الموقع قيد التحديث!

فضيلة المشايخ المتوّجين بالعمامة المكولسة – الشّيخ الفاضل الجليل أبو صالح محمد العنداري

بقلم إعداد: الشّيخ أبو رضا حسين حلبي
دالية الكرمل

لقد سبق وتطرّقنا في مجلة “العمامة” إلى موضوع تكريم، وتتويج، وتلبيس المشايخ الأجلاء: الشيخ أبو سعيد أنور الصّايغ، الشيخ أبو طاهر منير بركة، الشّيخ أبو داوود منير قضماني، الشّيخ أبو يوسف أمين العريضي، الشّيخ أبو علي سليمان أبو ذياب، الشّيخ أبو زين الدين حسن غنّام، الشيخ أبو مسعود هاني شهيّب، الشّيخ أبو محمود سعيد فرج، والشّيخ أبو فايز أمين مكارم، بالعمامة المُكَوْلَسة، وتنصيبهم مراجع روحيّين معتمدين في لبنان.

وفي العدد السّابق، عرضنا نبذات من سِيَر حياة عدد من هؤلاء المشايخ الأفاضل، وهم: الشيخ أبو علي سليمان أبو ذياب، الشيخ أبو طاهر منير بركة، الشيخ أبو داوود منير القضماني، الشّيخ أبو فايز أمين مكارم، الشيخ أبو زين الدّين حسن غنّام، الشيخ أبو يوسف أمين العريضي، والشيخ أبو سعيد أنور الصّايغ. أما في هذا العدد، فنستعرض سيرة الشّيخ الجليل الفاضل، صاحب المقام الرفيع، الشّيخ أبو صالح محمد العنداري، نفّعنا الله ببركاته، وأعاد علينا من صالح دعواته، على أن نواصل، بإذن الله، مسيرة عرض سِيَر حياة مشايخنا الأجلاء في الأعداد القادمة ايضًا، حفظهم الله وأطال أعمارهم ونفعنا ببركاتهم.

فضيلة الشّيخ أبو صالح محمّد العنداري

عابدٌ فاز في مضمار السّباق وكان من الأوائل، وزاهد ارتقى بزهده بالفاني إلى الدّائم الباقي وكان العالم العامل الآثل. كوكب دُرّيّ في عصره، يضيئه أدبًا وتقى ووراعة وسلامًا. كثير صمته، جميل سمته، حركاته أدب وكلامه عَجب. شيخ البلاد وسيّد من الأسياد الشّيخ أبو صالح محمد العنداري حفظه الله تعالى.

وُلِدَ الشَّيخُ أبو صالحٍ محمَّدٌ العنداريُّ سَنَةَ 1936 ميلاديَّةً في بَلْدَةِ العَبّاديَّة. والدُهُ هو الشَّيخُ الجليلُ العالِمُ أبو محمَّدٍ صالحٌ العنداريُّ، وأمُّهُ السِّتُّ الفاضلةُ نجيبةُ جابر نجم العنداري. عاشَ هو وأختُهُ الكبرى، الّتي تكبرهُ بأربعِ سنواتٍ، في بيتٍ فقيرٍ جدًّا، وترعرعَ على مَسلَكِ الدِّينِ في بيتٍ من أُصولِ بيوتِ الدِّيانة. وعند بُلوغِه الثَّانيةَ عشرةَ من عُمُرِهِ، أيّ في سنةِ 1948، تُوفِّيَت والدتُهُ. وبعدها بستِّ سنواتٍ تُوفِّيَت شقيقتُه، فعاشَ وحيدًا مع والده في بلدته العبّاديَّة. اشتغلَ في أوَّلِ حياتِه في مِهْنَةِ البلاطِ في المنازل، بإتقانٍ وبراعةٍ شديدة، وكان يحرصُ على ألّا يُضيِّع وقتَه هدرًا، وأن يكونَ جادًّا في جميع أعمالِه، وألّا يُهمِلَ أيَّ عملٍ إلى وقتٍ آخر. وفي أواخر الخمسينيّات، سنةَ 1960، انتقلَ هو ووالده إلى بلدةِ بعَلشميَّه، فكان بيتُهما في ذلك الوقتِ كخَلْوَةٍ دينيَّة، يعيشانِ من مَحصولِ أرضِهما من الزِّراعةِ والفواكهِ بالكفاف، في زُهدٍ وتقشُّفٍ ومحافظة.

وكان في بعضِ السِّنين، في فترةِ الشّتاء، يذهبُ إلى البيّاضة، ويمضي أغلبَ الشّتاءِ يتعبَّدُ هناك، في خَلْوَةِ السِّتِّ أمِّ علي نايفة. وكان يتّبعُ المسلكَ الدَّقيقَ في حياتِه؛ فمنذُ أمدٍ طويلٍ لا ينامُ إلَّا غَلَبَةً.

وأمّا من ناحيةِ الطَّعام، فقد قال لي على سبيلِ التَّعليم: “إذا حَضَرَ أيُّ طعامٍ أمامي، فلا أسمحُ لنفسي أبدًا أن تقولَ لي: هذا أطيبُ من هذا أو هذا أشهى. ولكن أنظرُ إلى الحلالِ أوَّلًا، وإلى النّافع وإن كان قديمًا ثانيًا. بمعنى أن أطلبَ ما أراهُ حلالًا مميَّزًا عن غيرِه أوَّلًا، والّذي هو نافع ومُعرَّضٌ للفسادِ أكثرَ من غيرِه ثانيًا”.

وأمّا من حيثُ الكلامُ، فكلامُه موزونٌ، يخرجُ من فمِه بنظامٍ مُكرَّرٍ بسيطٍ مُختصر. ومن ذلك أنّه كان يحفرُ بئرَ ماءٍ بجانب البيت، فهَرَع أفرادٌ من الإخوان لمساعدته. فَعَلِمَت بهم ابنةُ عمِّه، السِّتُّ أسماء، فقالت لزوجةِ أخيها: “اصنعي لهم بعضَ الشَّرابِ وناوليهِم إيّاه”.

فذهبت وصنعت شرابًا ووضعتْهُ في أكوابٍ وخرجت بها. فوجدتِ الشَّيخَ أبا صالحٍ، فقال لها: “ضَعيها على الأرض”. فوضعَتْها أمامه وذهبت، فحملها وذهبَ لضيافتِهم.

فسألهُ أحدُهم: “من أين جئتَ بهم؟” فقال: “إحدى النِّساء وضعتها هناك أمامي”.

وفي السّتينيّات اقترنَ بابنةِ الشَّيخ أبي يوسف فارس العنداري، على أبسطِ ما يكون، وقصَّتُه طويلة. واشتهر هذا البيتُ بصفاتِ الجهادِ والكرمِ والبساطة، فكان مَلْفَى الإخوان لا يخلو من التِّلاوةِ والعبادةِ والذِّكر، ليلًا ونهارًا، إلَّا في القليل.

وكان يقصده أصحابُ الأمراضِ والحاجاتِ، فيبيتون فيه. ودام هذا المَسْرَى حتى اندلعت الحربُ الأهليّةُ في لبنان، فكانت هذه الدّارُ هي الدّواءَ للملهوفين والخائفين، ولها في ذلك حديثٌ طويلٌ واحترامٌ وتقدير، وأخذٌ وهمساتٌ وأقاويل.

فقال المرحومُ الشَّيخُ أبو هاني مسعود شهيب: “إنَّ الشَّيخَ أبا محمّدٍ صالحًا وولدَه الشَّيخَ محمّدًا من العُبّادِ الصُّوفيّة.”

وذكر لنا بعض الإخوان أن ذهب برفقةِ المرحوم شيخِنا الشَّيخِ أبي محمّدٍ صالحٍ إلى البيّاضة. فقال شيخُنا للشَّيخِ أبي عليٍّ مهنّا حسّان بعد السَّلام: “محمّدٌ يسلِّم عليكم.”

فأجاب الشَّيخُ أبو عليٍّ: “قُل: الشَّيخُ محمّد، الشَّيخُ محمّد شيخُنا.”

وكذلك الشَّيخُ أبو حسين إبراهيم أبو حمدان أتى إلى بيروتَ للمعالجةِ بسبب عارضٍ صحّيٍّ أصابه، وكان يحتاجُ المراجعةَ يوميًّا، صباحًا ومساءً. فأصرَّ الشَّيخُ أبو محمّدٍ صالحٌ أن يبقى عنده مدّةَ العلاج. وبعد يومين أو ثلاثة طلب الشَّيخُ أبو حسينٍ إبراهيم المغادرة. وبالمصادفة حضر الشَّيخُ أبو عليٍّ مهنّا لعيادته، فوضع أقارب الشّيخ أبو صالح محمد الشَّيخَ أبا عليٍّ مهنّا في الجوّ، وأخبروه أنّ الشَّيخ أبا حسينٍ يريدُ المغادرةَ ولم يتمِّم العلاج. فقال له بإلحاحٍ شديد: “ابقَ هنا.”

فأجاب الشَّيخُ أبو حسينٍ وولدُه الشَّيخُ أبو يوسف حسين، بتحسُّرٍ وأسى: “كيف أبقى، والشَّيخُ محمّد لا ينامُ في اللّيل، ولا يُفارقُنا ويتركُ خدمتَنا في النَّهار؟! فإنَّ هذا الأمرَ عسيرٌ علينا.”

فدخل الجميعُ لتهدئةِ خاطرِ الشَّيخِ بالّتي هي أحسن.

وقبل وفاةِ المرحومِ الشَّيخِ أبي حسين محمّدٍ الحنّاوي بمدّة، ذهب الشَّيخِ أبو صالح محمّدٍ إلى سوريا، إلى السُّويداء، بمناسبةِ حضورِ ضيوفٍ من فلسطين. وبعد السَّهرةِ، بعد منتصفِ اللّيل، قصد زيارة الشَّيخَ أبا حسين محمّدٍ الحنّاوي. فلمّا وصل سلَّم عليه الشَّيخُ أبو صالحٍ، وأبقى الشّيخ أبو حسين محمّد يده بيده، وقال:

“لا أتوقّعُ أنّ في الجزيرةِ من هو أفضلُ من شيخِنا الشَّيخِ أبي صالحٍ محمّدٍ العنداري.”

وكذلك عنده أشخاصٌ من لبنان زاروا الشَّيخَ أبا حسينٍ محمّدًا، وعندما رجعوا أتوا إلى عند الشَّيخِ أبي صالحٍ محمّدٍ، وقالوا: “الشَّيخُ أبو حسينٍ محمّد الحنّاوي يخصُّك بالسَّلام.”

وقال لنا أكثرُ من شخصٍ، في عدّة مناسباتٍ، عن لسانِ الشَّيخِ أبي حسينٍ محمّدٍ الحنّاوي:

“إنَّ الشَّيخَ أبا صالحٍ محمّدًا العنداريَّ شيخُ الجزيرة.”

وهذا الكلامُ وأمثالُه سمعناه من عدّة أشخاصٍ، ومنهم بالتَّحديد الشَّيخُ أبو نسيبٍ فهيم محمود.

–          ذكر لنا بعض الإخوان أن أصابته في يوم ما وعكة صحيّة، ألزمته الدّخول في المشفى، وأجريت له عمليّة جراحيّة، وحصل بعد العمليّة له مضاعفات خطيرة، ممّا أوجب على الحكيم المختصّ المعالج له، أن يخبره بأن الأمر يوجب الدّخول في العناية الفائقة وكان كلام الدّكتور المختص مع الأخ المريض نهار الأربعاء، فقال له الأخ المريض: اتّكل على اللّه، وما أحسن ما يدبّره الله. وذكر لنا الأخ المريض بأن اتّكأ على الوسادة وهو في غاية من التّوجع والألم، ودخل في سبات بسيط وجاءه منام أن دخل عليه الشّيخ الجليل أبو صالح محمد العنداري وقال له: “يا خيي فلان، طمّن بالك بدها تفرج” وناداه باسمه. واستيقظ الأخ العزيز من سباته، ولم يشعر بألم، وبعدها وفي اليوم الثّاني أجريت له الفحوصات المخبريّة، وكانت نظيفة، فتفاجأ الدّكتور المختصّ (وهو من الإخوان المتديّنين المحترمين) وقصد الأخ المريض وقال له مستغربًا: زال الخطر، وكل شيء رجع إلى طبيعته. فأخبره الأخ العزيز بما رآه في المنام، ففرح الأخ الطّبيب بذلك، وأيقن ببركة الشّيخ الفاضل الجليل أبو صالح محمد العنداري، لأنّ الأمر الّذي حصل خارج عن المعادلات الطّبّيّة بل هو كرامة لشيخنا الجليل ظهرت وبانت.

–          عندما دخل الجيشُ الإسرائيليُّ إلى لبنان، وأقام حاجزًا قبل بلدةِ حاصبيّا، في تلك الأثناء أراد الشَّيخُ أبو محمّدٍ صالحٌ العنداري أن يزورَ خَلْوةَ البيّاضة. فاتَّصلوا بالشَّيخ أبي عليٍّ مهنّا حسّان يُخبِرونه بأنَّ الشَّيخَ أبا محمّدٍ صالحًا صباحَ الغدِ يريدُ الذَّهابَ إلى زيارة البيّاضة المكرَّمة.

فأجاب الشَّيخُ أبو عليٍّ مهنّا حسّان: “أنا سوف أُلاقيكم صباحًا على الحاجز الإسرائيليِّ في الموعد المُعيَّن.”

وفي اليوم التّالي، عند وصول الشَّيخ أبي محمّدٍ صالحٍ ومعه وفدٌ من المشايخ إلى الحاجز الإسرائيليّ، كان الشَّيخُ أبو عليٍّ مهنّا وبرفقته وفدٌ كبير، فالتقوا عند الحاجز الإسرائيليّ، ودخل الجميعُ إلى حاصبيّا بلا سؤالٍ ولا جواب، كأنّه لم يكُن هناك حاجز.

وفي البيّاضة، اتَّصل بعضُ المشايخ بالشَّيخِ أبي يوسف أمين طريف في فلسطين، يُخبِرونه بأنَّ الشَّيخَ أبا محمّدٍ صالحًا العنداري موجودٌ في البيّاضة. فقال الشَّيخ: “إن شاء الله، صباحَ الغد أكونُ في البيّاضة.”

وكذلك اتَّصلوا بالشَّيخ أبي محمّدٍ جواد في بعقلين، وبالشَّيخ أبي حسنٍ عارفٍ في معصريتي، وغيرِهم من المشايخ الآخرين، فكان اجتماعًا حافلًا في البيّاضة، بوجود عددٍ من أعلامِ المشايخ.

وعند التقاء الشَّيخ أبي يوسف أمين طريف بالشَّيخ أبي محمّدٍ صالحٍ، وبعد السّلام والمحادثة، سأل سيّدنا الشَّيخُ أبو يوسف أمين طريفٌ الشَّيخَ أبا محمّدٍ صالحًا عن ولدِه الشَّيخِ محمّد، فقال:

“محمّدٌ مُريحُنا دينًا ودُنيا، ومحمّدٌ حاملٌ كلَّ هُمومِنا وهُمومِ البيت، فادعوا لنا وله.”

فقال الشَّيخُ أبو يوسف أمين طريف: “لنا رغبةٌ بأن يَتكمَّلَ الشَّيخُ محمّد.”

وبعد المُشاورة استجابَ الشَّيخُ محمّدٌ لرغبةِ فضيلةِ الشَّيخِ أبي يوسف أمين طريف، وتمَّ تكميله، وبورك له في البيّاضة المباركة. وبعدَ تحريرِ الشَّحار بمدّة، حضر الشَّيخُ أبو حسنٍ عارفٌ حلاوي، وألبسَ الشَّيخَ أبا صالحٍ محمّدًا العباءةَ المُقَلَّمة.

–          أتى إلى عند الشَّيخِ أبي صالحٍ محمّدٍ بعضُ الإخوان، وكانت نيَّتُهم الذَّهابَ إلى سوريا، إلى جبل الدروز. فقالوا للشَّيخ: “نريدُ أن تذهب معنا إلى الجبل.”

فقال لهم: “أخبَرونا أنّ شقيقةَ الشَّيخِ أبي حسينٍ الحنّاوي مريضةٌ في حالةِ النِّزاع، وإذا قُدِّر لها وفاة، عندي رغبةٌ أن أحضرَ أجرَها. فإن ذهبتُ الآن وتُوفِّيت بعد وقتٍ قريب، لا أحبُّ أن يكون لي زيارتان في وقتٍ متقارب. عندي رغبةٌ أن أذهب وقتَ وفاتها. فإذا ذهبتُ الآن معكم، وتُوفِّيت بعد وقتٍ قريب، أستصعِبُ أن أذهبَ في زيارتين وراء بعضهما في وقتٍ قريب.”

فأصرّوا عليه أن يذهبَ معهم، وهو يقول: “أحبُّ أن أذهبَ عند وفاة شقيقته الفاضلة. فأصرّوا كثيرًا، وهو يُكرِّر عدّةَ مرّات: “عندي رغبةٌ أن أذهب وقتَ وفاتها.” فلم يتراجعوا، وتابعوا الإصرارَ حتّى أخذوه معهم.

وعند وصولهم إلى قريةِ “مردك”، وكان أحدُ المشايخِ اللّبنانيّين مُقيمًا هناك، قالوا له أمام بيتِه: “هنا بيتُ فلان، هل تُريد أن نقوم بزيارته؟”

فقال: “مثل ما بدكم.”

وعند دخولهم إلى المنزل، وقبل أن يجلسوا، رنَّ الهاتفُ، فإذا بها نَعوةُ شقيقةِ الشَّيخِ أبي حسينٍ محمّدٍ الحنّاوي. فأكملوا الزِّيارة، ثمَّ قاموا ذاهبين إلى السُّهوة، فكانوا أوَّلَ الواصلين عند وفاتها.

–          الشَّيخُ أبو نسيبٍ فهيمٌ محمود، من بلدةِ المحيدثة، اشترى شقّةً في بلدةِ بعَلشميّة وسكنَ فيها. وكان يتردَّدُ إلى بيتِ الشَّيخِ أبي صالحٍ محمّدٍ العنداري. ففي يومٍ من الأيّام أحسَّ بوجعٍ في صدرِه، فذهبَ إلى الطَّبيب، وأجرى فحوصاتٍ وصورًا، فظهرت لَحمِيّةٌ في صدرِه في مكانٍ خطير، وكانت مستمرّةً في طريقِها إلى النُّمُوّ، ولو نَمَت زيادةً لأحدَثت سوءًا لِحَدِّ الأعضاء، ممّا قد يؤدّي إلى الوفاة. فقال له الطَّبيب: “يَلزمُكَ عمليّةٌ حالًا، فإنّ حالتَكَ خطِرة.” فذهبَ إلى بيتِ الشَّيخِ أبي صالحٍ محمّدٍ وأخبرَه بذلك، فقال له الشَّيخ: “أطلب من الله أن يُريحَكَ منها ومن العمليّة.” ثمّ بعد مُدّة عاد إلى الطَّبيب، فقال له الطَّبيب: “ماذا قرَّرت؟”

فقال له: “كم تُكلِّف العمليّة؟”

فقال الطَّبيب: “عمليّة دقيقة وخطيرة، تُكلِّف ما يُقارب 34,000 دولار.”

فقال: “الآن أتمهّلُ في أخذ القرار.”

فقال له الطَّبيب: “إنْ بقيت هذه اللَّحميّةُ فحالتُك في خطر.”

فرجع إلى الشَّيخِ أبي صالحٍ وأخبرَه بقول الطَّبيب، فقال له:

“أراحكَ اللهُ منها، اصرفِ النَّظرَ عن العمليّة.”

ثمّ اتّصل بالحكيم وقال له: “اتَّخذتُ القرارَ بعدم إجراء العمليّة.”

فقال له الطَّبيب: “إنَّ هذا خطرٌ عليك، وعلى كلِّ حال أنا الآن مسافرٌ، وسأغيبُ قريبَ شهر، وعندما أعودُ أتَّصلُ بك ونُراجع الوضع.”

ولمّا عاد الطَّبيب اتَّصل به، فذهبَ وراجع الفحوصاتِ والصّور. وعند النّتيجة قال له الطَّبيب:

“هل زارك النّبيُّ أيّوب؟”

فقال له: “ولماذا؟”

فقال: “لا يوجد أثرٌ للَّحميّة، واللهُ أراحكَ منها.”

وقد قال فيه أحد الأصدقاء الإخوان المحبّين:

يـا وجةٌ سعـدٍ بالتُقى وضّـاء بـدرُ الـسّـلام، مجـدك الغلـيـاءُ
من قلبك المـيـمـون مـن ســدق الـولا مـن طُـهـر فـكـر زالـت الأرزاءُ
مـن كان مثلُك للإله مراقباً فالرّأي فيك مُسدَدٌ بنّاءُ
وقد اجنباك مكرّمًا باري الورى تمضي بوفقةٍ ما يشاءُ تشاءُ
وسنين عمرك اشرقت ما أظلمت مهما كبرت تباركت آراءُ
رأيٌ رجيحٌ مُستقى من حكمة الـ عقلِ الرّزين فأشرقت حوباءُ
فهو التّآلف والتّوافق والصّفا فهو التّواضع عزّة ووفاءُ
أكرِم به يا دهرُ فهو “محمد” شيخٌ وليّ فاضل معطاءُ
متزهّد، متعفّف، ومجاهدٌ بل أشرقت من سرّك الظلماءُ
أحييتَ بالذّكر الحكيم ليالياً متضرِّعًا ما صدّك الإعياءُ
لليل أنت نهارهُ وضياؤه متفاخرٌ في شخصك الإماءُ
في الصّبح نحو الحقل تغدو باكرًا تجني الحلال، فطابت الأهواءُ
في الجلّ يصفو القلب يملأُ حكمةٌ وترادفت شكرًا لك الألاءُ
توّجتَ خلان الوفا وشيوخَنا فرحت بطيب صـنيمك الغيراءُ
والأرض من قطر السّماء اخضوضرت والقلب من قطر الوفاء هناء
طابت مساعيك المباركة الّتي فيها السّداد مبلّج وصَفَاءُ
أبقاك للخلّة الأبرار خالقُنا حرزًا مصونًا، للبلا إجلاء
أنفاس طُهرك بلسم لكروبنا رشدٌ ونصحٌ مخلصٌ ودعاءُ
يا رب اِرحم ضعفنا بوجوده شيخ البلاد وشمسنا الألاءُ
والله يجمع شملنا متلفًا في الوفقِ حصن تحفظُ النّعماء

في الأعداد القادمة إن شاء الله سننشر مقالات عن المشايخ الأفاضل: فضيلة الشّيخ أبو يوسف أمين الصّايغ، فضيلة الشّيخ أبو زين الدّين حسن غنّام، فضيلة الشّيخ المرحوم أبو هاني مسعود شهيِّب وفضيلة الشّيخ أبو محمود سعيد فرج.

مقالات ذات صلة: