
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات، وبفضله تُرفع الدرجات، والصّلاة والسّلام على جميع الأنبياء والمرسلين وبعد،
في هذه الفترة العصيبة الّتي تعصف بمنطقتنا، حيث تتكاثر الصّراعات وتشتدّ الحروب وعلى وجه الخصوص مع أبناء عشيرتنا المعروفيّة في منطقة الجبل والسّويداء، نستحضر في هذه الأيّام الذّكرى الثّانية والثّلاثين لرحيل سيّدنا وشيخنا الجليل أبو يوسف أمين طريف رضي الله عنه وطيّب ثراه، المرجع الرّوحي الأكبر للطّائفة الدّرزيّة في العالم. هذه المناسبة هي ليست مجرّد ذكرى وفاة، بل هي محطّة لتجديد العهد مع القِيَم والمبادئ التي رسّخها فضيلته في حياته المباركة، قِيَم التّوحيد الخالص، والإيمان العميق، والورع، والحكمة، والصّبر، والتّواضع، والسّعي الحثيث لصون أمّة التّوحيد أينما كانت.
لقد شكّل فضيلة الشّيخ أمين طريف (ر) قدوة نادرة ومثالًا خالدًا في القيادة الرّوحيّة والاجتماعيّة، إذ جمع بين الزّهد والتّقوى من جهة، والحنكة والبصيرة من جهة أخرى. فكان حضوره بارزًا في حماية أبناء الطائفة داخل البلاد وخارجها، وتثبيت وحدتهم، والدّفاع عن كرامتهم وهويتهم. وقد ذاع صيته في العالم كلّه كرمزٍ للعدل والإنصاف، حتّى غدا مدرسة تُعلّم وتُدرّس للأجيال الصّاعدة.
وممّا لا شكّ فيه، فإنّ ذكرى فضيلته لا تذكّرنا بقِيم التّوحيد وأصالته فقط وإنّما بغيرته واهتمامه وزياراته ولقاءاته مع مشايخ وأهل جبل الدّروز والسّويداء ولبنان وسعيه الحثيث من أجل الحفاظ على أمّ ة التّوحيد، خصوصًا في أوقات المحن والشّدائد، فقد دأب دومًا على توسيع رقعة التّواصل والاتّصالات مع قيادات ومشايخ وأبناء الطّائفة وراء الحدود، ففي سنوات الثّلاثين قام فضيلة الشّيخ أمين طريف (ر) بزيارات أخوية الى سوريا ولبنان، وفي العام 1940 قام باستقبال وفد درزيّ سوريّ كبير وقف على رأسه المرحوم الزّعيم عبد الغفّار باشا الأطرش والقادة زيد الأطرش وحمزة درويش وعد من الوجهاء من أبطال الثورة السّوريّة الكبرى بعد أن اغتال الثوّار المرحوم الشّيخ حسن خنيفس، أمّا في العام 1946 فقد ترأّس وفداً عالي المستوى ضمّ المرحوم سيّدنا الشّيخ أبي حسن محمود فرج والمعلم الفيلسوف كمال جنبلاط وعددًا من كبار المشايخ والأعيان توجّه في حينه الى سوريا لعقد راية الصّلح بعد الانقسام الكبير في الجبل الّذي عُرف بالنّزاع بين الشّعبيّة والطّرشان وكان له ما أراد.
إنّ ما يثلج الصّدور ، هو استمرار هذه الزّيارات المتبادلة بعد قيام دولة إسرائيل وهذا التّواصل وهذه اللُّحمة بين مشايخ وأبناء عشيرتنا الواحدة على مرّ الزّمان والأوقات، وهنا لا يسعني إلّا أن أعبِّر عن خالص شكري وتقديري لسماحة الشّيخ أبي حسن موفق طريف أطال الله عمره، على موقفه الرّاسخ الجبار ومساعيه الهامّة محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا الّتي حقّقت النّتائج المطلوبة، وعلى دعمه غير المتناهي لأهلنا في الجبل والسّويداء ولكّل من أدلى بدلوه وقدّم المعونة والدّعم في هذه المحنة الّتي تعرّض لها أبناء العشيرة المعروفيّة هناك، حيث لا يمكن أن نغفل عمّا يجري وجرى في جبل الدّروز وفي محافظة السّويداء من أوضاع صعبة وتحديّات خطيرة. إنّ الحرب الدّائرة وما تخلّفه من معاناة إنسانيّة وأمنيّة، تضعنا جميعًا أمام مسؤوليّة أخلاقيّة وروحيّة كبرى، تدفعنا للوقوف صفًّا واحدًا في التّضامن مع إخوتنا وأهلنا هناك، وفاءً للتّاريخ وصونًا للهويّة التّوحيديّة.
لقد أثبتت الطّائفة الدّرزيّة في إسرائيل عبر التّاريخ قربها ووفاءها لأبناء العشيرة المعروفيّة أينما كانوا، وها هي في الفترة الرّاهنة تجدّد هذا العهد مع أهلنا في السويداء التعاطف مع آلامهم، والتّعبير عن تضامنهم، والدّعاء لهم بالصّمود والثّبات. كما أنّ المجتمع الإسرائيلي بأسره، وعلى مختلف المستويات، قد عبر ولا يزال يعبّر عن دعمه وحرصه على سلامة الطّائفة الدّرزيّة في سوريا قولًا وفعلًا، إدراكًا بأهميّة هذا الشّأن ولأواصر الأخوّة والإنسانيّة المشتركة. وفي الختام وفي هذه المناسبة، التي نقف فيها بخشوع أمام روح سيّدنا الشّيخ أمين طريف رضي الله عنه، نرفع الدُّعاء إلى الله العليّ القدير أن يحفظ جبل الدّروز والسّويداء، وأن يرفع عن أهله البلاء، ويحقن دماءهم، ويكتب لهم الأمن والسّلام. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يلهم قادة الطّائفة في كلّ مكان الحكمة والرّشاد ويوحِّد الصّفّ، وأن يمدّهم بالقوّة والثّبات لمواجهة هذه التّحدّيات. رحم الله شيخنا الكبير أبا يوسف أمين (ر)، وأسكنه فسيح جنّاته، وجعل ذكراه نبراسًا نهتدي به في طريق الحقّ والخير، وجمع شمل أبناء أمّة التّوحيد على كلمة سواء، في المحبّة والوحدة والكرامة لإنّ وحدة الصّفّ الدّرزيّ حول العالم تبقى الرّكيزة الأهمّ لصون وجود الطّائفة وتعزيز قوّتها، وهي الدّعوة الصّادقة الّتي نرفعها الى الله العلي القدير في هذه الذّكرى المباركة: أن يكون أبناء التّوحيد جميعًا كالجسد الواحد، متآزرين متحابّين، متّحدين في العقيدة والمصير، إنّه السّميع المجيب. v