الموقع قيد التحديث!

كلمة العدد 171: تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا. وإذا افترقن تكسّرت آحادا ..

بقلم أسرة “العمامة”
دالية الكرمل | ايلول 2026

حكاية العيدان المتجمّعة أو حزمة العصي أو الرّماح المعروفة والّتي تناقلتها الأجيال المتعاقبة نظرًا لمغزاها العميق، تُنسب، فيما تُنسب إليهم، إلى الرّاوي اليونانيّ القديم أيسوب (Aesop) وهو شخصيّة شبه أسطوريّة، لم يتوفّر عنها الكثير من المعلومات المؤكّدة ويُعتقد أنه عاش في اليونان القديمة في القرن السّادس قبل الميلاد. وكما هو معلوم فإنّ هذه الحكاية تُروى أيضًا في الموروث الشّعبّي العربيّ والعالميّ المتداول، ويُحكى أنّ شيخًا أراد أن يعلّم أبناءه درسًا في معنى التّماسك، فأعطى كلّ واحد منهم عودًا وطلب إليه أن يكسره، فلم يجد أحدهم صعوبة في ذلك. ثمّ جمع عددًا من العيدان في حزمة واحدة، وطلب منهم أن يكسروها مجتمعة، فعجزوا عن ذلك. وقال لهم يومها: “إن تفرّقتم كنتم كالعيدان المتفرِّقة، يسهل كسر كلّ واحد منها، وإن اجتمعتم كنتم كالحزمة، يصعب على أحد أن يكسرها”. ولعلّ هذه الحكاية البسيطة تختصر معنى عميقًا بقي حاضرًا في وجدان البشريّة عبر الأجيال، مفاده أنّ الاتّحاد والوحدة قوّة وأنّ قوّة الجماعة لا تكون في إلغاء الاختلاف، وإنّما في القدرة على الاجتماع حول ما هو أكبر من الخلاف. فالاختلاف في الرّأي طبيعيّ، وتعدُّد وجهات النّظر لا يُضعف الجماعة حين يبقى الاحترام قائمًا، وإنّما الّذي يضعفها هو تحوُّل الاختلاف إلى قطيعة، والمنافسة إلى خصومة، والخلاف السّياسيّ إلى شرخ اجتماعيّ، وهنا لا بدّ لنا أيضًا أن نستحضر في هذا السّياق بيت الشّعر المنسوب الى القائد المهلب بن أبي صفرة الّذي حثّ من خلاله على الاتّحاد وقوّة الجماعة: “تأبى العصيّ إذا اجتمعن تكسرا. وإذا افترقن تكسّرت آحادا”. وما بين حزمة العيدان الّتي استعصت على الكسر، والعصّي الّتي لا تقوى على التّكسّر حين تجتمع، يتّضح أنّ قيمة الوحدة أيضًا ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي سلوك وثقافة ومسؤوليّة تُبنى عليها قوّة المجتمعات وقدرتها على مواجهة المحن. فالجماعة لا تحافظ على تماسكها لأنّها متّفقة في كلّ شيء، وإنّما لأنّها تعرف كيف تدير اختلافاتها، وكيف تجعل من تنوُّع الآراء مصدرًا للحوار والتّكامل، لا سببًا للانقسام والتّباعد. ومن هنا يصبح التّماسك الاجتماعيّ قيمة تتجاوز الخلافات العابرة، وتستند إلى وعيٍ بأنّ ما يجمع النّاس أكبر بكثير ممّا قد يفرّق بينهم. ولذلك، فإنّ استحضار سيرة الصّالحين وذِكر مشايخ ورجالات الطّائفة الّذين تركوا أثرًا في حياة النّاس لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجرّد استعادة للماضي، بل باعتباره عودة إلى منظومة من القيم الّتي نحتاج إليها في حاضرنا، واستلهامًا لتجارب شيوخ ورجال جعلوا من حضورهم بين النّاس مسؤوليّة، ومن مكانتهم أمانة، ومن خدمتهم للنّاس نهجًا في الحياة. وضمن هذا الإطار تأتي الذّكرى السّنويّة لرحيل سيّد الجزيرة وشيخ العشيرة سيّدنا الشّيخ أبي يوسف أمين طريف رضي الله عنه، بما تحمله من معانٍ روحيّة واجتماعيّة وأخرى، مناسبة للتوقّف عند قيم الثّبات، وحُسن القيادة، وخدمة النّاس، ووحدة الصّفّ.

فذكرى سيّدنا الشّيخ أمين طريف (ر) لا تستمد ّمعناها من استحضار شخصيّته ومكانته فحسب، وإنّما من استحضار القيم الّتي ارتبطت بسيرته وما تركه من أثر في نفوس أبناء الطّائفة. إنّ ذكر الصّالحين غذاء للرُوح، واستحضار سيرتهم يذكّر الإنسان بأنّ القوّة الحقيقيّة ليست في الصّخب، وإنّما في الثّبات، وأنّ القيادة ليست امتيازًا، بل أمانة، وأنّ خدمة النّاس مسؤوليّة وليست وسيلة لتحقيق المصالح الخاصّة. وحين نستعيد سيرة من تركوا أثرًا طيّبًا في حياة النّاس، فإنّنا في الحقيقة نستعيد معيارًا أخلاقيًّا نحتاج إلى أن يبقى حاضرًا في حياتنا العامّة والخاصّة.

ومن هذا المعنى تحديدًا، تصبح ذكرى سيّدنا الشّيخ أمين طريف (ر) مناسبة لتجديد الدّعوة إلى وحدة الصّفّ الدّرزيّ في كلّ مكان والّتي أرادها فضيلته وسعى الى تحقيقها، وحدة تقوم على الاتّفاق على الثّوابت الكبرى الّتي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف: صون الإنسان، وحماية الكرامة، والحفاظ على الهويّة، واحترام المرجعيّات الرّوحيّة، ورفض العنف، والوقوف إلى جانب أبناء الطّائفة في أوقات الشّدّة، وتعزيز التّواصل والتّكافل بين أبناء العشيرة أينما كانوا. وإذا كانت حكاية العيدان قد علّمت أبناءها أنّ العود المنفرد سهل الكسر، وأنّ الحزمة المتماسكة يصعب كسرها، فإنّ هذا الدّرس يبقى صالحًا لنا اليوم، ليس فقط في مواجهة التّحديّات، وإنّما في طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض. فالوحدة تبدأ من احترام الآخر، ومن الاعتراف بحقّه في الاختلاف، ومن تقديم المصلحة العامّة على الاعتبارات الشّخصيّة، ومن إدراك أنّ قوّة الجماعة لا تُقاس بمدى تطابق آرائها، بل بقدرتها على البقاء متماسكة رغم اختلافاتها.

وفي ظلّ المشهد الإقليميّ المضطرب، تصبح هذه الوحدة أكثر ضرورة. فالطّائفة الدّرزيّة، بما تمتلكه من تاريخ عريق وتجربة طويلة في مواجهة المحن، مطالبة اليوم بأن تستعيد أفضل ما في تراثها: الحكمة، والتّماسك، والاعتدال، والقدرة على الحوار، وعدم الانجرار إلى صراعات تستنزف المجتمع وتضعف قدرته على حماية نفسه ومصالحه. وتأتي هذه الذِّكرى في وقت تشهد فيه إسرائيل أيضًا استحقاقات سياسيّة وانتخابيّة تضع المجتمع أمام مسؤوليّة إضافيّة. فالانتخابات، مهما بلغت أهمّيّّتها، تبقى محطّة مؤقّتة، بينما تبقى العلاقات الاجتماعيّة ووحدة مدننا وقرانا ومصلحة النّاس هي الثّابت الّذي يجب الحفاظ عليه. ولذلك ينبغي أن تكون المنافسة الانتخابيّة قائمة على الاحترام والنزّاهة والبرامج والرّؤى، لا على التّجريح، أو التّحريض، أو العنف اللّفظيّ، والجسديّ أو نشر الموادّ الّتي تؤجِّج الخلافات وتزرع الفتنة بين أبناء البلد الواحد.

إن الاختلاف في الرّأي السّياسيّ حقّ مشروع، والتّنافس الانتخابيّ جزء من الحياة الدّيمقراطيّة، لكنّ تحويل هذا الاختلاف إلى خصومة اجتماعيّة دائمة يضرّ بالجميع. ومن هنا، فإنّ من الحكمة أن يتذكّر كلّ مرشّح ومؤيّد أن الانتخابات يوم، أمّا البلد والقرية والمجتمع فباقون. وقد يخسر الإنسان جولة انتخابيّة، لكنّه يستطيع أن يحافظ على احترامه للآخرين وعلى علاقاته الاجتماعيّة ومكانته بين أهله. وفي هذا الإطار، تبرز أهمّيّة أخلاقيّة العمل وأخلاقيّة النّيّة. فالموقع العامّ ليس غاية في ذاته، وإنّما وسيلة لخدمة النّاس. ومن يدخل المجال العامّ عليه أن يدرك أنّ المسؤوليّة الحقيقيّة تبدأ بعد الانتخابات، عندما يصبح مطالبًا بالعمل من أجل الجميع، سواء أيّدوه أم لم يؤيّدوه. وهذه الرّوح تنسجم مع جوهر تعاليم التّوحيد الّتي تجعل العمل الصّالح والنّيّة الصّادقة أساسًا في علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه.

وفي هذه الأيّام المتقلِّبة سياسًا وأمنيًّا، يبقى الدّعاء أن يحفظ الله أبناء العشيرة المعروفيّة في الجبل والسّويداء وسوريا ولبنان وإسرائيل، وأن يحقن الدّماء، ويرفع البلاء، ويحفظ الأمن والاستقرار، وأن يلهم الجميع الحكمة في القول والعمل. كما يبقى الأمل أن تنجح الطّائفة في عبور هذه المرحلة الدّقيقة أكثر تماسكًا، وأن تتحوّل المحن إلى فرصة لتعزيز وحدتها وصلابة مجتمعها. فمهما تبدّلت الظّروف السّياسيّة، ومهما تعاقبت الأزمات والانتخابات والخلافات، يبقى الإنسان ومجتمعه ووحدته فوق كلّ اعتبار. وهذه هي الرّسالة الأهمّ الّتي يمكن أن نحملها من ذكرى سيّدنا الشّيخ أمين طريف (ر): أن يكون أبناء التّوحيد جسدًا واحدًا، متحابّين متآزرين، مختلفين في الرّأي إن شاءوا، لكن متّحدين في الكرامة والمصير، لأنّ وحدة الصّفّ ليست شعارًا موسميًّا، بل شرط أساسّي لصون الوجود وحماية المستقبل.

والله ولي التّوفيق..

أسرة “العمامة” | دالية الكرمل | ايلول 2026

مقالات ذات صلة: