بين التّأمُّل في النِّعم والمقارنة التّاريخيّة بطريقة تجعلنا نعيد النّظر في تفاصيل يومنا البسيطة…
إنّ مقالي هذا ما هو إلّا بحثٌ صغير يدمج بين الرّوحانيّة والمنطق التّاريخيّ، ليعيد صياغة مفهومنا عن الرّفاهيّة المعاصرة.
تأمّل في نِعم العصر في لحظات الضّيق، يغفل الإنسان عن حقيقة مذهلة: أنّه يعيش اليوم حياةً لو رآها ملوك القرون الوسطى لظنّوها ضربًا من الخيال أو السّحر. إنّ قول الله تعالى: “وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها” ليس مجرد إخبار عن كثرة النِّعم، بل هو دعوة لفتح البصيرة على تفاصيل الاعتياد الّتي حجبت عنّا روعة الامتنان.
فإنّ أساطير الماضي.. حقائقنا اليوميّة: (لنتخيّل معًا)
لو استدعينا أعظم أباطرة التّاريخ، مثل “هارون الرّشيد” في بغداد أو “لويس الرّابع عشر” في فرساي، ووضعناهم في منزل مواطن متوسّط الدّخل في القرن الحادي والعشرين، لذهلوا من حجم السّيادة الّتي نمتلكها. كمثل سلطان الضّوء والحرارة: كان الملوك ينتظرون بزوغ الشّمس ليروا، أو يحرقون أطنانًا من الشّمع والزّيت، بينما أنت تأمر الضّوء فينقاد بلمسة إصبع. كان البرد ينهش عظامهم في قلاعهم الحجريّة، وأنت تتحكّم في مناخ غرفتك بضغطة زرّ. وكمثل خزائن المعرفة: كان الملك يرسل الرُّسل والبعثات لجلب كتاب أو معلومة، بينما خزنة العالم (الإنترنت) مفتوحة بين يديك وأنت مستلقٍ على سريرك.
وكمثل الطّبّ والنّجاة: أعظم ملوك الأرض فقدوا أبناءهم بسبب عدوى بسيطة أو وجع في الضّرس، عجزت عنه كلّ كنوزهم. واليوم، يتوفّر لأبسط النّاس من الرّعاية الصّحيّة واللّقاحات ما لم يحلم به ملوك عصر النّهضة.
فهيّا لنعود إلى فلسفة “لا تحصوها”
العجز عن الإحصاء في الآية الكريمة لا يأتي فقط من العدد، بل من التّداخل فنحن لا نعدّ نِعمًا منفصلة، بل شبكة معقّدة من التّيسيرات. فكوب القهوة الّذي تشربه في الصّباح، تطلّب سخرة آلاف البشر، وسفن تمخر العباب، وتكنولوجيا زراعيّة، وطرقًّا ممهدة.. كلّ هذا سُخّر لك لتستمتع بلحظة واحدة.
نحن غارقون في نِعمٍ صارت من فرط اعتيادنا عليها غير مرئيّة.
إنّ الرّفاهيّة ليست في مراكمة الذّهب، بل في جودة الحياة وأمان الجسد وتيسُّر الرّزق. نحن اليوم نأكل طعامًا من قارّات مختلفة، ونتواصل بلمح البصر، ونتنقّل في مركبات مكيّفة.. وهي امتيازات تجعل أصغرنا اليوم أغنى من “أعظمهم” بالأمس. فإذا شعرت يوماً بضيق الحال، تذكَّر أنّك تملك في جيبك وسريرك ومطبخك ما لم يملكه “قياصرة الرّوم” ولا “أكاسرة الفرس”، وقلْ بقلب حاضر: الحمد لله.