الموقع قيد التحديث!

في الذّكرى الأولى لرحيل أبي لطفي أمل نصر الدّينرمز العطاء والوفاء

بقلم د. رمزي حلبي – دالية الكرمل
رئيس إدارة مؤسّسة بيت الشّهيد الدّرزيّ

رحيل الرّجل القائد.. وبقاء الرّسالة..

تمرّ الأعوام، وتمضي الأحداث مسرعة في مجرى الزّمن، غير أنّ بعض الشّخصيّات تبقى أكبر من الغياب وأعمق من حدود العمر. فهناك رجال لا تُقاس حياتهم بعدد السّنوات الّتي عاشوها، بل بعمق الأثر الّذي تركوه في قلوب النّاس وضمير المجتمع. وبعد مرور عام على رحيل القائد والأبّ والأخّ والصّديق والمرشد، عضو الكنيست ومؤسّس ورئيس مؤسّسة بيت الشّهيد الدّرزيّ، أبي لطفي أمل نصر الدّين، ما زال اسمه يتردّد في الذّاكرة الجماعيّة للمجتمع، لا بوصفه مجرّد شخصيّة عامّة، بل كإنسان استثنائيّ كرّس حياته لخدمة النّاس، وجعل من الوفاء لدولته وطائفته ولعائلات الشّهداء رسالة إنسانيّة ووطنيّة سامية.

لم يكن الرّاحل أبو لطفي أمل رجلًا عابرًا في تاريخ دولته ومجتمعه، بل كان ظاهرة إنسانيّة فريدة جمعت بين القيادة والمسؤوليّة، وبين الحكمة والتّواضع، وبين الألم الشّخصيّ والرّسالة العامّة. فقد استطاع أن يحوّل التّجربة الشّخصيّة القاسية إلى رسالة إنسانيّة واسعة الأفق، وأن يجعل من الوفاء للشّهداء قضيّة مجتمع ودولة بأكملها، لا مجرّد واجب عائليّ أو مناسبة عاطفيّة عابرة.

ولا شكّ في أنّ التّاسع من شهر شباط/فبراير من عام 2025 لم يكن تاريخًا عابرًا في ذاكرة دالية الكرمل ولا في وجدان أبناء الطّائفة الدّرزيّة في البلاد وخارجها. فقد شكّل ذلك اليوم محطّة إنسانيّة ووطنيّة عميقة الدّلالة، إذ ودّعت دالية الكرمل، ومعها أبناء الطّائفة الدّرزيّة في البلاد، لا بل ودولة إسرائيل بأسرها، قامة سياسيّة واجتماعيّة نادرة، ورجلًا من طراز استثنائيّ كرّس عمره لخدمة أبناء طائفته، وجعل من الدّفاع عن مكانتهم وصون كرامتهم وتعزيز حضورهم الرّاسخ في مختلف ميادين الحياة العامّة رسالة ثابتة ونهجًا لا يحيد عنه.

لم يكن ذلك التّاريخ مجرّد لحظة وداع لشخصيّة عامّة تمثّلت بأبي لطفي فحسب، بل كان أيضًا لحظة تأمّل عميق في سيرة استثنائيّة لرجل عاش حياة حافلة بالعطاء والمسؤوليّة. فقد اتّسعت تجربته بقدر اتّساع إيمانه بأن خدمة النّاس أسمى الرّسالات الّتي يمكن أن يحملها الإنسان، وأن العمل من أجل رفعة المجتمع والدّفاع عن حقوقه هو أصدق تعبير عن الوفاء للدّولة والطّائفة معًا.

لقد وُلد أبو لطفي، أمل نصر الدين، عام 1928 في قرية دالية الكرمل على سفوح جبل الكرمل، في بيئة اجتماعيّة محافظة متشبّعة بالقيم الدّرزيّة الأصيلة، حيث تشكّلت شخصيّته في كنف تقاليد راسخة من التّضامن والكرم واحترام الإنسان. ومنذ سنوات شبابه الأولى بدت عليه ملامح القيادة والطّموح؛ فقد عُرف بقربه من النّاس وروحه المبادِرة، وكان يرى في العمل العامّ مسؤوليّة أخلاقيّة قبل أن يكون منصبًا أو موقعًا.

ومع قيام دولة إسرائيل عام 1948، كان من أوائل أبناء الطّائفة الدّرزيّة الّذين التحقوا بجيش الدّفاع الإسرائيليّ، مشاركًا في الدّفاع عن الدّولة في سنواتها الأولى. وخلال خدمته العسكريّة لم يكن مجرّد جنديّ يؤدّي واجبه، بل كان صوتًا معبّرًا عن أبناء طائفته داخل المؤسّسة العسكريّة، يعمل على تعزيز اندماج الدّروز في الجيش وضمان حصولهم على حقوقهم وتقدير تضحياتهم.

وبعد سنوات من الخدمة العسكريّة، انتقل إلى ميدان آخر من ميادين العطاء، هو ميدان العمل السّياسيّ. فقد انخرط في الحياة السّياسيّة وانضمّ إلى حزب الليكود، وانتُخب عضوًا في الكنيست الإسرائيليّ حيث حمل معه إلى الكنيست صوت المجتمع الدّرزيّ وهمومه. وسعى من خلال عمله البرلمانيّ إلى تحسين أوضاع القرى الدّرزيّة وتعزيز مجالات التّعليم والبنية التّحتيّة والخدمات الصّحّيّة فيها، كما عمل على ترسيخ مكانة الطّائفة الدّرزيّة وتعزيز علاقتها بالدّولة على أساس الشّراكة والمسؤوليّة. وعلى الرّغم من أنّ فترته البرلمانيّة لم تكن طويلة، فإنّ أثره السّياسيّ ظلّ حاضرًا من خلال المبادرات الّتي أطلقها والمواقف الّتي تبنّاها.

غير أنّ أعظم ما خلّد اسم أبي لطفي لم يكن العمل السّياسيّ وحده، بل نشاطه الاجتماعيّ والإنسانيّ العميق. فقد أدرك مبكِّرًا أنّ بناء المجتمع لا يتحقّق بالسّياسة وحدها، بل عّبْر مؤسّسات راسخة تخدم النّاس وتحفظ ذاكرة الأجيال. ومن هذا الإيمان العميق وُلدت إحدى أهمّ مبادراته: مؤسّسة بيت الشّهيد الدّرزيّ، الّتي أسّسها لتخليد ذكرى الجنود الدّروز الّذين سقطوا أثناء خدمتهم العسكريّة، ولتقديم الدّعم المعنويّ والاجتماعيّ لعائلاتهم. وقد أصبحت هذه المؤسّسة بيتًا للوفاء والذّاكرة، ومكانًا يلتقي فيه الألم بالفخر، والحزن بالاعتزاز.

انّ مسيرة حياة الرّاحل أمل نصر الدّين لم تكن مفروشة بالورود، فقد واجه في حياته الشّخصيّة سلسلة من المآسي القاسية الّتي كان من شأنها أن تُثقل قلب أيّ إنسان. فَقَدَ ابنه البكر لطفي الّذي سقط خلال خدمته العسكريّة عام 1969، ثمّ فقد لاحقًا ابنه الثّاني صالح في ظروف مؤلمة، ولم تمضِ السّنوات حتّى عاد الألم ليطرق باب العائلة مرّة أخرى حين استُشهد حفيده لطفي، الّذي حمل اسم خاله الرّاحل، خلال عمليّة “الرّصاص المصبوب” عام 2008. وهكذا دفعت هذه العائلة من قلبها ثمن التّضحية أكثر من مرّة.

ومع ذلك، لم ينكفئ أبو لطفي على حزنه، ولم يسمح للألم أن يطفئ رسالته، بل حوّل هذا الجرح العميق إلى قوّة أخلاقيّة تدفعه لمواصلة العمل. فقد كان يؤمن بأن الوفاء للشّهداء لا يكون بالبكاء عليهم فحسب، بل بالعمل الدّؤوب من أجل تخليد ذكراهم ورعاية عائلاتهم. ومن هنا أصبحت قضيّة العائلات الثّكلى جزءًا أصيلًا من رسالته الإنسانيّة ومسيرته المجتمعيّة.

وفي حياته الشّخصيّة كان أبو لطفي رجل عائلة بامتياز، يؤمن بأنّ الأسرة هي الرّكيزة الأساسيّة في حياة الإنسان. وقد عُرف بحرصه على علاقاته العائليّة وتمسّكه بالقيم الاجتماعيّة الّتي تميِّز المجتمع الدّرزيّ. كما بقي بيته في دالية الكرمل مفتوحًا دائمًا للضّيوف والزّائرين من مختلف الخلفيّات والطّوائف، في صورة تعكس الكرم الدّرزيّّ الأصيل وإيمانه العميق بأهمّيّة الحوار والتّلاقي بين النّاس.

ولم يكن من قبيل الصّدفة أن يحظى أبو لطفي خلال مسيرته الغنيّة الطّْويلة بتقدير واسع على المستوييْن الشّعبيّ والرّسميّ. ومن أبرز مظاهر هذا التّقدير اختياره لإيقاد إحدى شعل الاحتفال في يوم استقلال دولة إسرائيل عام 2005، كما تُوِّجت مسيرته بمنحه جائزة إسرائيل عام 2023 تقديرًا لإسهاماته الاستثنائيّة في خدمة المجتمع والدّولة.

أمّا بالنّسبة لي، فقد كان أبو لطفي أكثر من قائد مجتمعيّ، لقد كان إنسانًا صاحب رؤية ومصدر إلهام لكلّ من عَمل معه. وكان لي شرف كبير أن أحظى بثقته عندما اختارني لمواصلة الرّسالة الّتي بدأها، ومتابعة العمل والقيادة في خدمة العائلات الثّكلى وتطوير رسالة مؤسّسة بيت الشّهيد الدّرزي. إن هذه الثّقة الّتي منحني إيّاها تبقى بالنّسبة لي مسؤوليّة أخلاقيّة ووطنيّة أحملها بكل ّوفاء وإخلاص.

وبعد عام على رحيله، يبقى الدّرس الّذي تركه لنا واضحًا: أنّ القيادة ليست منصبًا، بل التزام، وأنّ الوفاء ليس كلمة، بل عمل يوميّ، وأنّ المجتمعات القويّة هي تلك الّتي تحفظ ذاكرة أبنائها وتكرِّم تضحياتهم.

لقد رحل أبو لطفي، لكنّ رسالته ما تزال حيّة في المؤسّسات الّتي أسّسها، وفي القِيَم الّتي زرعها، وفي الذّاكرة الحيّة لعائلات الشّهداء وأبناء المجتمع. وسيبقى اسمه حاضرًا كرمز للعطاء والوفاء، وكقائد آمَن بأنّ خدمة الإنسان هي أسمى أشكال العمل العامّ. فالرّجال الكبار قد يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى حيًّا في ضمير الشّعوب، وسيبقى أبو لطفي أمل نصر الدّين واحدًا من أولئك الرّجال الذين لا يغيبون.

رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته

إنّ لله وإنّ اليه راجعون.

مقالات ذات صلة:

نشاطات طائفيّة – نيسان-ايلول 2025

الزيارة التاريخية لمقام النّبيّ شعيب (ع) واستقبال وفد المشايخ السّوريّ من الكلمة التّرحيبيّة لسماحة الشّيخ موفق طريف في استقبال وفد

شعر: “طعنة في الصّميم”

مِن جَبل غَطّى الثّلج تلّاتو شامِخ وبيحكي الغيم حكاياتوفيّو رجالو عاليه الهمّات نيّاتهم أبيض من الثّلج ذاتوفيّو أجاويد وكثار قامات