كان ذلك في أشدّ ليالي الصّيف، وأواخر شهر تمّوز الحارّ ،خاصّة في قرى جبل الدّروز، المتاخمة للصّحراء، حيث تشتدّ درجة الحرارة في النّهار، ويظلّ الجوّ حارّا حتّى بعد غياب الشّمس لكنّ السّكّان تعوّدوا وتعلّموا كيف يلائمون أنفسهم لتقلبّات الطّقس، لذلك بذلت أم محفوظ بعض الجهد في تهدئة أحفادها الأربعة، حيث جلست إلى جانبهم تحكي لهم القصص والرّوايات، وتجيب على أسئلتهم وتقضي حاجاتهم، فمنهم من طلب عروس في لبنة، ومنهم من طلب أن يشرب الشاي، ومنهم من طلب حكاية، وهي متعوّدة على ذلك تغمرهم بالحبّ والحنان والرعاية والاهتمام، فابنها في سفر يبحث عن لقمة العيش ليطعم أولاده الأربعة، وأمّه ابنة الاثنتين وسبعين سنة، بعد رحيل أمّهم حيث فقدوا كلّ عطف الأمومة واهتمامها، لكنّ جدّتهم حاولت أن تعوّضهم وهي السّيّدة الفلاّحة المجرّبة الّتي كان لها شأن كبير في كلّ ما طرأ على الجبل من تطوّرات فشهدت الصّراعات السّياسيّة في عهد الشيشكلي وعانت من بعض مطاردات البدو في المنطقة ووقفت مع باقي النّساء في الأزمات والمحن الّتي مرّت بسوريا في هذه الفترة وقد تُوفي زوجها وأصبحت سيّدة البيت وقامت بتربية أولادها وجعلتهم رجالًا صامدين أمام أعباء الحياة بنوا لهم بيوتًا وأقاموا عائلات وكانوا من خيرة الشّباب والمواطنين. والسّيّدة أم محفوظ قويّة البنية، أكسبتها الأيّام شجاعة وبُعد نظر ودقّة تفكير وقدرة على التّكيّف مع الواقع، وحسن استعمال الأدوات الكهربائيّة في بيتها، وخبرة في حوادث الزّمن فعدّة مرّات سمعت النّفير حيث كانت تهبّ صيحات في القرية تدعو النّاس للحماية ولصدّ هجوم من قِبل بدو المنطقة للسّلب والنّهب والاعتداء والقتل أحياناً. وكم خرجت مع زوجها تحمل فأساً أو طورية لكي تكون جاهزة ومؤهّلة لصدّ أيّ هجوم والقضاء على كلّ معتدٍ وكانت تحدّث أحفادها بما جرى لها وبما سمعته من قصص في المجتمع وكان أحفادها يشعرون بالطّمأنينة والأمان ويباغتهم النّمو على وقع سماع القصص والتّرانيم والأدعية والصّلوات وكانت تذكر أمامهم الأنبياء والأولياء الصّالحين وللمعاجز الّتي يستنير بها المجتمع الدّينيّ فيطمئن الأحفاد أنّهم في حماية ورعاية، ويستسلمون للنّوم. وبعد كلّ ذلك كانت أم محفوظ تقوم بترتيب بعض
الشّؤون في البيت وإعداد متطلّبات الصّباح ثمّ تلجأ إلى مخدعها بجانب الأحفاد وهي تتلو الصّلوات الدّينيّة كامرأة متديّنة تعرف كلّ ما لها وما عليها مؤمنة بالله ومعتمدة كلّيًّا عليه وواثقة من نفسها وتعلم أنّها صاحبة بأس وقدرة عند الملمّات. وكانت هي تغفو وغالبا في وسط الرُّقيات والتّسبيحات والأدعية الّتي كانت تتلوها بينها وبين نفسها وتتثاءب حتّى يغلبها النّعاس وتنام.
ولم يكن في ليل الخامس والعشرين من شهر تمّوز عام 2018 أيّ شيء غريب فقامت أم محفوظ كعادتها بكل الأمور المذكورة واستسلمت للنّوم لكنّها أفاقت فجأة عند حوالي السّاعة الرّابعة حيث لاحظت انقطاع التّيّار الكهربائيّ في البيت وكان الظّلام حالكاً لكن هذا كان أمرًا عاديًّا يحدث باستمرار بسبب الحرب الأهليّة الدّائرة في البلاد الّتي تؤثِّر تزويد محطّات توليد الكهرباء بالوقود. وحاولت أن تنام لكنّها وبحدسها وبشعورها المرهف شعرت بحركة غريبة بصدور بعض الأصوات غير المألوفة فصحت وجلست وتأهّبت لكلّ طارئ فقد تعوّدت في السّابق أن يغزو القرية لصوص ومعتدون للسّلب والنهّب وانتبهت أن ابنها ترك بندقيّته في الخزانة فكأنّ هاجس داخليّ دفعها أن تتحسّس طريقها إلى الخزانة وأن تمسك بالبندقيّة وكانت قد تمرّنت عليها وأن تكون جاهزة لكلّ حدث. وخلال دقائق زاد الضّجيج وتعالت أصوات في القرية لطلقات ناريّة وصياح وضوضاء، ففهمت أنّ هناك خطر وعليها أن تكون بكامل قواها وأن تفعل ما يتطلّبه الواجب، فجلست كما قلنا حيث كان البيت مظلمًا أمام المدخل وهي على أهبة الاستعداد لمواجهة أيّ حدث وخلال دقائق شعرت أن أحدًا دفع الباب برجليْه وفهمت أن صديقًا أو قريبًا أو جارًا أو إنسانًا عاديًّا لا يتصرّف بهذا التّصرّف بفظاظة في السّاعة الرّابعة من الصباح إلاّ إذا كانت نواياه عدائيّة ولكونها بالظّلمة شهدت خيالًا في الباب فأطلقت النّار ووقع هذا الخيال ثمّ رأت خيالاً آخر يتقدّم فأطلقت النّار عليه وسقط كذلك هذا الخيال وعندها سمعت غيرهم يقول: أترك يوجد هنا جنود فتركوا. ظلّت أم محفوظ متسمّرة في مكانها لا تتحرّك تأهّبًا لصدّ أيّ هجوم آخر. وفي هذه الأثناء ازدادت الجلبة والضّوضاء وتعالت الأصوات في القرية وأيقنت أن مجزرة رهيبة تحدث بين البيوت وقد صحا الأولاد فطلبت منهم أن يظلّوا في مخادعهم ولا يتحرّكوا ولا يبكوا ولا يصدروا أصواتًا تلفت النّظر إليهم وأن يطمئنوا أنّها تحميهم. ومرّ الوقت وانبلجت أشعّة الشّمس ولم يأتِ أحد إلى الدّار وشاهدت بعد أن توضّحت الصّورة أن عنصريْن من المهاجمين مقتولين في المدخل نتيجة رصاصاتها. وعندما جاء الجيران والأهل والأقارب إلى البيت علمت منهم أن عناصر داعش هاجمت القرية وبعض القرى المجاورة وقتلت ثلاثمائة شخص بينهم النّساء والأطفال والشّيوخ والشّباب. واستنتجت أن عناصر داعش هاجمت بيتها مثلما هاجمت البيوت الأخرى لكنّها فهمت أن الله سبحانه وتعالى ألهمها أن تقوم وأن تأخذ البندقيّة وأن تستعدّ لكلّ حدث فقامت بواجبها وبما أملاه عليها ضميرها وموقعها كجدّة مسئولة عن أربعة أطفال فأوحى لها الله سبحانه وتعالى أن تطلق النّار وأن تصدّ الهجوم على بيتها وأن تحمي أحفادها ونفسها حيث كُتبت لهم الحياة وإلّا لكانوا في عداد القتلى أو المخطوفين. وعندما اطمأنت أم محفوظ أن عناصر داعش طُردت أو هُزمت أو قُتلت وأنها في أيدٍ أمينة حيث جاء أبناء إخوتها وأقاربها فهمت أن دورها انتهى فحمدت الله على سلامة أحفادها وبيتها وأُغمي عليها…