السّويداء بين ذاكرة المجازر وأمل العدالة

في فترة مفصليّة من تاريخ السويداء، وبعد أن امتزج الألم بالصمود، أصدرت لجنة التّحقيق الدّوليّة المستقلّة بشأن سوريا التّابعة للأمم المتّحدة، تقريرًا تناول ما وصفته بالمجازر، وأعمال العنف الوحشيّة والانتهاكات الجسيمة، الّتي شهدتها محافظة السّويداء خلال شهر تموز/يوليو 2025، والّتي أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 1700 شخصًا، غالبيّتهم العظمى من المجتمع الدّرزيّ، حيث قُتل من الدّروز 1347 شخصًا، منهم 1195 رجلًا و99 امرأةً و22 فتى و31 فتاةً. إضافة إلى مقتل 70 شخصًا من المجتمع البدوي، منهم 53 رجلًا و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. فيما قُتل ما لا يقلّ عن 225 من عناصر الحكومة، سقط عدد كبير منهم جرّاء غارات جويّة إسرائيليّة. كما أسفرت المجازر وأعمال العنف الشّديدة عن نزوح ما يقارب 200 ألف شخص من منازلهم، في حين لا يزال نحو 155 ألفًا، معظمهم من القرى الدّرزيّة المحروقة غير قادرين على العودة إلى قراهم.
استند التّقرير إلى 409 شهادات مباشرة لناجين وشهود عيان، إضافة إلى تحليل صور الأقمار الصّناعيّة وتسجيلات الفيديو، والأدلّة الوثائقيّة والبيانات الرّسميّة، إلى جانب ثلاث زيارات ميدانيّة للمناطق المتضرّرة. كما خلصت اللّجنة إلى أنّ القتال في السّويداء يرقى إلى مستوى نزاع مسلّح غير دوليّ، وبالتّالي فإنّ القانون الدّوليّ الإنسانيّ، يشكّل الإطار القانونيّ الأساسيّ لتحليل هذه الأحداث. وإنّ جميع الأطراف ملزمون بهذا الإطار القانونيّ ويتحمّلون المسؤوليّة القانونيّة عن الانتهاكات الّتي ارتكبوها. كما أشارت إلى أنّ القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، يظلّ مرجعًا لتقييم الأحداث الّتي سبقت التّصعيد في تموز/يوليو، وهو كذلك يظلّ ساريًا أثناء الأحداث وبعدها.
يوثِّق التّقرير العديد من انتهاكات القانون الدّوليّ لحقوق الإنسان والقانون الدّوليّ الإنسانيّ، بما في ذلك أفعال رأت اللّجنة أنّها قد ترقى إلى جرائم حرب، أو حتّى جرائم ضد الإنسانيّة إذا ما ثبتت العناصر اللّازمة عبر مزيد من التّحقيقات. وقد ارتُكبت هذه الانتهاكات من قِبل القوّات الحكوميّة ومقاتلو العشائر، حيث تشاركوا في عمليّات قتل خارج نطاق القانون على نطاق واسع. وأشار التّقرير إلى أنّ القوّات الحكوميّة ومقاتلي العشائر، كانوا يعملون معًا بشكل منسَّق كجزء من نفس العمليّة، وإلى أنّ الانتهاكات تشير إلى وجود نمط ممنهج ووعي مؤسّسيّ بممارسة العنف ضد المدنيين الدّروز. وقد استهدفت العمليّات الّتي ارتكبوها في معظمها رجالًا من المجتمع الدّرزيّ، من بينهم كبار السّنّ وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصّة، حيث عُثر على جثثهم محروقة داخل منازلهم، وقد وثّقت اللّجنة أيضًا تدنيس الجثث كنمط آخر من الانتهاكات. واستهدفت العمليّات كذلك النّساء والفتيات، حيث أشار التّقرير إلى حالات اغتصاب وعنف جنسيّ وجنسانيّ، إضافة إلى حالات أُجبِرت فيها نساء على التّعرّي، قبل أن يتمّ إطلاق النّار عليهنّ من قِبل عناصر مسلّحة عن قرب. ويؤكِّد التّقرير أنّ الصّدمة المرتبطة بالعنف الجنسيّ، إلى جانب الخوف من الوصمة الاجتماعيّة أو العنف داخل المجتمع، قد تعيق الكشف الكامل عن حجم هذه الانتهاكات.
يفيد التّقرير بأنّ العديد من الرّجال الدّروز تعرّضوا لمعاملة قاسية وغير إنسانيّة، وصلت في بعض الحالات إلى حدّ التّعذيب. كما سُجّلت حالات إهانات على أساس دينيّ وانتهاك للكرامة الإنسانيّة، من بينها حلق لحى وشوارب رجال الدّين. وفي العديد من الحالات قامت القوّات الحكوميّة والعشائر، بنشر صور الدّروز عبر شبكة الانترنت والاحتفال بقتلهم. وهذه الأعمال عزّزت شعورًا لدى الجُناة بالإفلات الكامل من العقوبات. ويضيف التّقرير فصلًا لانتهاكات ارتكبتها جماعات مسلّحة درزيّة، شملت القتل خارج نطاق القانون، وتدنيس الجثث، وعمليّات الاحتجاز والاختطاف، والتّهجير القسريّ وهي انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.
يشير التّقرير إلى أنّ أحداث السّويداء تطوّرت إلى ثلاث موجات من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيّين الدّروز، فيما استهدفت الثّالثة المدنيّين البدو. في الموجة الأولى، الّتي يصفها التّقرير بأنّها الأكثر دمويّة، ارتكبت عناصر من القوّات الحكوميّة إلى جانب مقاتلين من العشائر انتهاكات واسعة النّطاق للقانون الدّوليّ الإنسانيّ، والقانون الدّوليّ لحقوق الإنسان بحقّ المدنيّين الدّروز، خلال الفترة ما بين 14 و16 تموز/يوليو، شملت القتل والإعدام، والتّعذيب، والاحتجاز التّعسفيّ، والنّهب. كما قُتل مدنيّون دروز بسبب هويتّهم الدّينيّة داخل منازلهم، وفي الشّوارع وأمام أفراد أسرهم. أمّا الموجة الثّانية، الّتي وقعت في 17 تمّوز/يوليو، فقد شهدت هجمات شنّتها جماعات مسلّحة درزيّة ضد المدنيّين البدو، تخلّلتها انتهاكات جسيمة شملت القتل والتّعذيب، والاحتجاز التّعسفيّ والنّهب، ما أدّى إلى نزوح المجتمع البدوي بأكمله تقريبًا من المناطق الّتي تسيطر عليها تلك المجموعات. وفي الموجة الثّالثة، الّتي يصفها التّقرير بأنّها الأكثر تدميرًا، نفّذ مقاتلون من العشائر هجمات من أواخر 17 تمّوز/يوليو وحتّى 19 تمّوز/يوليو ضد مدنيّين دروز، أسفرت عن حرق ونهب جميع المنازل والمحلّات التّجاريّة والمواقع الدّينيّة تقريبًا، في حوالي 35 قرية ذات أغلبيّة درزيّة. وخلال هذه الموجة، خلع بعض عناصر القوّات الحكوميّة زيّهم العسكريّ وانضمّوا إلى الهجمات، فيما قدّر مسؤول حكوميّ سوريّ عدد مقاتلي العشائر بنحو 80 ألف مقاتل، وهناك تقديرات أخرى تشير إلى أنّ العدد أكثر من ذلك بكثير. ويظهر هذا التّسلسل في الأحداث الطبيعيّة التّصاعديّة للعنف، ويساهم في فهمه كعمليّة مركّبة وليس كسلسلة حوادث منفصلة.
ويتناول التّقرير بإيجاز خلفية أحداث تمّوز/يوليو، بما في ذلك السّياقيْن السّياسيّ والعسكريّ وتسلسل التّطوّرات، مشيرًا إلى أنّ اندلاع العنف في السّويداء، جاء عقب أشهر من التّوترّات بين حكومة أحمد الشّرع والجهات المسؤولة في السّويداء. كما أشار التّقرير إلى مخاوف وقلق أهالي السّويداء، من الماضي الإرهابيّ للسّلطة الجديدة في دمشق، وما قد يترتّب عليه من تداعيات على حقوق وأمن الأقلّيّات. وقد تعزّزت هذه المخاوف بفعل أعمال العنف الجسيمة، الّتي استهدفت المدنيّين العلويّين في السّاحل خلال آذار/مارس 2025، إضافة إلى الاشتباكات الّتي طالت المجتمع الدّرزيّ في جرمانا وأشرفيّة صحنايا بريف دمشق.
أدّت هذه الأحداث إلى تأجيج صراعات طائفيّة، كما عمّقت انعدام الثّقة بقدرة السّلطات الجديدة على حماية جميع السّوريّين. وقد أسهم غياب المساءلة الواضح لمرتكبي أعمال العنف في آذار/مارس 2025 في زيادة هذا الشّعور بانعدام الثّقة. وبالإضافة إلى المخاوف الأمنيّة، برزت التّوتّرات بين أهالي محافظة السّويداء والسّلطة الجديدة، على خلفيّة شكل النّظام السّياسيّ في سوريا، ولا سيما مسألة المركزيّة. إذ سعت الحكومة الجديدة إلى فرض سيطرتها، والحكم المركزيّ على جميع المناطق السّوريّة، وهو ما قوبل بالرّفض من الجهات المسؤولة في السّويداء، والّتي حظيت بمستويات معينة من الحكم الذّاتي خلال الحرب الأهليّة، ورفضت الأغلبيّة الكبرى من أبنائها الانضمام إلى قوات النّظام. ومن الجدير بالذّكر أنّ محافظة السّويداء شكّلت مركز استقطاب ووجهة للنّازحين داخليًّا، حيث استقبلت آلاف النّازحين من المحافظات السّوريّة خلال فترة الحرب السّوريّة.
وقعت أحداث السّويداء في ظلّ خطاب الكراهيّة، والتّحريض على العنف على أساس الهويّة، إلى جانب انتشار معلومات مضلِّلة وكاذبة، على وسائل التّواصل الاجتماعيّ ما ساهم في زيادة حدّة العنف. وقد أدّى التّسجيل الصّوتيّ المسيء للرّسول، والمنسوب زورًا إلى شيخ درزيّ إلى اندلاع أعمال عنف، وإلى زيادة ملحوظة في الخطاب الطّائفّي المناهض للدّروز. فيما لعبت الجهات الإعلاميّة الدّاعمة للحكومة السّوريّة دورًا في نشر سرديّات انتقائيّة أو مضلِّلة حول الأحداث، إضافة إلى تداول مقاطع فيديو مفبركة، تهدف إلى تشجيع ما سُمّي بفزعة العشائر ضد الدّروز، بما في ذلك استخدام مقاطع من العراق تظهر عناصر من تنظيم داعش، وهم يرمون أشخاصًا من المباني ونسبت زورًا إلى مقاتلين دروز. وأشار التّقرير أيضًا إلى أن بعض الصّحافيّين الّذين رافقوا قوّات الأمن الحكوميّة ساهموا في تشويه الوقائع، بما في ذلك تزييف مشاهد إنقاذ مدنييّن دروز وتصوير الحكومة على أنّها تحمي المدنيّين. ورغم أهمّيّة هذه الإشارة، يمكن القول أنّ دور التّحريض الإعلاميّ وخطاب الكراهيّة، كان يستدعي تحليلًا أوسع في التّقرير، نظرًا لتأثيره المباشر في تأجيج العنف والتّمهيد له.
تناول الفصل السّادس من التّقرير التّحديّات المستمرّة، أمام التّمتّع بحقوق الإنسان الأساسيةّ، والحماية الّتي يوفِّرها القانون الدّوليّ الإنسانيّ، بما في ذلك مصير المفقودين، وصعوبات تحديد هويّة الرّفات البشريّة، وتأخير وصول المساعدات الإنسانيّة، والأوضاع الاقتصاديّة، وحرّيّة التّنقُّل، والعوائق الّتي تحول دون ممارسة الحقّ في التّعليم. وقد أدّى خطاب الكراهيّة إلى تأثير مباشر على طلّاب الجامعات من الدّروز، حيث واجه العديد منهم تهديدات وإجراءات ترهيب، ما خلق بيئة غير آمنة أجبرتهم على ترك جامعاتهم.
ختم التّقرير بمجموعة من الاستنتاجات والتّوصيات الهامّة، حيث أوصت اللّجنة الحكومة السّوريّة ببذل جهود مكثّفة، لضمان المساءلة الشّاملة والعاجلة فيما يتعلّق بالانتهاكات والتّجاوزات المرتكبة في السّويداء، على جميع مستويات التّسلسل القياديّ، بما في ذلك الأوامر والتّخطيط والتّنفيذ، وضمان محاسبة المتورِّطين في ارتكاب الانتهاكات أو الفشل في منعها أو معاقبة مرتكبيها. إضافة إلى ضمان مشاركة الضّحايا في جميع مراحل التّحقيق والمساءلة. ويشير التّقرير في هذا السّياق إلى أنّ لجنة التّحقيق الوطنيّة في أحداث السّويداء، الّتي أعلنت عنها حكومة الشّرع، لم تقدِّم حتّى الآن أيّة معلومات بشأن خضوع أيّ قائد وحدة لتحقيقات ومساءلة قانونيّة، كما تفيد اللّجنة بأنّ بعض العناصر الحكوميّة المتّهمة قد أُفرِج عنهم بموجب المرسوم الرّئاسيّ لعام 2026 المتعلِّق بالعفو العام. ويخلص التّقرير إلى أنّ أحداث السّويداء ترقى إلى نزاع مسلّح غير دوليّ، معتبرًا أنّ مقاتلي العشائر الّذين رافقوا القوّات الحكوميّة بين 14 و16 تمّوز/يوليو كانوا جزءًا من العمليّة وتحت السّيطرة الفعليّة للقوّات الحكوميّة. وبالتّالي تنسب أفعالهم إلى الدّولة.
يدعو التّقرير الحكومة السّوريّة إلى توفير ضمانات ملموسة، واتّخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وإدخال تعديلات جذريّة على القوّات الأمنيّة، وتعزيز جهود بناء الثّقة والمصالحة، ومكافحة خطاب الكراهيّة، وتكثيف الحوار الحقيقيّ مع المجتمع الدّرزيّ، إلى جانب تجديد الاعتذارات العلنيّة على أعلى المستويات. كما توصي اللّجنة القيادات الدّرزيّة في السّويداء، بإجراء تحقيقات عاجلة في الانتهاكات الّتي ارتُكبت خلال أحداث تمّوز/يوليو على جميع مستويات القيادة، مشيرة إلى أنّ الحرس الوطنيّ في السّويداء لم يعترف، أو يباشر حتّى الآن أيّة تحقيقات، بشأن الانتهاكات الّتي ارتكبتها قوّاته في الأحداث الأخيرة. وتدعو اللّجنة هذه القيادات إلى إنهاء أعمال العنف، والتّرهيب والعقاب ضد الأصوات المعارضة، وضمان حماية حرّيّة التّعبير والرّأي لجميع سكّان السّويداء. كما يوصي التّقرير المجتمع الدّوليّ بممارسة الضغوط، على جميع الأطراف المسؤولة عن الجرائم والانتهاكات، وفرض الامتثال للقانون الدّوليّ لحقوق الإنسان والقانون الدّوليّ الإنسانيّ، كشرط لتقديم الدّعم المادّيّ أو اللّوجستيّ. كما يدعو إسرائيل إلى وقف الهجمات والتّدخّلات في الشّؤون السّوريّة، حيث أضاف تدخلها مستوى آخر من تعقيد الأزمة، بحيث يهدّد الاستقرار ويلحق الأذى بالمدنيّين، ويصعِّد خطاب الكراهيّة ضد الدّروز.
تأسّست لجنة التّحقيق الدّوليّة المستقلّة بشأن سوريا عام 2011 من قِبل مجلس حقوق الإنسان، وتتمثّل ولايتها في التّحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة للقانون الدّوليّ، لحقوق الإنسان في سوريا منذ عام 2011، وتقديم تقارير حول استنتاجاتها. كما كلّف مجلس حقوق الإنسان اللّجنة بتوثيق الوقائع والظّروف الّتي قد تؤدّي إلى مثل هذه الانتهاكات، والقيام كلّما أمكن بتحديد المسؤولين لضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات، بما في ذلك تلك الّتي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانيّة وجرائم حرب. مفوّضو اللّجنة هم السّيّد باولو سيرجيو بينيرو، والسّيّدة منية عمّار، والسّيّدة فيونوالا ني أولاين، وهم خبراء دوليّون في مجال حقوق الإنسان والقانون الدّوليّ.
على الرّغم من أنّ اللّجنة لا تتمتّع بصلاحيّات تلزم الأطراف بتنفيذ توصياتها، إلّا أنّ هذا النوّع من التّقارير يتمتّع بشرعيّة دوليّة مهمّة جدًّا، إذ يتّسم بالموضوعيّة والمهنيّة والحياديّة، ولهذه التّقارير تداعيات سياسيّة وقانونيّة وأخلاقيّة. حيث يصنّف التّقرير أحداث السّويداء على أنّها نزاع مسلح غير دولي. ويقدم تصنيفًا قانونيًا لأعمال العنف، باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدّوليّ الإنسانيّ والقانون الدّوليّ لحقوق الإنسان، وقد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة. ويشمل التّقرير أدلّة وإثباتات وشهادات كثيرة يمكن استخدامها في ملاحقة الجناة أمام المحاكم المحليّة والدّوليّة، بما في ذلك محكمة العدل الدّوليّة إذا بادرت دولة ما إلى ذلك، أو المحكمة الجنائيّة الدّوليّة بقرار من مجلس الأمن الدّوليّ، أو محاكم أوروبيّة وأمريكيّة وغيرها، إذا كان الضّحايا أو الجناة يحملون جنسيّة هذه الدّول.
إلى جانب المساءلة القضائيّة، يمكن توظيف هذا التّقرير في إطار المساءلة السّياسيّة، من أجل الضّغط على الدّول والمنظَّمات الدّوليّة للتّأثير على الحكومة السّوريّة، وربط الاعتراف والتّعاون معها بتنفيذ توصيات اللّجنة وضمان حقوق الأقليّات وحقوق الإنسان. بالتّالي فإن تأثير التّقرير يعتمد على كيفيّة استخدامه في سياق المساءلة السّياسيّة والقضائيّة. فالتّقرير بحدّ ذاته مهمّ، لكنّه غير كافٍ، إذ يمثّل خطوة أساسيّة في مسيرة طويلة نحو تحقيق العدالة، غير أنّه يتطلّب استمرار الجهود من قِبل المنظّمات الممثّلة للضّحايا.
تكمن أهمّيّة هذا التّقرير أيضًا باعتباره مستند تاريخيّ له شرعيّة دوليّة، يتمتّع بالموضوعيّة والحياديّة، إذ يقدِّم وصفًا تاريخيًّا لأحداث السّويداء، ويضعها في سياق سياسيّ وأمنيّ ملائم، ويساعد في فهم المجتمع المحلّيّ والإقليميّ والدّوليّ لهذه الأحداث، ويساهم في بناء الذّاكرة الجماعيّة لها. في هذا السّياق يفنّد ما ورد في تقرير لجنة التّحقيق الوطنيّة في أحداث السّويداء الّتي انشأتها الحكومة السّوريّة، إضافة إلى سرديّة الإعلام العربيّ والإقليميّ، الّذي كان داعمًا لخطاب وسردية حكومة الشّرع أثناء أحداث السّويداء.
يساهم عمل اللّجنة الدّوليّة ونشر هذا التّقرير في إعادة وضع أحداث السّويداء على الأجندة الدّوليّة، حيث تناولته عدد من وسائل الإعلام العالميّة، مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وغيرها، كما أُدرِج ضمن جدول أعمال مؤتمر حقوق الإنسان الأخير في جنيف. ويساهم التّقرير كذلك في مناهضة ثقافة الإفلات من العقاب، ويأتي في إطار الجهود والمساعي الرّامية إلى منع تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل، وتعزيز بناء مؤسّسات قائمة على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامة الإنسان، في حال تبنّت الأطراف المعنيّة توصيات اللّجنة.
ويكتسب التّقرير أهمّيّته الأبرز من كونه يركِّز على حقوق الضّحايا وكرامتهم الإنسانيّة، ويُعتبر اعترافًا دوليًّا بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الّتي تعرّضت لها الضّحايا، ويوفِّر منصّة عالميّة لأصواتهم. ويمثّل ذلك تطورًا مهمًّا في مسيرتهم نحو العدالة والمساءلة والحق الإنساني في معرفة الحقيقة، فلا أمن ولا سلام دون عدالة.v