
في هذه الأيّام الّتي تعصف فيها الحروب والتّحديّات بمنطقتنا بأكملها، وتضطرب فيها الأحوال بين حربٍ هنا، وتوتّرٍ هناك، وضيقٍ يلفّ بعض مجتمعاتنا في مواطن أخرى، تزداد الحاجة إلى استحضار المعاني العميقة لزيارة مقام سيّدنا شعيب عليه السّلام، وإلى التّمسّك بجوهر الرّسالة الّتي جاء بها الأنبياء، والّتي تقوم على الصّبر والثّبات، وعلى الثّقة بالله تعالى، وعلى الإيمان بأنّ العسر يعقبه يسر، وأن الظّلام مهما طال لا بدّ أن يعقبه فجر. ومن هذا الفكر الهامّ وهذا المنطلق والرّسالة المهمّة سعي مشايخنا الأجلّاء الأفاضل إلى زيارة مقاماتنا الشّريفة وأتوا إليها من كلّ حدب وصوب حتّى وإن انطوى ذلك على مخاطر ومشقّات كبيرة، للتّأكيد على معانيها الرّوحانيّة العميقة وعلى المصير الواحد ولحمة ووحدة الصّفّ بين كافّة أبناء طائفتنا الغرّاء.
وفي هذا السّياق روى فضيلة الشّيخ أبو حسن عارف حلاوة كما ورد في كتاب العارف بالله الّذي تناول سيرة حياته للمؤلِّف سلطان القنطار، أنّه زار في العام 1927 مقام خطيب الأنبياء سيّدنا شعيب علية السّلام برفقة عدد من المشايخ وهم المشايخ أبو حسيب أسعد الصايغ من معصريتي، وأبو علي محمد عامر من بعقلين وأبو محمد حسن وأخوه أبو علي إسماعيل زين الدّين وأبو محمد نجيب حمزة من الخريبة، وأبو يوسف سلامة غانم من الورهانيّة، وأبو يوسف أمين فيّاض من بلدة بشفتين، وأبو محمد نعيم حلاوي من الباروك وقد استغرق طريقهم في ذلك الحين حتّى وصولهم إلى مقام سيّدنا شعيب خمسة أيّام، مرّوا فيها على خلوة القطالب الّتي تقع في بلدة بعذران الشّوفيّة ثمّ انطلقوا نحو الجنوب إلى خلوات البيّاضة في حاصبيا وبعدها واصلوا الطّريق إلى بنت جبيل ومنها إلى قرية يركا الجليليّة، ومن هناك إلى مقام سيّدنا شعيب عليه السّلام. وقد تكرّرت هذه الزّيارات للمقام الشّريف عبر التّاريخ كما هو معلوم مرارًا.
لقد كان إصرار مشايخنا الأفاضل آنذاك على القيام بهذه الزّيارات المباركة تعبيرًا صادقًا عن التّعلّق بالرّوحانيّة والتّمسّك بجوهر الرّسالة النّبويّة، فبرغم طول الطّرق وعسرة السّفر ووعورة التّضاريس، لم يثنِهم شيء عن بلوغ مقام سيّدنا شعيب الشّريف، مؤكِّدين أنّ المشقّة ليست عائقًا أمام السّعي إلى البركة والسّكينة الرّوحيّة. وكان صبرهم وثباتهم في الطّريق شاهدًا على إيمانهم العميق بأنّ زيارة مقام سيّدنا شعيب عليه السّلام، والاستمداد من أنواره، هي وسيلة لتجديد العزيمة، وتعزيز وحدة الصّفّ، وإشاعة روح الألفة والمحبة بين أبناء الطّائفة في كلّ مكان. لقد جسّد هؤلاء المشايخ في رحلاتهم نموذجًا حيًّا للإصرار والتّفاني في طلب الخير، مبيّنين أنّ الطّريق إلى الرّوحانيّة قد يكون شاقًّا، لكنّه محفوف بالبركات لمن صبر وثبت على الهدف السّامي.
وممّا لا شكّ فيه فإنّ استحضار هذه الزّيارات التّاريخية، بما فيها من مشقّة وتعب، يُعيد إلى الأذهان صورة الإصرار والعزيمة الّتي تحلّى بها أسلافنا، ويمنح الأجيال الحاليّة درسًا في قيمة السّعي والثّبات على المبادئ، مهما كانت الظّروف صعبة. فقد كانت تلك المسيرات بمثابة مدارس تربويّة حيّة، يتعلّم فيها المشاركون الصبر، والتّواضع، وروح الجماعة، والاعتماد على الله في كلّ خطوة. وفي مواسم الخير الّتي تتنزّل فيها الرّحمات، وتُستعاد فيها القيم العليا الّتي قامت عليها مسيرة الأنبياء والصّالحين، تقف الطّائفة الدّرزيّة ومشايخنا الأفاضل وقفة إجلالٍ وخشوع في رحاب هذه الزّيارة المباركة لمقام نبيّ الله سيّدنا شعيب عليه السّلام، حيث يستلهم الجميع من ذكراه العطرة معاني الثّبات على الحقّ، والتّمسّك بمنهج الهداية، والاقتداء بسيرة نبيٍ عظيم جعله الله شاهدًا على قومه، وداعيًا إلى العدل والإحسان، وناهيًا عن الظّلم والبغي والفساد.
إنّ هذه المناسبة الجليلة ليست مجرّد محطّة زمنيّة عابرة، بل هي نفحة إيمانيّة روحانيّة متجدّدة، تتجلّى فيها وحدة الرّوح والعقيدة، وتتعمّق فيها أواصر الانتماء إلى نهجٍ قويم، خطّه الأنبياء بدموع الصّبر، وثبّتوه بكلمة الحقّ في وجه الباطل. وسيّدنا شعيب عليه السّلام، الّذي عُرف بخطيب الأنبياء، لم يكن مجرّد واعظٍ لقومه، بل كان مدرسةً متكاملة في الدّعوة بالحكمة، ونموذجًا خالدًا في الجمع بين قوة الحجة ولين الخطاب، فخاطب العقول والقلوب، وسعى إلى إصلاح المجتمع من جذوره، داعيًا إلى الوفاء بالكيل والميزان، وإلى اجتناب الفساد في الأرض، وإلى إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل.
ومن هنا، فإنّ اعتزاز الطّائفة الدّرزيّة بهذا المقام الشّريف إنّما هو اعتزازٌ بالقيم الّتي يمثّلها، وبالرّسالة الّتي يحملها، وبالإرث الرّوحيّ الّذي يشكّل أحد أعمدة هويّتها التّاريخيّة والدّينيّة. لقد ظلّ هذا المقام، على مرّ السّنين، قبلةً للزّائرين، ومنارةً للمتعبّدين، ومهوى أفئدة المؤمنين الّذين يجدون فيه السّكينة والطّمأنينة، ويستمدّون منه العزيمة لمواصلة السّير في درب الإيمان.
لقد مرّت الطّائفة الدّرزيّة، عبر تاريخها الطّويل، بمحطّاتٍ صعبة وتحديّات جسام، لكنّها في كلّ مرّة كانت تنهض من جديد، متسلّحةً بإيمانها، ومتّحدةً حول قياداتها الدّينيّة والدّنيويّة الحكيمة، الّتي أدركت بوعيٍ عميق طبيعة المرحلة، فقادتها إلى برّ الأمان. وليس ذلك إلّا شاهدًا حيًّا على ما تمتلكه الطّائفة من رصيدٍ روحيّ وثقافيّ، ومن قدرةٍ على التّكيّف مع المتغيّرات دون التّفريط بِثَوابِتها. وهنا وفي ظلّ المخاطر الّتي تحدِّق بأبناء طائفتنا في منطقة السّويداء في سوريا وأماكن أخرى لا بدّ لنا من الإشادة مرّة أخرى بموقف وعمل ونشاطات وتبرّعات أبناء عشيرتنا المعروفيّة في البلاد وفي مقدّمتهم سماحة الشّيخ أبو حسن موفّق طريف وآخرون وهم والحمد لله كثر، لما بذلوه ويبذلونه في سبيل صون وحفظ إخواننا وإحقاق الحقّ وعدم التّنازل قيد أنملة عن مصالح وما هو خير لأبناء طائفتنا أينما وُجدوا.
إنّ المرحلة الرّاهنة، بما تحمله من تحدّيّات، قد تفتح أيضًا آفاقًا لفرصٍ جديدة، إذا ما أُحسن استثمارها، من خلال تعزيز وحدة الصّفّ، ومن هنا، فإنّ وحدة الكلمة وتكامل الجهود بين مختلف القيادات والفعّاليّات، يشكّلان حجر الأساس لأيّ نهضةٍ حقيقيّة، ويعبّران عن وعيٍ جماعيّ يُدرك أنّ التّحدّيّات الكبرى لا تُواجَه إلا بروح الجماعة، وبالعمل المشترَك الّذي يضع مصلحة الطّائفة والمجتمع فوق كلّ اعتبار.
في الختام، لا يسعنا إلّا أن نرفع أكفّ الضّراعة إلى الله العليّ القدير، أن يجعل هذه الأيّام المباركة بابًا للخير والرّحمة، وأن يُعيد هذه المناسبة على الجميع وقد عمّ الأمن والسّلام، وزالت الغمّة، وتحقّقت الآمال. كما نسأله تعالى أن يثبّتنا على درب الحقّ، وأن يلهمنا الصبر والحكمة، وأن يجعلنا من السّائرين على نهج الأنبياء، العاملين بتعاليمهم، السّاعين إلى نشر الخير والمحبّة بين النّاس. إنّ زيارة مقام سيّدنا شعيب عليه السّلام ستبقى، ما بقي الإيمان في القلوب، رمزًا حيًّا للوحدة واليقين، ومنارةً تهدي الأجيال إلى سواء السّبيل، وتذكيرًا دائمًا بأنّ طريق الحقّ، وإن كان شاقًّا، فهو الطّريق الّذي يُفضي إلى رضى الله، وإلى سعادة الدّنيا والآخرة. v
زيارة مقبولة والله ولي التّوفيق..
أسرة “العمامة” | دالية الكرمل | نيسان 2026