الموقع قيد التحديث!

في وجهِ العاصفة: سماحة الشّيخ في خطاب تاريخيٍّ في مقام سيّدنا النّبيّ شعيب (ع)  حول محنة السّويداء

بقلم سماحة الشيخ أبو حسن موفق طريف
الرّئيس الرّوحي للطّائفة الدّرزيّة ورئيس المجلس الدّينيّ الدّرزيّ الأعلى

بسم الله الرّحمن الرّحيم

في مقامِ سيّدِنا ونبيّنا شعيبٍ نلتقي، حاملين في القلبِ لوعةَ الألم وأملَ النّصرِ المجبول بصدقِ اليقين.

ألمٌ على ما شاهدناهُ عيانًا وسمعناهُ بُرهانًا من سويدائنا الحسيرة المنكوبة، الّتي حاولت براثنُ أهلِ التّكفير والضّلال ليَّها دونَ فائدة، مُتناسينَ أنّها جبلٌ صلبٌ شامخٌ، تكسرّتْ عند مداخلِهِ جُيوشُ الأرضِ والغُزاةِ وسائرُ المحتلّين.

إنّهُا السّويداءُ الّتي ما أغلقتْ يومًا بابًا أمامَ ملهوفٍ، ولا أقفلتْ ديوانًا أمام مُحتاجٍ أو مستجير.

إنّها السّويداءُ الطيّبة المحروسةُ ببَرَكةِ شيوخها الرُّكَّع، ونسائهِا الشّريفاتِ الخُشَّع، وأطفالِها الميامين الرُّضَّع، الّذين يرضعونَ محبَّةِ تُرابَ الوطنِ قبلَ الحليب، ويشبُّ كلُّ واحدٍ منهم على جوفيّات البطولةِ وأهازيجِ الكرامةِ ومكارمِ الاستقامة حتّى يشيب.

طعناتٌ أصابتْ سُويداءَ سوريا في قلبِها النّابض، وأصابتْ قلبَنا معها في الصّميم. طعناتٌ إرهابيّةٌ غاشمةٌ تكفيريّة لأيادي الغدرِ من أهلِ الظُّلم والعدوان والظّلام، الّذين اقتحموا حُرمات البيوتِ إفكًا وعدوانًا، وأباحوا الدّماء الّتي حرّمَ الله سفكَها ظُلمًا وبُهتانًا، وأحرقوا، ونهبوا، وضربوا وقتلوا، ضاربين بعِرض الحائط قِيَم الإسلام المعتدل العادل، الآمِر بتركِ الجاهليّةِ والدّاعي إلى السّلمِ والسّلام.

بينَنا وبينكُم يا أيّها العُصبَةُ السّوداويّة الخائبة كتابُ الله الّذي قال جلّ وعلا فيه: “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا”.

بينَنا وبينَكُم يا قتَلةَ الشّيوخ وذابحي الكهولِ ومُعدِمي الأطفال، ما أوصى به رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عندما قال: “ولا تقتلوا وليدًا”، لتَتْبَعْهُ وصيّةُ أبي بكر الصّديق الّذي أوصى يزيد قبل خروجه إلى الشّام فقال: “لا تقتل صبيًّا ولا امرأةً ولا هَرِمًا”.

بيننا وبينكُم يا حَارقي البُيوت ومُنتهِكي الحُرُمات وأصحابِ الغدر المُبيَّت الدّفين، ما علَّمَنا إيّاه مُحرّر سوريا وكبير ثوّارِها عطوفة سلطان باشا الأطرش رحمهُ الله: الدّينُ لله والوطن للجميع.

بينَننا وبينكُم عدلُ الله النّافذ في استيفاء الحقوق وقمعِ الظّالمين، عملًا بالوصيّة الّتي توارثناها خلفًا عن السّلف الصّالح القديم: لا نعادي ولا نعتدي بل ندافع عن الحقّ وننتصر.

تُرى: أهكذا يكونُ جزاءُ هذه الطّائفة الموحّدةِ الشّريفةِ، الّتي كتبتْ بدمائِها ودُموعِها قصصَ المجد في تحرير سوريا من براثِنِ الاستعمار والاستبداد؟ أهكذا يكونُ الوفاءُ لطائفةٍ كريمةٍ أبيّة، فتحت الأبوابَ خلال الحرب الأهليّة السّوريّة أمام جميعِ النّاس من مختلفِ الطّوائفِ والأديان؟ لا وألفُ لا.

إنّ ما حدثَ ولا يزالُ في سوريا من إعداماتٍ ميدانيّة واعتداءاتٍ إرهابيّةٍ على الجبل وسُكّانه الشّرفاء الأوفياء من الدّروز، هو تعدٍّ سافر وانتهاكٌ صارخٌ للمواثيق الأُمميّة، والقوانين الدّوليّة، والشّرائع السّماويّة. على مرأى ومسمعٍ من دول العالم وبتوثيقٍ مُباشُر يصلُ القريبَ والبعيد، تتوضّحُ يوميًّا فظاعةُ هذا المشهدِ الجاهليّ القاتم، وتتحدّدُ معالمُ هذا التّطهير العرقيّ الّذي تتعرّضُ له الطّائفةُ الدّرزيّة، تحت ذرائع واهية ووسطَ تضليلٍ مُمنهجٍ دقيقٍ.

خلفَ هذه “الجهات الخارجةِ عن القانون” كما يُروّجُ الإعلام، حكومةٌ غضّتِ النّظرَ وأرخت القيود أمام المجازر الشّنيعة الّتي وقعت ضدّ العلويّين، وبعدها أمامَ تفجير الكنائس الإرهابيّ الّذي طالَ المسيحيّين، ليحين الآن دورُ الدّروز، الّذين علتِ الأصواتُ السّوريّة مؤخّرًا لمقاطعتِهم والتّحاوُر معهم بالنّار، وإلحاق الأذى بهم، والتّهويل عليهم بالدّمار.

على هذه الوقائع المدعومة بالشُّهود والأدلّة والصّور والتّسجيلات، أن تكون القضيّة الّتي تشغلُ الرّأي العالميّ، وتصلُ إلى مكتبِ كُلّ مسؤول أُمميّ وصانعِ قرار.

على هذه الوقائع أنْ تكون الفيصلَ الحَكَم بين من يتعدّى ويتحدّى ويذبح ويُشنِّع، وبين من يُدافِع عن حقّهِ الطّبيعيّ المشروع، وعن حقّ أبناء عائلتهِ وطائفتهِ في حفظِ الأمن وسلامةِ الذّات، والدّفاع عن الأرض والعِرض والدّين.

هذا هو ما يُفرّقُ بين هؤلاءِ المُعتدين الّذين يخطّطونَ للموت ويعيشون من أجلِهِ، وبيننا كأبناءِ طائفةٍ موحّدةٍ تؤمنُ وتعملُ عملًا بمبدأ قُدسيّة الحياة. نقولها علنًا وصريحًا وبشكلٍ لا يقبلُ التّشكيك ولا التّأويل: طائفةُ الموحّدين الدّروز لن تركع لبشر ولن تخضع إلّا لله العليّ القدير، فلا التّهديدات تخيفُنا، ولا الجُيوشُ تُثنينا، ولا الموتُ يُهيبُنا. نحنُ في الأرض ثابتون مثالَ الشّجرةِ المباركة الزّكيّة، الّتي تُقطَعُ اليوم وتُحارَب بفؤوسٍ مصنوعةٍ من صُلبِ خشبِها، مثلما يفعل السّوريُّ بأخيهِ السّوريّ الدّرزيّ، ناقضًا عهدَ الإنسانيّة والوفاء.

فقولوا للّذين ينتظرونَ منّا الذّلّة: هيهات، هيهات هيهات. وقولوا لمن يرتقبُ منّا الانكسار: عمامةُ الشّيخ الموحّد كالجبلِ شموخًا وثبات. ثلاثون يومًا وأكثر من التّجويع والحصار والإرادةُ لم تُكسَر. ثلاثونَ يومًا من التّضييقِ والدّمار والبطولةُ لم ولن تُقهَر.

فإنْ كانت إنجازاتُ هؤلاء المارقين الإرهابيّين تتلخّصُ بجزِّ شاربٍ وقتلِ مُصابٍ وإعدامِ عجوزٍ وإهانةِ شيخٍ، فإنجازاتنا معروفةٌ والتّاريخُ يشهد بما فعلناهُ في الماضي من دحرِ الطّغاةِ وكسرِ المعتدين، وهو ما ستؤولُ إليه الأوضاعُ عمّا قريب، بعدما ستدور رُحى العدالة الرّبانيّة، فيذوقُ المُعتدون الغاشمون عذابَ الله الأليم.

إخواني الأكارم، على الشّعب السّوريّ الّذي خرج من ضيقِ نظامِهِ البائد إلى واقعٍ جديد، أن يحكمّ العقل والضّمير حتّى يتّخذ القرار: بين دولةٍ سوريّةٍ كاملةٍ موحّدة مدنيّة تجمعُ سائر الأطياف والطّوائف والمركّبات وتحفظ كامل حقوق مواطنيها دون تمييز ولا استثناء، وبين سوريا طائفيّة جهاديّة ممزّقة الرّوابطِ والأشلاء، تحوّل قصّة هذا الاستقلال العظيم إلى فصلٍ آخر جديد من سلسلة الدّولة الّتي تقبعُ في الظّلام. نناشدُ كافّة أبناءِ الشّعب السّوريّ الأبيّ لإعادة الحسابات وتركِ هذه النّعراتِ الطّائفيّة الّتي تنهشُ جسدَ الوحدة السّوريّة المرجوّة، وتضع كلّ المجهودات الرّامية إلى بناءِ وطنٍ جديد في مهبّ الرّياح.

هذا الوطنُ الّذي لن يقومَ على التّجريحِ والتّدجيج، ولا على بطولاتٍ وهميّة تُراق فيها دماءُ الأبرياء وتُهان فيها المقدّسات والأعراف، بل على حوارٍ وطنيّ مسؤول صادق، يضمنُ توحيد كافّة المركّبات في سوريا، تحت سقفِ الهويّة السّوريّة الموحّدة، الّتي تضمن حقوق كافّة المواطنين.

من موقعنا وكما كُنّا قد صرّحنا في أكثر من مقالٍ وحال، سنستمرّ في الوقوف إلى جانب أبناء طائفتنا الموحّدة في سوريا قلبًا وقالبًا، وسنُقدّم الغالي والنّفيس في سبيل الحفاظ عليهم من مخالبِ هذا الإرهابِ الطّائفيّ الّذي تكشَّف للعيان، مؤكّدين أنّه لن يُثنينا عن هذه الوقفةُ الإنسانيّة التّوحيديّة جميعُ أصواتِ النّشاز، بل سنستمرّ في تلبية نداء الأرواح والقلوب، للدّفاع عن إخواننا في سوريا ولو دفعنا في سبيل ذلك الأرواح.

سيستمرّ صوتُنا مناديًا ومُجلجلًا بوضوح: نطالبُ المجتمعَ الدّوليّ برفعِ هذا الحصار الإرهابيّ الغاشم وتسهيل دخول المعونات إلى قُرى السّويداء وإعادة النّازحين إلى بيوتهم بشكلٍ فوريّ وبضماناتٍ دوليّة ثابتة، والمباشرة بفتحِ تحقيقاتٍ دوليّةٍ مُحايدةٍ عادلة، تضمنُ الكشفَ عمّا رأيناهُ من الجريمةِ والقتل الممنهج، الّذي يذكّرنا بفتراتٍ سوداويّةٍ قاتمة من التّاريخ الحديث.

من هنا، من مقام سيّدنا ونبيّنا ومعلّمنا شعيبٍ عليه السّلام، نُرسِلُ الدُّعاء الصّادق لكلّ المرابطين الموحّدين السّاهرين على أمنِ السّويداء والدّفاعِ عن أهلها، سائلين الله أن يحميهم ويرعاهم بعينِ رعايتِهِ الّتي لا تنام.

كما ونناشدُ جميع العُقلاء الفُضلاء من أبناء الطّائفة وقياداتِها في سوريا دينيًّا وزمنيًّا، بالحفاظ على أواصر الوحدةِ الّتي نحتاجُها اليوم أكثر من أيّ وقتٍ كان، مترفّعين كلّ التّرفُّع عن الانشقاق والخلافات والاختلافات، الّتي لا شأنَ لها إلّا إحباط العزيمة وإضعاف الموقف وتمكين المُعتدين.

كذلك، نستغلّ الفرصة لنحيّي جميع الأهل الموحّدين الأكارم من الجليلين والكرمل والجولان على صدقِ الهمّة، وتلبيةِ نداء حفظِ الإخوان، شاكري آلاف المتطوّعين والمتطوّعات، الّذين يعملون على مدار السّاعة في غرفة التّقييم، وفي مراكزِ التّطوَع وأيضًا من خلفِ الشّاشات.

نسألُ الله تبارك وتعالى أن يرحمَ من غاب عنّا من شُهدائنا الأبرار، وأن يشفي الجرحى ويُفرّج عن أسرانا والمُختطفين.

على رحمتهِ نعوّل وبغيرِ سُلطانِهِ لا نعتزّ، وهو حسبُنا وثقتُنا في كلّ الأمور…

(ليلة الجمعة، الخامس عشر من شهر آب 2015)

مقالات ذات صلة: