الغيمةُ لا تختارُ الْأرضَ الّتي ستمطرُ فوقها، ولا تفكّرُ بكميّة المياه الّتي ستهبها لنا… ما نعلمه عنها أنّه كلّما اسودّ لونُها؛ كثرَ عطاؤُها… تعلّم من الغيمة أن تفعل الخير لوجه الله! فإن لم تجزَ من العبد؛ سيجزيك الله به خيرا، ويسجّل صنيعك هذا في ميزان حسناتك، وقد يردّ الله عنك شرّا بهذا العطاء…!
فكن كريما معطاء، وتمنَّى الخير والبركة للجميع وكن كما قال الشّاعر جرير: “فلا نزلت عليّ ولا بأرض سحائِبُ ليس تنتظمُ البلادا”
ولا تكن نرجسيّا وأنانيّا وبخيلا، كما قال أبو فراس الحمداني في قصيدته (أراك عصيّ الدّمع…): …. إذا مِتُّ ظمآنا، فلا نزل القّطرُ …
قولبة النّاس
لقد تعوّد مجتمعنا على وضع النّاس في قوالب وخانات مختلفة وعديدة، واعتاد على تسميتهم بأسماء وفق هذه القوالب الاجتماعيّة فنقول: هذا كريم وهذا بخيل، هذا متعجرف وهذا متواضع، ذاك وقح وذاك لطيف، ذاك نظيف وذاك قذر، هذا معقّد وهذا قوي الشّخصية …. وما إلى ذلك من صفات ملموسة لا تعدّ ولا تحصى.
إنّ هذا الأمر غير عادل، وفيه الكثير من القسوة. فحين نحكم على شكل الإنسان الخارجيّ من خلال ما نراه بالعين ونسمعه بالأذن، وقبل أن نتعرّف على أعماق شخصيّته، قد نشوّه الحقيقة الّتي لا نعرفها عنه.
فلو كنّا عادلين، لأدركنا أنّ الّذين يمتلكون شخصيّة متوازنة، ويتمتّعون بصفات إيجابيّة، قد نشأوا على الغالب في بيوت اعتنت بهم، واهتمّت باحتياجاتهم، وعملت على تطويرهم ليصلوا على ما هم عليه.
لكن-وللأسف -ليس كلّ من ترعرع في كنف أبويْن يحظى بحياة ناجحة، ويتمتّع بشخصيّة سليمة وقويمة! فهناك من نشأ بين والديْن جاهليْن، أو نرجسيّين، أو محبطيْن، أو في حالة خصام مستديم، أو منفصلين، فلم يعطيانه الأمان ولم يوفّرا له الحماية الكافية، كما لم يوفّرا له أدوات تؤهّله لمواجهة الحياة؛ وبالتّالي لم ينجحا في جعله طفلًا واعيًا واستقلاليًّا، فيترعرع مع خلل في التّنشئة، وفي الشّخصيّة أيضًا…!
لهذا لا يحقّ لنا محاسبة من جار عليه الزّمان، وإدخاله في متاهة العجز والهوان من خلال إلباسه قالبًا من صُنعنا …! من منّا لا يرغب في أن يكون النّسخة الأفضل والأحسن بين النّاس جميعًا؟!… لكن أحيانا تجري الرّياح بعكس إرادة السّفن…فيقع الإنسان في مطبّات تجعله عاجزًا عن لملمة نفسه، وعاجزًا عن مقاومة الحياة، وعاجزًا عن إنشاء علاقات سويّة مع غيره…
فما نحن عليه، ما هو إلّا نتاج بيت وأسرة ترعرعنا فيها، ونشأنا حسب قيمها ومعاييرها…! لهذا لا يملك أحد الحقّ في ازدراء الآخر، وبخس ما اكتسبه من ثقافة بيتيّة، لأنّه لم يصنع نفسه…
الإنسان الحاوي، يستطيع أن يتعامل مع كلّ أنواع البشر بتفهّم من خلال وعيه وإدراكه أنّ لكلّ إنسان ظروفه، ولكلّ شخص عقده وإحباطاته ومشاكله الخاصّة. عندما ندرك ذلك، نكفّ عن تقييم البشر، وتصنيفهم حسب القوالب والمعايير الّتي أوجدناها لهم.
ولو بدانا بتقشير الإنسان، لوجدناه مختلفًا تمامًا عن الصّورة الّتي صوّرناه بها. فما هو عليه، هو تلك الطّبقات الّتي غلّفت شخصيّته خلال التّجارب الحياتيّة مع الآخرين، فأصبح إنسانًا آخر غير الّذي تمنّى أن يكون عليه في يوم من الأيّام…!
طاقة المال والوفرة
إنّ طاقة المال طاقة سيولة وانسياب، إذا أخرجتها لمحتاج؛ تحصل على المزيد منها، وتكثر بين بيديك؛ وإذا حرصت عليها وحفظتها وبخلت، لا بدّ من شحّ مواردها، وبالتّالي سيتوقّف سيلها وقد تزول…! فلا بركة في مال محفوظ عن مستحقّه…
وطاقة المال هبة خاصّة، لا يشعر بها كلّ أحد؛ بل يشعر بها من يمتلك شعور الوفرة والشّكر والحمد والامتنان… وللامتنان قوّة رهيبة لا يعرفها غير مُجرِّبها.
والكريم في المال، لا بدّ أن يكون كريمًا في مشاعره ومحبّته وعطفه؛ أمّا البخيل فيكون بخيلًا في مشاعره وفي محبّته أيضًا، وقد تنعدم الإنسانيّة منه…!
كانت والدتي المرحومة (إم يوسف) تقول دائمًا: “الكريم حبيب الله، والبخيل عدوّ الله”…
لا تزكِّ رياء من أجل الجاه، ولا تبخلْ بما أنعم اللهُ عليك، فكلّ ما سيخرج من جيبك، سيعود إليها مضاعفًا، وقد تكون هذه التّزكية فداء لردّ مكروه قد يحدث لك أو لقريب منك…!
والوفرة شعور لا يحظى به الجاحد! بل الشّاكر الحامد لله: “لئن شكرتم، لأزيدنّكم”…هذا ما وعدنا الله به…! وعد أن يغدق علينا خيراته سيلًا من الأنعام: زيادة في الرّزق، زيادة في البركة والصّحّة، وزيادة في الرّاحة والطّمأنينة… والشّكر ليس مجرّد كلمة، بل هو شعور في القلب واعتراف بالنّعمة، واستخدامها في الخير. فكلّما شكر الإنسان؛ فُتِحت له أبواب جديدة من الخير من حيث لا يحتسب.
للحمد والشّكر طاقة عظيمة في تدفّق المال بين يديْك، فلا تتردّد في الصّدقة على المحتاج، وإخراج الزّكاة لوجه الله.
ما ينقصك من الآخرين؛ هبه لهم!
الأشياء التي تنقصك من الآخرين، هي نفسها الأشياء الّتي عليك أن تهبها لهم! وإلّا ستبقى في حالة انتظار ليحدث ما تنتظره، وقد لا يحدث بتاتًا…!
إذا كان ينقصك الحبّ، أحبّهم أنت بما تستطيع، وفق حاجتهم له. فمنهم من يحبّ الهديّة، ومنهم من يحبّ الكلمة الحلوة، ومنهم من يحبّ التّعاطف واللّمسة الحنونة، ومنهم من يشتهي مرافقتك في رحلة، ومنهم من ينتظر منك مبادرة في لقاء لتحتسيا فنجان قهوة، ومنهم من يتمنّى أن تزوره في بيته، ومنهم من يتمنّى أن تقف معه في محنته. ومنهم من لا يحبّ أيّ شيء من هذا؛ بل يفضّل إعطاءه المساحة والحرّيّة الكافية حتّى يشعر بمحبّتك له.
ثمّ إذا كان ينقصك منهم الاحترام، قدّمه أنت لهم. تواضع لهم، احترم قناعاتهم وقراراتهم وميولهم، قدّر أعمالهم واثنِ على مجهودهم، لأنّ هذه هي امكانيّاتهم الوحيدة في الحياة. شجّعهم، وخذ بيدهم، واحرص على أن يكون حديثك معهم لطيفًا ودودًا بعيدًا عن الصّراخ! استمع لاقتراحاتهم، ولا تهزأ بها! فإذا فعلت معهم ذلك؛ سيردّونه لك مضاعَفًا.
من الآن، توقّف عن طلب أيّ شيء من أحد! بادر أنت بالعطاء، وستعرف معنى السّعادةِ الحقيقيّة والعظيمة!