّروا دفّة الأمور كلّما رأوا إلى ذلك سبيلًا وحسب ما تقتضيه مصلحة الموحّدين. واستمرّت المحنة حتّى أواخر سنة 416 ه أو 1026 م.

وبقيت دعوة التّوحيد معلّقة طيلة هذه الفترة ومع انتهاء المحنة عادت الدّعوة إلى سابق عهدها من النّشاط.

محنة أنطاكية وحلب:

كانت القوى المتصارعة على السّيطرة والحكم في منطقة حلب وأنطاكية في شمال غرب بلاد الشّام مكوّنة من الفاطميين والبيزنطيين وأمراء القبائل المحليّة. بعد مقتل صالح بن مرداس على يد الأمير رافع أبي اللّيل في معركة الأقحوانة قرب طبريا سنة 1029 م تسلم قيادة المرداسيين ابنه نصر بن صالح بن مرداس ولم يكن أقلّ عداء للموحّدين من أبيه. إذ نراه بعد تخلّصه من الأزمة الّتي وقع فيها حيال رفضه تسليم حلب للبيزنطيين والّتي انتهت بإعلان ولائه للإمبراطور البيزنطي، يعمل على اضطهاد الموحّدين الدّروز في جبل السّماق قرب حلب. ولما رأى نقيطا قبطان (حاكم) أنطاكية أنّ الموحّدين الدّروز في جبل السّماق قد أصبحوا قوّة سياسيّة وعسكريّة من شأنها أن تهدّد نفوذ البيزنطيين في المنطقة، كما تهدّد غيرهم من القوى كالفاطميين والمرداسيين لا سيما بعد أن استجاب إلى دعوة التّوحيد كثير من سكاّن تلك المنطقة وانضوى إليهم عدد من إخوانهم من مختلف الأنحاء بقدوم الأمير رافع إلى تلك المنطقة. وقد استولوا على منطقة على نهر العاصي تتميّز بموقعها الاستراتيجي وتحصيناتها الطّبيعيّة ممّا زاد في قوّتهم العسكريّة مهددّين بذلك البيزنطيين وأعوانهم، الأمر الّذي جعل كلا البيزنطيين والمرداسيين يتوجّسون الخوف من احتمال توسّع الموحدين الإقليمي في تلك الأنحاء بالاستيلاء على باقي المنطقة. لهذه الأسباب عمد نقيطا قبطان ونصر بن صالح بن مرداس إلى تحين الفرص لضربهن وإبادتهم. وهكذا ففي سنة 1032 م بادر البيزنطيون فتلطفوا حتى قبضوا على دعاتهم وأماثلهم وقتلوهم مما جعل باقي الموحدين يفرّون إلى تحصيناتهم ومغاورهم في الجبال ليتعقبهم قبطان أنطاكية ونصر بن صالح ورجالهما ويحاصروهم في مغاورهم ويقاتلونهم مدة 22 يوما ويدخنوا عليهم حتى التمس الموحدون الأمان وخرجوا من تحصيناتهم هاربين. وقد تتبعهم البيزنطيون ونصر بن صالح وعملوا فيهم السّيف.

بعد اضطهاد الدّروز في منطقة حلب وأنطاكية لم يرَ الأمير رافع بن أبي اللّيل أنّ الوقت قد حان لضرب أعداء الموحّدين، فهو لم ينته من الظّاهر وأعوانه بعد، وهو إنّ ضرب نصر بن صالح سيضعف الحلف القبلي الّذي يناوش الفاطميين بمعونة البيزنطيين ممّا يسهّل للفاطميين اضطهاد الموحّدين الدّروز في جبل لبنان ووادي التيم وبلاد الجليل ودمشق وضواحيها. لذلك نراه يسكت على مضض ويستمرّ بسياسته القائمة على التّحالف مع حسان بن مفرّج ابن الجرّاح ومهادنة البيزنطيين وبقي الأمير رافع متّبعًا هذه السّياسة حتّى نهاية عهد الظّاهر.

مات الخليفة الظّاهر سنة 1036 واعتلى الخلافة الفاطميّة بعده أبو تميم معد الملقّب بالمستنصر لدين الله، وكان لتغيير سياسة الفاطميين في هذا العهد الجديد أن عادت دعوة التّوحد في وادي التّيم وجبل لبنان وفلسطين ودمشق وجوارها إلى سابق عهدها واستطاعت أن تسفر عن وجهها.

واقتضت مصلحة الموحّدين أن يوالوا الخليفة الجديد حرصًا على سلامة الدّعوة وأملًا بأنّ تواصل مسيرتها بعد أن أصابها ما أصابها في عهد الخليفة الظّاهر من الصّعوبات والعراقيل وقد لبّى الأمير رافع بن أبي اللّيل رغبة رؤسائه في الدّعوة فانقلب على البيزنطيين وانضمّ إلى جيش الفاطميين في الشّام وقائده الدّزبري بعد أن كان يناصبه العداء مدّة تسع سنوات إثر تنكّر الفاطميين له بعد معركة الأقحوانة. وقد حان الوقت الآن للقضاء على نصر بن صالح بن مرداس وتخليص الموحّدين منه وإبعاد خطر البيزنطيين عن أهل التّوحيد.

قرّر القائد الفاطمي الدّزبري قتال نصر بن صالح واحتلال حلب منه لكنّه قبل شروعه بذلك فاوض إمبراطور الرّوم حتّى لا يتدخّل بجانب نصر واستمال الدّزبري حسّان بن مفرّج ورافع بن أبي اللّيل وجرّد جيشه الفاطميّ بقيادة الأمير رافع والتحم الفريقان ودارت الدّائرة على نصر وأصحابه وقد استطاع الإفلات مع بعض من كان معه ثمّ التقى الفريقان مرّة ثانية في تلّ فاس بمنطقة حمص … غير أن نصرًا ما لبث أن ادركته الهزيمة ففرّ بدوره ليلحقه رجل من المهاجمين ويرميه فيقع عن فرسه ويراه أحد الأتراك فيقطع رأسه ويسلّمه للأمير رافع وكان مقتله سنة 1038 م.

بعد احتلال الفاطميين لمنطقة حلب بعد انتصارهم على المرداسيين نَعِم الموحّدون على ما يبدو بفترة من الهدوء والاستقرار بالإضافة للمراكز العسكريّة العالية الّتي وصل إليها بعض رجالاتهم فقد تبوّأ بعض دعاتهم في بلاد الشّام مراكز مرموقة كفخر الدّولة أبي يعلى حمزة بن الحسين الّذي كان أحد كبار أعوان خليفة الدّزبري في ولاية الشّام ناصر الدّولة أبي محمد بن الحسين بن حمدان. وبقيت الدّعوة لمذهب التّوحيد مستمرّة ناشطة وواصل الدّعاة نشاطهم يأخذون المواثيق على المستجيبين حتّى سنة 1043 م حين توقّفت الدّعوة وودّع أقطابها الموحّدين بعد ان أوصوهم بحفظ أصول الدين وتعاليم الموحّدين وحذّروهم ممّا يحدث بهم من مخاطر.

لم يكن تثبيت أقدام الموحدين في بلاد الشّام بالأمر السّهل، فقد جابهوا الكثير من الصّعوبات والعراقيل وتعرّضوا إلى محاولات إفناء وإبادة ذهب ضحيّتها الألوف منهم وكادن تقضي عليهم عن بكرة أبيهم. واستهدفت المحاولة الأولى سنة 1019 أقطاب الدّعوة ذاتهم عندما هاجمهم زهاء عشرين ألف رجل يريدون القضاء عليهم في القاهرة، ولكن هذه المحاولة فشلت. وبعد مدّة يقوم أمير الأكراد في الشّام ابن تالشليل بمعونة ولي عهد المسلمين في الدّولة الفاطميّة عبد الرحيم بن إلياس الّذي كان واليًا على دمشق فيحاولان القضاء على الموحّدين في وادي التّيم ومنطقة حاصبيا. وذهب ضحيّة هذه الحملة كثير من الموحّدين قتلًا وحرقًا وسبيًا ليقوم بعد ذلك الخليفة الفاطميّ ويبدأ حملته ضد الموحّدين الّتي عُرفت بمحنة الدّجال الأولى وعانى الموحّدون خلال سنوات المحنة هذه الأهوال والكوارث من قتل وحرق وصلب وجرّ وسبي وأفظع أشكال العذاب والتّنكيل.

ويأتي بعدها صراعهم من المرداسيين والبيزنطيين غيرهم في فترات لاحقة كلّ ذلك والموحّدون يواجهون هذه المصاعب والكوارث والمحن بصبر وإصرار وشجاعة وإرادة فولاذيّة مقرونة مع الثّبات في العقيدة والرّسوخ في الإيمان. ويجتازون هذه الويلات واختبار المثابرة في الوجود والاستمرار على مذهب التّوحيد بفضل ما تميّز به قادتهم من حكمة ودراية ومرونة أحيانًا وحزم أحيانًا أخرى. وبما عُرفوا به من تجرّد عن مصالحهم الخاصّة ومن انضباط وتنسيق فيما بينهم.

من القاهرة إلى مصر حيث كان الدّعاة والحدود يديرون دفّة الدّعوة … إلى بلاد الشّام حيث كان الأمير رافع بن أبي اللّيل يتنقّل من الرّملة إلى كبريا وحوران ودمشق ووادي التّيم وحلب وأنطاكية، يضرب بسيفه طوراً ويفاوض بدهاء تارة أخرى منسِّقًا مع أمراء بني تنّوخ في غرب لبنان وبني جندل في وادي التّيم وأبي يعلى في دمشق. حتّى تسنّى للموحّدين أن يصبحوا قوّة سياسيّة عسكريّة كان لها أن تقوم في بلاد الشّام والشّرق الأوسط بدور مهمّ أخذ يتبلور ويبرز ويتعاظم وزنًا وفعالية على مر ّالعصور.

إنّ تعاقب المحن على المستجيبين لدعوة التّوحيد (الموحّدون الدّروز) وشدّة الاضطهاد والملاحقات اضطرت الكثيرين للعودة إلى مذهب السُّنة وغيره من المذاهب ومنهم من حافظ على عقيدته بالكتمان وهاجر الكثير منهم إلى الجبال المرتفعة الخالية من السّكّان في تلك الفترة. وكان عددهم في منطقة انطاكية وحلب (الجبل الأعلى أو جبل السّماق) لوحدها يقدَّر بسبعمائة ألف نسمة في السّنوات الأولى للدّعوة قبل بدء المحن والكوارث. وبقي في أيّامنا هذه في تلك المناطق بعض القرى الّتي يسكنها الدّروز مثل كفتين، علاتا، عرشين، جدعين، معرّة الإخوان، البير، كفر بنى تلثيثا.

يؤكِّد المؤرّخ سعيد الصّغير أن ما حدث في منطقة حلب وأنطاكية حدث كذلك في قرى جبل صفد والكرمل وشاغور عكا ومنطقة طبريا وغيرها من المناطق الّتي استجاب سكّانها لدعوة التّوحيد وتواجد فيها الموحّدون الدرّوز منذ القدم.

حادثة عكار:

في سنة 1584 سلب مجهولون الأموال الأميرية المجموعة من مصر وسوريا وهي بطريقها إلى الخزينة السّلطانية في اسطنبول الّتي كان ينقلها جنود الإنكشاريّة الأتراك ووقعت الحادثة في منطقة عكار بالأراضي اللّبنانيّة. فوجّهت الدّولة العثمانيّة والي مصر آنذاك إبراهيم باشا (غير إبراهيم باشا محمد علي) لعقاب المعتدين وثار جعفر باشا حاكم طرابلس وأحرق بلاد عكّار انتقامًا للأموال المنهوبة. ولكن عداء الولاة العثمانيين للدّروز جعلهم يوجّهون التّهمة إليهم فأنكرها الدّروز لأنّ الحادثة جرت في اقصى شمال لبنان الّذي لا يستوطنه الدّروز رغم إثبات براءتهم بالأدلة الصّادقة لكراهيتهم للدّروز الّذين يأبون الرّضوخ لسيطرتها وتمتّعوا دائمًا بحكم ذاتيّ شبه مستقلّ. فجُرّدت عليهم حملة قوامها عشرين ألف مقاتل بقيادة حاكم مصر إبراهيم باشا لكسر شوكة السّيادة الدّرزيّة في لبنان واستئصال الأمراء المعنيين وانضمّ إليه الكثير من الحكاّم والولاة في بلاد الشّام وخصوصًا النّاقمين على الأمراء الدّروز وحسّادهم وتحوّل كلّ ذلك إلى شعار: “القضاء على الرّافضين الدّروز”. 

فاتّبع إبراهيم خطّة بارعة إذ خيّم بالقرب من عين صوفر (1588) وأذاع على سكّان الجبل رسالة يدعوهم فيها إلى الاجتماع به لتصفية الحال، فرفض الأمير قرمقاز (والد الأمير فخر الدّين المعنيّ الكبير) الدّعوة لأنّه لم ينسَ غدر الأتراك بوالده وحضر الأعيان والعقّال فاستقبلهم إبراهيم بالبشاشة والتّرحاب حتّى اطمأنّوا لأنّهم لم يروا معه سوى نفر قليل من حاشيته. ولما خيّم الظّلام ونامت الوفود الدّرزيّة الآمنة أقبلت جنود إبراهيم باشا من مكمنها وذبحت ستمائة درزي وهم نيام ثمّ انتشرت في الجبل وأمعنت في النّهب والسّلب والحرق وألقت القبض على منطقة الغرب وأرسلتهم مغلولي اليد إلى الآستانة فأثبتوا براءتهم من سلب الخزينة. أمّا الجيش العثماني فبعد أن نهب 24 قرية درزيّة تجمّع رجال الدّروز وهاجموا العسكر فقتلوا قائده (اويس باشا) وخمسمائة من جنده. عندئذ طلب إبراهيم باشا ترحيله ليغادر الجبل فأرسل إليه ابن معن مئة ألف دوكا و480 بندقية وخيلًا وأشياء ثمينة فاستلمها الوزير العثماني ثمّ أمر بإحراق 19 قرية درزيّة وإعدام ثلاثمائة رجل وكان الأسطول العثماني خلال ذلك قد أخرج إلى صيدا أربعة آلاف جندي وضرب جميع السّواحل وأخذ ثلاثة آلاف أسير. ثم أعادت الحكومة المعتقلين إلى أوطانهم وسلّمت ولاية الغرب وبلاد الشّوف إلى الأمير محمد جمال الدين الأرسلاني والأمير منذر سيف الدّين التّنوخي، وكان الأمير قرمقاز قد لجأ إلى عشّ النّسر بشقيف تيرون (قلعة نيحا) قرب جزّين ورفض الاستسلام لإبراهيم باشا فأمر بإشعال النّار في المغارة وسدّها حتّى مات اختناقاً تاركاً ولديه القاصريْن فخر الدين ويونس برعاية والدتهما السّت نسب التّنوخيّة، فأشارت على مربيهما الحاج كيوان أن يخبئهما في قضاء كسروان وكتم خبرهما خوفًا من غدر العثمانيين، حتّى ترعرعا وتسلّم فخر الدّين مقاليد السّيادة والحكم في لبنان في القرن السّابع عشر حتّى سنة 1635 م.

وصل عدد ضحايا حادثة عكار إلى ستين ألفًا، هذا بالإضافة إلى الدّمار والخراب الّذي حلّ في البلاد وقضى على عشرات القرى الدّرزيّة الآمنة وكانت التُّهم الباطلة والكاذبة والدّسائس والأحقاد سببًا لهذه المصائب والكوارث وغيرها كثير في الشّرق الأوسط في الماضي والحاضر.

التوحيد ومصائب الدهر:

كيف يواجه الإنسان أهوال الكوارث والمحن والحوادث الّتي يتعرّض لها على المستوى الشّخصيّ الخاصّ والمستوى الجماعيّ العامّ؟

وما الوسائل والطّرق الّتي تمكّنه من متابعة مسيرة الحياة والوجود مع تمام الحالة العقليّة والنّفسيّة المتّزنة والطّبيعيّة بالرّغم من الألم والشّرّ المرافقيْن للحياة.

كيف يواجه قضية الموت وما موقفه منها؟

 العلاج والحلّ لهذه القضايا الكبرى هي التّعاليم الرّوحانيّة الخالدة الّتي وردت في الدّيانات والفلسفات ومنها التّوحيد حيث تعلّمنا عقائده وتعاليمه أن القضاء والقدر يقرّر أعمار البشر مع أنّ الإنسان مخيّر ومسيّر معًا إذ هو مخيّر فيما يعلم ومسيّر فيما لا يعلم، كما أن ولادته في الزّمان والمكان ليست بيده فكذلك موته ليس بيده ومن كانت منيته بأرض فليس يموت بأرض سواها.

ويزوّدنا التّوحيد بعقيدة خلود الرّوح وتناسخها وتقمّصها لكي تستمرّ في الوجود عبر الأجيال لأنهّا من مصدر خالد أبديّ أزليّ وهو خالقها وباعثها في المادّة (الجسم) وأنّ حقيقة الإنسان الكبرى أنه هذه الرّوح الأبديّة الّتي لا يدركها بالحواس وإنّما بقدراته العقليّة إذا كانت متطوّرة بنسبة وبدرجة معيّنة. وهذا هو الحلّ لقضيّة الموت وهو أن الموت لا وجود له إطلاقاً بالمفهوم البسيط أي النّهاية، بل هو مرحلة عبور وانتقال من وضع لآخر في الزّمان والمكان.

الإنسان الّذي يؤمن ويتمسّك بهذه المعتقدات يرتاح ويمنع من نفسه الوساوس والشّكوك والتّساؤلات ويبقى على توازنه وصحّته النّفسيّة والعقليّة والجسديّة وعندها يتخطّى الكارثة أو المصيبة ويتغلّب على مفاجآت الدّهر وغدرات الزّمان ويقهر الكوارث الطّبيعيّة والبشريّة لأنّ الإنسان يبحث دائمًا عن الثّابت والمستقرّ ليتمسّك به ويعتمد عليه ويركن له، ولا شيء ثابت ومستقرّ في حياتنا الماديّة الدّائمة التّغيّر. لذلك فإن الرّكن المعنويّ والعنصر الرّوحانيّ مصدر ومنبع الإيمان والمعتقدات الرُوحانيّة هو الوحيد الّذي يمكن أن نعتمد عليه ونركن إليه ونتمسّك به في مواقفنا الحرجة وليالينا المظلمة ولحظاتنا السّوداء.

التّوحيد يزوّدنا بالعنصر الرّوحانيّ ليساعدنا على عبور المشقّات والمصاعب وحتّى ننتصر على محاولات الحياة من الدّمار والفناء والتّوقّف وحتّى لا نستسلم لمثل هذه المحاولات ونتابع مسيرة وجودنا كما تبعها أسلافنا من قبلنا رغم الأهوال الّتي نزلت بهم وعندها نتقبّل قدرنا بالرّضى والتّسليم والإيمان القويم ونضحك في وجه الموت ونتابع المسيرة الأبديّة…


ما حدث ويحدث من كوارث ومحن ومصائب في هذه الفترة الزّمنيّة في السّويداء 2025, يثير الجدل والتّساؤلات: إلى متى تلاحق هذه الاهوال الموحّدين الدّروز…؟ ألا تكفي مدّة ألف سنة؟ هل توجد فترة تحرّر وخلاص وانعتاق من حلقات الإبادة والموت والانقراض من العالم المادّيّ وفي هذه الدّنيا؟  هل من وجود غير مادّيّ لأرواح الموحّدين؟ أين وكيف ومتى يكون؟ أم كُتب على الموحّدين المقاومة والقتال والصّراع والدّفاع عن الدّين والعرض والأرض مدى وجودهم على سطح الأرض في هذه الحياة الدّنيا خلال كرّات ومرّات من التّقمّص؟ متى تصل أرواحهم إلى حالة الانعتاق أي التّحرّر من عجلة الحياة والموت … والتّرقي إلى عالم الملكوت الرّوحانيّ.. حيث السّلام والنّعيم الأبديّ (بالفهم الرّوحانيّ)..

حقيقة الموحّدين تكمن في أرواحهم الخالدة الأبديّة الّتي تتقمّص الأجسام البشريّة في هذا العالم المادّيّ الأرضيّ بهدف النّشوء والارتقاء على مرّ العصور والأدوار إلى مستويات عليا من الوجود الرّوحاني الإلهيّ والنّورانيّ والسّرمديّ الأبديّ… وفي عالمنا هذا، الكيان المستقلّ والمتحرّر من حكم واستعباد الغير والآخرين من الشّعوب والأمم، يعمل ويساعد في الرّقيّ والتّطوّر العلوي والرّوحانيّ والكونيّ للموحّدين الدّروز   في مسيرة وجودهم في الكون.. مع مدّ يد السّلام والاحترام والمحبّة والحرّيّة لكلّ بني البشر من شعوب وأمم ودول..  

* مقال نشر سابقاً في العدد 5 من مجلة “العمامة” اذار 1984.

مقالات ذات صلة: