الموقع قيد التحديث!

عينينا هنّي أسامينا..

بقلم الكاتبة شهربان معدّي – يركا
من كتابها: “لا تترك يدي”

ران صبيٌّ مثل الوردة، كان يجلس بهدوء على مقعده في مؤخّرة الصّفّ. ومن الوهلة الأولى لفتت نظري عيناه الشّقيّتان اللّتان تفيضان سعادةً وحيويّة، وبشرته البيضاء الرّقيقة مثل ورقة بنفسج.

وعندما أتى دوره ليُعرّف عن نفسه، أسوةً بباقي أولاد صفّه، أجابني وهو مشغول بترتيب مقلمته:

– اسمي ران…

– ران؟! سألته بتعجّب: وهل تعرف ما معنى اسمك يا ران؟

– لا يا معلمتي…

أجابني وكأنه ليس من حقه أن يعرف ذلك.

وصدقًا أقول: لم يكن ران وحده الّذي لا يعرف معنى اسمه، فكثير من الطّلّاب والطّالبات الّذين قابلتهم في مجال عملي لم يخبرهم ذووهم عن معاني أسمائهم. طلّاب مثل عصافير الجنّة في حسن سماتهم ولطافة حركاتهم، لكنّهم ظُلموا بأسماء قديمة أو أجنبيّة أو أعجميّة، لا تعكس هذا البهاء الّذي وهبهم الله إيّاه.

وهذا أوجعني كثيرًا. وعتبي هنا على الأهل الكرام الّذين يمنحون أبناءهم هذه الأسماء دون أن يفتّشوا أو يعرفوا، على الأقلّ، معانيها. والسّيّدة «جوجل» لا تبخل علينا بشيء من خيراتها ومواردها الغنّاء، والجوّال لا يبارح أياديهم ساعات طويلة، فلماذا لا يستغلّونه في مثل هذه الأمور المصيريّة؟

أسماء أولادهم الّتي سيعانون منها مدى العمر…

وكم من أهلٍ ظلموا أولادهم بمحاكاة أسماء أجنبيّة أو عبريّة، بحجّة سرعة اندماجهم في المجتمع اليهوديّ، أو لأنّهم يرون الأسماء العربيّة تقليدًا متخلِّفًا أكل الدّهر عليه وشرب. ولكنّ ثمّة أسماء بلا معانٍ، لا تعكس ثقافتنا ولا تربيتنا ولا جوهر عقيدتنا؛ أسماء جوفاء يتيمة نظلم بها أغلى ما نملك، مثل: جيسيكا، ران، رون، رونيت، ليران، ميكال، أنجل، نانا، جوانا… والقائمة طويلة… طويلة…

ران معناه: غلب وغطّى. وقد ورد في القرآن الكريم:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

أي غلب وغطّى عليها، أو طبع عليها. فالـرَّيْن: صدأ يعلو الشّيء الجلّي. قال تعالى: ﴿بل ران على قلوبهم﴾ [المطففين: 14]، أي صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الخير من الشّر.

صحيح أن أسماءنا تصبح جميلة عندما ينادينا بها من يحبّنا ويقدّرنا، ولكنّ من الواجب على الأهل أن ينتقوا أسماء أولادهم بحكمة وذمّة وضمير، وكثير من الحبّ؛ أسماء تحمل معاني جميلة راقية تعكس ثقافتهم ووعيهم وشخص الطّفل المُسمّى، لأنّه سيحملها معه إلى الأبد.

وهو حقّ للطّفل البريء أن يحمل اسمًا جميلًا يعكس الخير والفرح والمحبّة والعطاء والرّقيّ، ويُطرِب أذن المتلقي والمنادى على حدّ سواء.

وقد تفنّن أجدادنا في انتقاء أسماء أولادهم وفلذات أكبادهم، مثل: جوهرة، المازة (أي الماسّة)، ملكة، نور، جنى، جِنان، جورية، شمّامة، أريج، عبير، كمال، جمال، سند، صنديد، منير، صالح، أمين، وهيب، جميل، جلال، حسن، سلمان (أي سَلِمَ من الذّنوب والمعاصي)، سليم، نديم، فخري، مجدي… والقائمة طويلة…

وكم من أهالٍ ظلموا أولادهم عندما منحوا أبناءهم أسماء غريبة أو عجيبة أو غير مستساغة، كأسماء الحيوانات المفترسة: ضرغام، فهد، صقر، هيّثم… وهي كناية عن الشّجاعة، لكنّها أصبحت عبئًا ثقيلًا على أكتاف أصحابها.

وليتهم فتّشوا في دوحة اللّغة العربيّة الغنّاء الّتي تزخر بأروع وأرقى المفردات؛ فقد تفرّدت عن باقي اللّغات في التّعبير العلميّ والفنّيّ. تصوّر ألفاظها مشاهد الطّبيعة، وتمثّل كلماتها خطرات النّفوس، وتكاد تتجلّى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنّما كلماتها خطوات الضّمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة.

سماؤها أعلى من الوصف والحصر؛ تثبّت العقل وتزيد في المروءة، ولذلك تُعدّ من أنقى وأرقى لغات العالم.

يشفق الشّاعر جوزيف حرب، في كلمات عذبة غنّتها السّيّدة فيروز بألحان الرّائع فيلمون وهبي، على ذَوينا الّذين اختاروا لنا أسماءنا بعد ولادتنا:

«أسامينا… شو تعبوا أهالينا تلاقوها

وشو افتكروا فينا…»

مع أن الأسماء ليست سوى مجرّد كلام، وأنّ أسماءنا الحقيقيّة تكمن في لون وشكل أعيننا:

«الأسامي كلام… شو خصّ الكلام

عينينا هنّي أسامينا».

فلو جمعنا أسماء العشّاق من الكتب المنسيّة والقصائد العتيقة، وأشعلنا فيها النّار، حسب جوزيف حرب، لتحوّلت سريعًا إلى رماد دون أن تدفّئنا.

وهناك اعتقاد شرقيّ قديم بأنّ الاسم ينزل على صاحبه من السّماء، وكأنّه همسٌ خفيّ يحمل ذاتًا خفيّة وراء المعنى الظّاهر. وتتساءل الأديبة الكبيرة مي زيادة:

«أليس وراء هذه الرّوحانيّة المستترة خلف الأسماء معنى الحساب بالأرقام والحروف، الّذي لا يُستهان به في أصوله الفيثاغوريّة؟»

وثمّة فيلسوف هندي كان يقضي وقتًا طويلًا يكرّر لنفسه اسمه، حتّى تتكشف له حجب الغيب وتستيقظ ذاته البصيرة، العليمة. الموحّدون الدّروز ما زالت عادة «الحساب» قبل تسمية مولود جديد — الّتي تعتمد على حساب الجُمّل الكبير لمعرفة الأبراج – حاضرة في ثقافتنا. وكان الشّيخ المرحوم سلمان المنّ، من قرية كسرى، يقوم بهذه الحسابات حسنةً لوجه الله، مستندًا إلى كتب دينيّة، فلسفيّة، وقد حذا حذوه أحفاده الثّقات، بفضل هذه الكتب ومصداقيّة ما يقومون به…  

مقالات ذات صلة:

العدد 4 – اب 1983

العدد 4 – اب 1983 Share on whatsapp Share on skype Share on facebook Share on telegram لتحميل العدد Pdf