
جاء في كلمة العدد 153 من مجلة “العِمامة” لمؤسّس ومحرّر المجلة المرحوم الشّيخ سميح ناطور: “لقد تربّينا خلال مئات السّنين، على المقولة الشّعبيّة الدّرزيّة: “نيّال مَن له في السّويداء خرابة”، فقد نظر جميع الدّروز، في أيّ مكان في العالم، إلى مدينة السّويداء الّتي تمثّل الجبل الأشمّ ودروز سوريا في باقي المحافظات السّوريّة، كما ينظر المسيحيّون إلى الفاتيكان، والمسلمون إلى مكّة المكرّمة، واليهود إلى أورشليم، وكما ينظر صفوة العلماء إلى قاعدة إطلاق صواريخ الفضاء في فلوريدا، وإلى مقرّ جائزة نوبل في ستوكهولم، وإلى كلّ مصادر القداسة، والقيادة، والطّهارة، والنّبل، والشّرف، والعزّة، والكرامة، والعطاء، والمجد، والسُّؤدد، والفخر، والتّقدم، والتّألّق، والبراعة، والمهنيّة وكلّ الفضائل الإنسانيّة”.
ولم يكن من قبيل الصّدفة أن يشبّهها الرّاحل الشّيخ سميح ناطور في حينه، بكلّ فخر، بالفاتيكان للمسيحيين، ومكّة للمسلمين، وأورشليم لليهود. بل تخطّى التّشبيه إلى أنْ جعلها تضاهي مراكز التّقدّم الإنسانيّ في العالم، مثل قاعدة إطلاق الصّواريخ في فلوريدا، ومقرّ جائزة نوبل في ستوكهولم. فهو، كما كلّ الآخرين من أبناء الطائفة المعروفيّة الغرّاء، يرى أنّ السّويداء تختزن في ترابها معاني الطّهارة والعِلم والمجد والعطاء والفخر والنّبالة وهي موطن الفضائل الإنسانيّة كلهّا ووعد بالاستمرار وصوت للتّاريخ ومرجعيّة أخلاقيّة وثقافيّة. حتّى إنْ كانت “خرابة”، فهي تكفي كي يشعر الإنسان أنّه منتمٍ إلى شيء أكبر من ذاته، إلى جذور ضاربة في الأرض والتّاريخ، بوصلة المعنى وحصن الثّوابت وراية الشّرف المرفوعة في ذاكرة الأمّة الدّرزيّة.
وليفهم القاصي والدّاني أنّ السّويداء حيث تسكن الرّموز وتنبض الجذور هي في قلب مشاعر الدّروز في العالم أجمع، وأن مقولة: “نيّال مَن له في السّويداء خرابة” ليست مجرّد مقولة شعبيّة، بل إعلان انتماء يفيض بالعزّة والحنين، واعتراف صريح بأنّ لهذه المدينة رمزيّة تتجاوز الجغرافيا، وهي مرآة للكرامة، وراية للهويّة، ومنبع للرّوح.
إنّ ما شهدناه ونشهده في الفترة الأخيرة في منطقة السّويداء والجبل من اعتداءات وجرائم بربريّة وحشيّة سافرة يندى لها الجبين، من قِبل نظام داعشيّ وأعوانه يحتِّم ردًّا حاسمًا لا هوادة فيه من قِبل كلّ صاحب ضمير حيّ في كافةّ أرجاء المعمورة، وليس فقط من قِبل أبناء الطّائفة المعروفيّة الشّامخة الغرّاء فقط، الّتي حتمًا تعرف وستعرف كيفيّة التّعامل بحزم مع ما آلت إليه الأمور بهمّة وقدرة وحكمة شيوخها وقاداتها ورجالاتها وأبنائها وبناتها.
وفي هذا السّياق لا بدّ لنا من كلمة ثناء وعرفان وشكر وتقدير لكلّ الدّول والجهات والأطراف والأشخاص الّذين وقفوا مع الحقّ ومع الإنسانيّة ضد الطّغيان والمجازر والأعمال البشعة الّتي ارتُكبت في منطقة الجبل والسّويداء ومدّوا لسّكّان هذه المنطقة يد العون وعلى رأسهم سماحة الشّيخ أبو حسن موفق طريف الرّئيس الروّحي للطّائفة الدّرزيّة في إسرائيل، الّذي لم يغمض له جفن وبقي طول الفترة الأخيرة العين السّاهرة والقلب النّابض لصون مصالح وحماية دروز الجبل والسّويداء، وقد عرف سماحته كيف يخرج إلى العلن حين يحتاج الصّوت الدّرزيّ إلى سندٍ دوليّ، ويعود إلى الدّاخل حين تشعر الجماعة بالحاجة إلى لمّ الشّمل وجمع المساعدات وتقوية اللّحمة وحفظ الاخوان والتّعاضد، حيث لم يكن حضور فضيلته في ميدان العطاء محصورًا بالقول أو الموقف، بل كان ولا زال دائم المبادرة في نُصرة أهل الجبل، ومساندة السّويداء في ساعات الشّدة، مؤمنًا بأنّ الوقوف إلى جانب الأهل واجب لا تفضُّل، وامتداد طبيعيّ لرسالة صادقة.
وممّا لا شكّ فيه فأنّ هذه التّطورات تعود لتذكرّنا أنّ السّويداء كانت على مرّ العصور وما زالت مدرسة الحرّيّة، فعندما ضاقت الأرضُ بما رحبت، اختار أهلُ التّوحيد الجبلَ لا هربًا من التّاريخ بل ارتفاعًا عليه. ففي القمم يتعلّم المرء أنّ العلوَّ ليس كبرياء، بل بُعد نظر. فهناك أُطفئت حرائق الطّغيان أكثرَ من مرّة، وهناك فهم النّاسُ أن السّيف آخر الكلام، وأنّ ما يسبقه محراث يُعمّر، وعقل يُبصّر. لذلك ما دخل الدروز حربًا إلّا دفاعًا لغاصبٍ، ولا خرجوا منها إلّا بأقلّ الكلام وأكثر الوقار فالبطولةُ في السّرديات السّهلة صخب وصور، أمّا في ذاكرة الجبل والسّويداء فهي سلوك منضبط: شيخ يسدّ فوّهة المدفع بعمامتِه لا ليستدرَّ التّصفيق، بل ليمنعَ دمًا معصومًا؛ وأمّ تودّع أبناءَها الخمسة ويمكث وجهُها أبيض كالنّقاب. من فخر الدّين إلى سلطان باشا، ومن وهاد لبنان إلى حِرار حوران، ظلّت المعادلة واحدة، نُدافع عن البيت لأنّ البيت فكرة، وعن الأرض لأنّها مرآة العهد.
ونحن اليوم نقول، استنباطًا من مقولة “إنّ التاريخ يعيد نفسه”، إنّ انطلاق وصمود السّويداء النّبيل في راهنها، لم يكن فعلَ رفضٍ وغضبٍ فحسب، بل تعبيرًا عن وعيٍ توحيديٍّ عميق: ألا تُذِلّ النفسُ حرًّا، وألا تُقدَّم الكرامةُ قربانًا على مذابح الطّغيان. هناك، في شوارع العزّة، ومضافات الصّبر، ومداخل البيوت الحرّة الصّامدة، يقف شبابٌ وشيوخٌ، نساءٌ وأطفال، يردّون على القهر بصمتِ الكبرياء، وعلى الجوع بكبرياء الشّبعان نفسًا، وإن خلا بيته من الخبز. إنّ بطولات أهل السّويداء والجبل ليست استعراضًا، بل استمرارًا لمعادلة الجبل القديمة، كما أسلفنا، الّتي حتّمت الدّفاع عن البيت مهما كلّف الأمر من تضحياتٍ وأثمان، ومن منطلق إيمانٍ توحيديٍّ راسخ.
وفي السّويداء ولدى أبناء وبنات طائفتنا في كلّ مكان، تتجلّى اليوم هذه الفكرة أكثر من أيّ وقت مضى. ليس لأنّ النّاس انتفضوا فقط، بل لأنّهم عرفوا متى وكيف ولماذا. لم ينجرّوا إلى هاوية الطّائفيّة، ولم يخلطوا بين الغضب المشروع وغواية الفوضى. رؤوسهم مرفوعة، لكن قلوبهم خافضة لله، صوتهم قوي، لكنّ أياديهم أنظف من أن تُلوّث بدمٍ معصوم وبدون حقّ كما يفعل الآخرون.
فسلامٌ على جبلٍ يعلو دون أن يتكبّر، ويشمخ دون أن يطغى، وعلى مدينةٍ راسخةٍ بعزّتها، سامقةٍ بوقارها، لا تنحني إلا لله جلّ جلاله، ولا تلوذُ إلا بالحقّ. وسلامٌ على قوم، إذا اصطفّ النّاس خلف السّلاح، اصطفّوا خلف الإيمان، وإذا اختبأ الخائفون وراء النّظام والجدران، واجهوا هم بالمروءة والضّمير، وبثباتٍ لا يعرف انكسارًا، وبأخلاقٍ تُسكِت الضّجيج وتُعلّي المقام.. v
والله ولي التّوفيق..
أسرة “العمامة” | دالية الكرمل | أيلول 2025