
“هنالك شعب يعيش على شاطئ سوريا لا يُعرف عنه إلّا الاسم، وهذا ما يوجب على المراقب أن يزيد في إنعام النّظر، فقوانينه وعاداته ودينه الّتي لا تنتمي إلّا إليه وحده، تجعل منه يختلف عن الآخرين، ومهما كان هذا الشّعب غامضًا فإنّه مع ذلك يتمتّع بميزة ثمينة: هي الحرّيّة. فتدوين تاريخ شعب مجهول تقف مطامعه عند حدّ العيش بطمأنينة في جباله الّتي تكون مجمل ما له من قوة لا يمكن أن يجود بأحداث مثيرة ترضي الفضول”. (جان ميشال فنتور دي بارادي).
شعب واحد، دين واحد ونظام اجتماعيّ واحد، فكيف تقسّم المجتمع الدّرزيّ إلى طبقات؟ البيك والشّيخ والفلّاح؟ يُعدّ المجتمع الدّرزيّ في لبنان كمجتمع إقطاعيّ: فسكّان الجبل تقسم إلى طبقتيْن: طبقة الحكّام وطبقة العامّة. لم تكن متساوية في الحقوق والواجبات. فكان الأمراء من آل شهاب، آل أرسلان، آل أبي اللّمع وآل حرفوش. وكان من المشايخ آل جنبلاط، آل نكد، آل عماد، آل عبد الملك، آل تلحوق وآل حمادة الدّروز، آل الخازن وآل حبيش من الموارنة. (هذا العائلات بقيت وفقاً للمصالح الاقتصاديّة والسّياسيّة للأسر المقاطعجية الحاكمة ولم تأخذ المنحنى الطّائفيّ إلّا عهد الأمير الشّهابيّ الثّاني).
فالنّظام الإقطاعيّ هو النّظام السّياسيّ الّذي كان سائدًا في المجتمع اللّبناني، يُسمّى مقاطعجيًّا أي نظام التزام الضّرائب على مقاطعة ما وتأدية حصّة معيّنة منها للدّولة القائمة كضريبة سنويّة. وهو نظام متعاقب في بلاد الشّام أثناء الحكم الإسلامي. فسلطة الدّولة الحاكمة تقوم على ركنيْن: القوّة العسكريّة والقوّة الاقتصاديّة: فإنّ الّضرائب المفروضة على الأراضي الزّراعيّة، كانت المصدر الأساسي الّذي يُغذّي ميزانية الدّولة بالمال، وبالتّالي فإنّ مصدر القوّة السّياسّية هو ممارسة الّسلطة على أرض المقاطعة الّتي كانت تُنسب ملكيّتها للدّولة وليس للعاملين عليها. ومن هنا القول الشّائع: “الأرض أرض السّلطان”.
في نهاية العهد المملوكي (1250 – 1516) كانت بلاد الشّام موطنًا لجماعات تقوم على عصبيّات قبليّة كبني طيّ وتنّوخ، أو عنصريّة كالتركمان والأكراد، أو مذهبيّة كالعلويين والدّروز. وكان زعماء تلك القوى المحليّة معترفًا بهم في النّظام المملوكي كجزء من السّلطة الحاكمة. وبعد انتصار السّلطان سليم في معركة مرج دابق عام 1516 ووصوله إلى الشّام أعترف بالوضع السّياسيّ والاقتصاديّ القائم فأبقى على الّسلطات المقاطعجيّة مقابل قيامها بجباية الضّرائب ودفع قيمة الالتزام الّسنويّ إلى خزينة السّلطنة. في عهد المماليك كان معظم الإقطاعيين من العسكريّين، فضلًا عن ذلك، فقد منح السّلاطين المماليك زعماء العشائر آنذاك إقطاعات معيّنة مقابل مهمّات عسكريّة محّددة. مثالًا: كلّف التّنوخيّون بالدّرك على جبل بيروت وعلى المنطقة السّاحليّة الممتدّة من نهر الكلب حتى صيدا مقابل إقطاعهم منطقة الغرب والشّوف. بينما كان الفلّاحين أو العامّة يعملون في الأرض كوسيلة أساسيّة للإنتاج لقاء حصّة ضئيلة من الغلال الّتي تنتجها. مع مرور الوقت ازدادت ثروة الإقطاعيين ونفوذهم بينما ضعفت طبقة الفلّاحين وزاد تعلقّهم بالإقطاعيين ليزيد الفارق الاجتماعيّ بين الطبقتيْن وتعلق الفلاحين بأصحاب الأراضي.
على رأس العائلة الإقطاعيّة أمير، له صفة السّيّد المطلق، وتتوجّب له الثّقة والاحترام، تقتصر ماليته على مدخول الأراضي الّتي يملكها وعلى حاصلات الجمارك والعقود الّتي يخصّ نفسه بريعها. فثروته مع ذلك تكفيه ليكون ممثّلًا مهيبًا في نظر شعب بسيط لا يعرف البذخ وتبذير المال. هو مسؤول تجاه الباب العالي عن ضرائب الجبل المكلّف بتحصيلها من مالكي الأراضي. في فترات من الزّمن لم يكن الأمير من العائلة الإقطاعيّة، وإن أراد الأمير جبي الضّرائب كلف بذلك أعيان المقاطعجيه. من منطلق صلاحياتهم، مارس الأعيان المقاطعجيون السّلطات القضائيّة داخل مقاطعتهم، فكانوا يستمعون إلى شكاوى النّاس ويفرضون العقوبات على المذنبين كالحبس والجلد والسّخرة والغرامة، وقد يفرضون عقوبات شديدة (لم يسمح له بفرض عقوبات تضرّ بالجسد كبتر اليد). يلتزم رجال الأقطاع بناحيتيْن أساسيتيْن هما في أساس النّظام المقاطعجي: الأوّل جمع الأموال الأميريّة من العهدة الّتي تعهدّوا التزامها، والثّانية تقدّم الخدمة الإقطاعيّة بجمع الرّجال والفرسان والتّوجّه إلى ساحة المعركة عندما تتعرّض البلاد للعدوان. فيقوم الزّعيم المقاطعجي بتعبئة مقاتليه وتأمين ما يحتاجون إليه من زاد، وقيادتهم في المعارك ومن ثمّ العودة بهم إلى قراهم بعد انتهاء القتال. وكانت وجبة المقاتل لا تتعدّى الخبز والبصل والجبنة والزّيتون وبعض الفواكه.
مع مرور الوقت وكثرة المعارك بين العائلات الإقطاعيّة على النّفوذ والّسلطة، ضعف الموقف السّياسّي لبعض العائلات ممّا أدّى لهجرة بعض منها، في الحين ذاته ازداد نفوذ العائلات المنتصرة. بينما بقيت العائلات الحاكمة بمكانتها وفي بعض الأحيان ازدادت قوّتها. ففي كلّ فتره أصبح هنالك تهديد لصاحب النّفوذ جعل هذا الخطر كأنّه ضد عامّة الشّعب والفلّاحين ليهبّوا مسرعين للدّفاع عن سيّدهم وكأنّ الخطر على ذاتهم. إلّا في المعارك الطّائفيّة الّتي أدرك بها الفلّاحون خطورة الموقف لأبناء الطّائفة ذاتها.
لعلّ خير مثال على ذلك هي عائلة جنبلاط: أسرة عريقة قديمة، زعم بعض المؤرّخين أنّها كرديّة وقال غيرهم إنّها عربيّة عباسيّة. أشتهر من هذه الأسرة منتا شاه، فأُعجب به السّلطان عثمان الأوّل فولّاه أكراد الشّام وحلب وضواحيها في أوائل القرن الرّابع عشر. خلفه ابنه عرب شاه الملقّب بأن عربو, خاض زعمائهم عدّة معارك ضد المماليك والعثمانيين وخصوصًا علي جنبلاط الّذي تحالف مع الأمير فخر الدّين بن معن وخسر معركة الغمق سنة 1607 أمام العثمانيين الّذين قوّضوا مملكته إلى شمال حلب.
استقرّت بعض فروع العائلة في جبال الشّوف. وسكن جنبلاط جنبلاط مزرعة الشّوف نحو سنة 1630, وجاء بعده ابنه رباح ثمّ حفيده علي الّذي يعدّ المؤسِّس للزّعامة الجنبلاطيّة في لبنان. مثّلت الأسرة الجنبلاطيّة دورًا مهمًّا في تاريخ لبنان واحتّلت مكانة رفيعة في سياسة البلاد، وكان لها دور فعّال لم يغب عن مجرى الحياة السّياسيّة، وأنجبت عددًا من رجال السّياسة والعلم والفروسيّة وعلى طليعتهم علي وبشير وسعيد وكمال والسّت نظيرة.
بقي النّظام الاجتماعيّ قائمًا في لبنان حتّى يومنا هذا. بإمكاننا أن نرى مثالّا على ذلك توارث المناصب الحكوميّة أو إدارة المناطق (المقاطعة) بنفس الطّريقة قبل قيام دولة لبنان عام 1943. فهكذا بقي الزّعيم زعيم والفلّاح فلاّح وسادت الفوارق الاجتماعيّة بين النّاس. فلا يمكن مناداة مقاطعجي بلقب شيخ لأنّ هذا اللّقب يمثّل رجل دين، فلُقِّب بالبيك. v
المصادر:
- تاريخ الدروز شعب لبنان
- بين الدّروز والموارنة 1840 – 1860
- أبحاث في التّاريخ السّياسي الاجتماعي للموحّدين الدّروز