
هو توثيق لموقف أصحاب العمائم الشّريفة وعائلاتهم في إغاثة الملهوف، إيوائه واحتضانه في مرحلة دقيقة من تاريخنا في أحداث الحرب عام 1948.
لقد قامت معظم قرانا بخطوات مماثلة برزت منها قرية يركا باحتضانها الآلاف من قرى الشّاغور والجوار، وكان للبقيعة، حرفيش ودالية الكرمل مواقف مماثلة.
“إلى أيّام الخير والبركة.. إلى القامات الّتي ملأت الدّنيا مروءة وكرمًا.. إلى الهامات الّتي ترجمت معاني الإنسانيّة وإغاثة الملهوف.. إلى طاقات هائلة – رغم الظُّروف- استطاعت أن تقتسم لقمة عيشها المتواضعة وسكنها البسيط. إلى رجالات المواقف في بيت جن، الّذين سطّروا كتاب مجدٍ نفخر به ليزهو به التّاريخ.. نهدي عملنا هذا”. نهدف من هذا التّوثيق الإضاءة على موقف توحيديّ مُشرّف، لم يأتِ من فراغ وإنّما من جيرة حسنة مع قرى الجيرة في الزّراعة، التّجارة ومساعدة الأهالي في ذهابهم وإيابهم من مزرعة الخيط، أو سوق صفد، والعلاقة مع أهالي حطّين بحكم الجيرة مع مقام نبيّنا شعيب عليه السّلام.
هنا اتّضحت وبرزت عمليًّا وليس نظريًّا العادات العربيّة الأصيلة في الوفاء والمساعدة بعبارات متواضعة وليدة الواقع: ” إللّي بيصير علينا بيصير عليكو”، صَدْر البيت إلكو والعتبة إلنا”.. في هذه الفترة الحرجة وُلد مَن وُلد في بيت جن فكانت مسقط رأسه وتوفّى الله مَن جاء أجلهم ونهاية مشوارهم في الحياة.
استمرّت جولات التوّثيق ما بين بيت جن والقرى الّتي استقبلنا أهلوها بابتسامة واستضافونا برحابة صدر وجلسة لا تخلو من دمعة وذكرى حزينة.
في هاتيْن السنتَيْن توفّى الله ثلاثة عشر مرحومًا ومرحومة من الّذين أفضلوا علينا بآخر المعلومات ربّما قبل الغياب الأخير.
في نهاية الكتاب رأينا من الواجب أن نذكر بعض ما دوّنه كُتّابنا من نصوص لاءمت المرحلة وعبّرت عنها، منها على سبيل المثال ما ورد في مجلّة “العمامة”: “واستوعبت القرى الدّرزيّة في الجليل والكرمل أضعاف سكّانها من اللّاجئين ومنعت تهجيرهم بنفوذها، وأهمّ من ذلك حافظوا على المرأة عندهم وعنجد الآخرين “. (“العمامة” – 9.1.2020)
** “وكان للشّيخَيْن الجليلَيْن الجليليَين أبو مالك حسين صلالحة وأبو شفيق عبدا لله أبو عبسة فضل كبير في بقائه وعائلته في موطنهم، وعليهم للشّيخَين دين لن ينسوه أبد الدّهر، ولبيت جن مكان خاصّ ودافئ في كلّ قلب نابض وخافق من قلوب الآباء والأبناء. (د. خالد تركي، يوميّات برهوم البلشفي).
** د. رياض زريق – عيلبون: مرّت عائلته والعديد من العائلات في بيت جن في طريق اللّجوء إلى لبنان، توقّفوا في بيت جن وقام المرحوم الشّيخ أبو سعيد خطّار حمّود والمرحوم الشّيخ أبو سعيد فرحان حمود باستضافتهم وقد كانت والدة د. رياض حاملًا به، وفي طريق عودتهم وفي محطّة الضّيافة والاستراحة كان د. رياض – الّذي ولد في لبنان – ابن عدّة أشهر.
** المرحومة الحاجّة أمّ منيب ريّة قدّاح – مجد الكروم: ” تمّ الرّأي أن نتوجّه لبيت جن، عند دار عمي أبو علي صالح صلالحة يرحم ترابُه وعمتي زليخة الله يرحمها، رحّبوا بنا وقاموا بالواجب خير قيام، رغم تهديد الجيش في هدم الدّار الّتي تؤوي لاجئين، إلّا أنّ العم أبو علي قال: ما تردّوش عا حدا، اللّي بيصير علينا بيصير عليكو، وأمّ منيب منلبّسها فوطة!!
المهمّ في الموضوع، بعد ما تركنا بيت جن، رجعنا مرّة ثانية من لبنان واستضافونا مرّة ثانية برحابة صدر: البيت بيتكو، شرّفوا أقعدوا”!
** في حادثة مميزّة جرت مع القاضي صائب دبور حين كان يعمل محاميًا في النّاصرة وتعطّلت سيّارته، وعندما استقلّ سيارة أجرة في طريقه إلى البيت، كان الحديث العادي مع سائق سيارة الأجرة وهو حنّا سرور من عيلبون في سيرة الأهالي، وقصّ له سيرة استضافة المرحوم الشّيخ أبو كامل محمود دبور لعائلة سرور، فعادت الذّكرى وتجدّدت الصّداقة.
هذا غيض من فيض ممّا جاء في الكتاب.. نتمنّى أن يطّلع عليه النّاس ليعرفوا مدى الوفاء والمحبّة، والنّخوة، والنّجدة وقت الضّيق والمصيبة.. الامر الّذي بتنا نفقده هذه الأيّام.
