الموقع قيد التحديث!

صدور كتاب “مذهب الاعتدال في دين الكمال” لفضيلة الشّيخ ماجد أبو سعد

صدر للشّيخ ماجد أبو سعد الجليل، التّقيّ، الورع، الدّيّان، العلّامة العالِم العامل، الباحث، كتابًا بعنوان “مذهب الاعتدال في دين الكمال”. الكتاب من الحجم الكبير يقع في 444 صفحة مؤلّف من الورق السّميك الصّقيل ومجلّد بتجليد فاخر مذهّب.

 يبحث أحد عشر موضوعًا، الأوّل منها: رؤية الله عزّ وجلّ يوم القيامة، الثّاني: حول قيام الدّولة الفاطميّة، الثّالث: بحث فقهيٌّ في مسألة الزّواج والطّلاق، الرّابع: معنى الحِكمة، الخامس: سلمان الفارسيّ سلام الله عليه رمز لوحدة الإنسانيّة، السّادس: الذّبيح من هو إسماعيل أم إسحق؟ عليهما السّلام، السّابع: الأضحى والفطر، الثّامن: أركان تعبُّديّة، التّاسع: العقل، العاشر: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكَر، الحادي عشر: الحرّيّة الإنسانيّة.

لقد جاء في آخر كلمة الاستهلال: “اِقراّ كتاب الله وتدبّر معانيه، واجعله غذاء دائمًا لقلبك وعقلك، ولا تتواكل، بل توكّل، واجتهد ولا تكسل تصل إلى الجواب دون أن تسأل، فميراث الموحِّدين هو الكتاب المسطور وسُنّة النّبيّ الأكرم وما شرحه أساطين الفقه وأئمة العِلم. وفي ثنايا كتابنا المتواضع من أقوال السّادة الأئمّة إشارات يراها البصير ويفقهها الخبير، ونأمل أن تكون في الأبحاث المنتقاة في هذا الكتاب أجوبة شافية وأدلّة كافية لتصوُّر سليم وفهم رصين لمذهب التوحيد.

وكُتب على الغلاف الخلفيّ ما يلي:

إنّ ما قدّمناه من أبحاث في هذا الكتاب ثمرة جهد متواضع لإبراز مذهب التّوحيد الإسلاميّ بصورته الحقيقيّة الصّافية، ونهجه المعتدل، ورؤيته الثّاقبة في الوصول إلى جوهر التّديُّن دون الوقوف عند الظّواهر الجامدة.

ويراه المتبصِّر مذهبًا توفيقيًّا في الإسلام، منفتحًا على الدّيانات الكتابيّة كتراث إنسانيّ نفيس، تجمعه أُسس التّوحيد المشتركة مع التّنوّع   في الخصوصيّة في ترابط وثيق، يجعل التّلاقي بين أهل الدّيانات واجبًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا، ويتجاوز حدود التّعصُّب الأعمى والتّقليد الجاهل والأنا الحاجبة، فالحقّ تعالى إله الخلق جميعهم، والشّيطان عدوّهم، والأديان سفينة النّجاة الّتي مخرت عُباب الزّمن لتقودهم إلى شاطئ الأمان الأُخرويّ في حضارة إنسانيّة جامعة، ومحطّات تاريخيّة متّصلة.

أسرة “العمامة” تشدّ على يدي الشّيخ ماجد وتشجّعه على تأليف وإخراج كتب قيّمة مثل الّتي أصدرها وتقول له: بوركت العقول النيِّرة الخلّاقة، وسلِمت الأيادي البيضاء المعطاءة، الله يسدد خطاك ويقوّيك ويعطيك الصّحّة والعافية، ودُمتَ ذُخرًا للطّائفة. وتوصي جميع أبناء الطّائفة التوحيديّة المعروفيّة باقتناء وقراءة هذا الكتاب القيّم المفيد الفريد.

الزّواج

لقد استندنا واعتمدنا واستقينا معلومات مقال “الزّواج” من هذا الكتاب. 

الزّواج آية من آيات الواحد الأحد بعد آية الخلق، والإنسان مخلوق مفتقرٌ إلى الله، مضطرٌّ إلى العون في كلّ حين. والله الغنيّ مطلق الكرم والجود، وقد علّم الإنسان أنّ المراد منه في الوجود العبادة والتّوحيد، وقد منحه عقلًا ليعي فكان نعمة باطنة، وبعث إليه رسلًا تهدي لتتمّ النّعمة، وخلق الله له من جنسه زوجًا ليكون له عونًا على مسيرة التّقوى، يألفه ويأنس به، ويسكن إليه لعلَّة المجانسة، ويستنهضه ويحرّك كلّ دواعي العمل في نفسه، ليطبع قدراته الفاضلة الكامنة في مرآة نفسه المزاوجة الموازية المقابلة؛ زوج صالح زوجة صالحة، بناء متين مكّنه الله بما جعل بينهما مودّة ورحمة، ليتحقّق غرض الحياة الّذي أشار إليه بارئ المبروءات. لأنّ رسالة العبادة مقدّسة وعمرها في الدّنيا، فلا بدّ كم شرعة باقية في الأجساد الفانية ليبقى مشعل الفضيلة محمولًا جيلًا بعد جيل إلى يوم القيامة. فسنّ الزّواج بهدف الولادة أوّلًا، فكان رباطًا مقدّسًا، يحفظ النّوع الّذي كرّمه الله، ويبقى النّسل الّذي لأجله وُجدت الدُنيا.

قال أفلاطون الحكيم: الفضائل الإلهيّة أربعة: العدل والحكمة والشّجاعة والعِفّة، فالشّجاعة قهر الغضب، والعفّة قهر الشّهوة، ومعناها ألّا تعلو على العقل. وأوجدت الشّهوة لِتُقيَّد بزمام الشّرع وتتّبع العقل. ومَن أحبّ أن يلقى الله طاهرًا مُطهَّرًا فليتفّف بزوجة يعني يسلك طريق الحلال وبهذا يدخل الزّواج دائرة التّعبُّد وينهل من معين الدّين ماء غدقًا وتبقى شجرة الوجود مثمرة مورقة.

قيل في الحديث الشّريف: ما عُبد الله بأفضل من عِفّة بطن وفَرج، لنؤكّد أنّ ثَمّ قيْديْن محموديْن في العبادة التّوحيديّة، وهما قيد الحلال وقيد الاعتدال: فقيْد الحلال الامتناع عن المحرّمات، ومَن صان حرمة نفسه من أن تمسّها المحرّمات حرّم الله عليه النّار أن تمسّه بعذاب دائم، وقيد الاعتدال هم سمة الأمّة الوسطى وكما أن الوسطيّة في العقيدة تعني الاعتقاد بوجود الله الحيّ القدير العالم، وتنزيه هذا الوجود عن مشاركة الموجودات المحدودة عقًل وحسًّا، فعفّة لبطن ألّا يشبع، وعفّة الفرج بالزّواج المحلَّل بشوِّشها وينغّصها الإكثار. كما قال أفلاطون الحكيم: “لا يصفو التّمتّع بنور الحكمة إلّا بعد الخروج بقلبه وفكره من عالم الشّهوة”. وقال أكبر الهجنة تذليل النّفس للشّهوة البهيميّة حتّى تصير تبعًا لها، وأكبر الزّينة رياض النّفس بالحكمة، وقمع الشّهوة بالعِفّة”.    

أهل التّوحيد لا يقرّون مبدأ الزواج لإطفاء نار الشّهوة، مع أنّ فيه صونًا عن المحرّمات، وحلًّا وعلاجًا للكثيرين ممّن لا يجدون صبرًا عن كبح جماح شهواتهم، لكنّه ليس مقياسًا أصليًّا لمسألة الزّواج الّذي غايته الأولى الولد وإقامة السُّنّة، وطلب الولد مقصود بالفطرة والحِكمة، والشّهوة باعثة عليه، فتكون بدرجة التّابع والمضاف وليس المقصود أصلًا، وكذلك النّساء الغرض من إتيانهنّ هو طلب النّسل لا قضاء الشّهوة. ويستطيع المؤمن أن يسيطر ويهيمن على شهواته بتلاوة الآيات المخوِّفة من الله والمشوِّقة للقائه. وقد نهى تعالى عن زواج الفقير حتّى يجد ما يقيم به نفقة الزّواج، لأنّه إن تزوّج وأنجب سيبني أسرة تكون عالة على مجتمعها عوض أن يبني أسرة أكون نواة لبناء المجتمع ونهضته وازدهاره.  

شروط الزواج: أنّ شروط الزّواج الأصلية هي: الإيمان والرِّضى والبلوغ بحدَّيْه العقليّ والجسديّ. أمّا الإيمان والتّوحيد فزواج غير المؤمنة محرّم لأن لا عمارة باجتماع غير اعتقاد بالله، بل بنيان على موج البحار، والرّضى شرط لأن الغصيبة انتهاك لحرمة الإنسان خاصّة المرأة في أمر يقرِّر المستقبل ومصير الحياة. والبلوغ لا بدّ منه لتحقيق هدف الزواج، فكذلك القدرة على إقامة الأسرة ينبغي أن تكون أمرّا تابعًا للشروط الثّلاثة الأصلية.

أهمّيّة الزّواج: تبقى قضيّة الزّواج من أهمّ القضايا الإنسانيّة الّتي ترتكز إلى الدّين وتراعي النُّظم الاجتماعيّة، ولا نسمّيها معادلة بين الدّين والدّنيا بمقدار ما هي موافقة بين ما يتعلّق بالمعاش وأمور الحياة، وبين ما يرتبط بالفضائل والآداب الرّوحيّة في علاقة الزّوجيْن اللّذيْن هما رُكْنا الأسرة، مع الادّعاء أنّ البُعد الرّوحيّ والهدف الدّينيّ هما الأساس في كينونة البناء الزّوجيّ، مع حفظ كلّ الحقوق المترتّبة على هذا البناء.

قال أحد الفضلاء: “الزّوجة الصّالحة ليست من الدُنيا فإنّها تفرّغك للآخرة”. وقال الرّسول: “ليتّخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرّا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر آخرته”. وقال أيضًا: “تخيّروا لنطفكم، فإنّ العِرق نزّاع، وقوله: تُنكح المرأة لمالها، ولجمالها، ولحسنها ولدينها، فعليك بذات الدّين، تأكيدًا لأرجحيّة وازع الدّين والتّقوى والفضيلة على باعث الشّهوة وداعية الهوى. وكلّ المبرّرات الاجتماعيّة المقنعة لا يغني إحرازه عن تفويت المقصد الأسمى في بناء الأسرة، وهو الحياة الطّيّبة الطّاهرة في ظلّ التّوادُد والتّراحُم المندرِج تحت محابّ الله ومراضيه، على أساس العقيدة الصّالحة والأخلاق الفاضلة.

حُكم الزّوجة الواحدة: دعا الخليفة الفاطميّ المعز لدين الله إلى الاكتفاء بالزّوجة الواحدة قائلًا: “اِلزموا الواحدة الّتي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التّكثير منهنّ والرّغبة فيهنّ”، فينغص عيشكم وتعود المضرّة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوّتكم، وتضعف نحائزكم (طبيعتكم)، فحسب الواحد الواحدة. وقوله هذا حسب الواحد الواحدة يتخطّى مسألة الفقر والغنى والإمكانيّة العدل في النّفقة ليلقي الضّوء على مسألة أخرى عندما قال لا تشرهوا إلى التّكثير منهنّ والرّغبة فيهنّ فينغص عيشكم، فالمسألة تتعلّق بالسّعادة الحقيقيّة الّتي يرجى إحرازها بالزّواج وبالاستقرار النّفسيّ الذي يّطمح إليه.

وقد عمل أهل التّوحيد بهذه الوصيّة حتّى صارت تشريعًا ثابتًا عنده، لأنّ الأسرة الناجحة والحياة المثاليّة الفاضلة التي يهزّها التّعدُد ربّما يعطّل دورها تعطيلًا كاملًا. إنّ المرأة المؤمنة التّقية الملتزمة لا تّعدُّ العزوبة ابتذالًا لها، لأنّ رسالتها في الحياة ليست مقصورة على الزّواج، بل تحفظ العلم وترتقي سلّم الثّقافة، وتحفظ كرامتها، وتصون عرضها عن الحرام، وفي حبّ الله ونعيم الآخرة   عِوضٌ بمن ذاق لذّة الرّوح بالذِّكر

حسن الاختيار: أنّ مسألة النّسب من المسائل البعيدة الغور في معانيها لارتباطها بسرّ من أسرار الحياة الكبرى الّتي عجزت عن تدبُّرها الأساطين من أهل العلم والمعرفة، وهو حفظ النّوع وبقاء النّسل، فالولادة والقرابة سُنّة طبيعيّة، ولكنّها متعلّقة بغايات معنويّة، تقتضي استمرار المواريث الرّوحيّة من الآباء وآباء الآباء إلى الأبناء وأبناء الأبناء، حتّى يصل الإنسان في رحلة الزّمن إلى محطّات موعودة، وأهداف مرصودة.

وكأنّ أسهل الطّرق وأكملها استقامة في نقل المواريث الرّوحيّة هو سبيل النّسب والذّرّيّة المتعاقبة، ولكنّ شرطها الأساس لنيل العهود الدّينيّة والإيمان والهدى، وحفظ وصايا الأنبياء من الآباء بعدم الانحراف عن صراط التّقوى الجامعة لكلّ الفضائل المكتسَبة.

لو لم تكن للنّسب قيمة لَما ركّز مذهب التّوحيد في مسألة الزّواج على أن تكون المرأة كريمة الأعراق طيّبة الأخلاق، وقال الرّسول الأكرم: “تخيّروا لنطفكم فإنّ العِرق نزّاع” وقوله: “إيّاكم وخضراء الدِّمن (المرأة الحسناء سيّئة المنبت)، هذا لا يعني أنّ الرّذائل تنتقل إلى الأولاد من آبائهم العصاة عن طريق التّربية الفاسدة والمعاشرة السّيّئة فحسب، بل إنّ العرق نزّاع، يفيد أن انتقال الخصائص الدّنيئة من الآباء والأمهات إلى أولادهم بوراثة جسمانيّة بيولوجيّة. فميراث الأدب أخلد ميراث، يُكسِب الآباء والأمهات ثوابًا جزيلًا عند باريهم في حفظهم لأمانة التّربية، وهو كنز معنويّ للأبناء يُصلح نفوسهم، ويُضيء طريقهم في رحلة العمر للوصول إلى دار الأمان والسّعادة. وهي سُنّة محمودة تحفظ خلافة الله في الأرض، بعمارة صرح الحضارة الإنسانيّة على أعمدة ثابتة، تحقّق مراد الله في التّوحيد والعبادة، وتُعطي هدف الحياة في استمرار النّوع وبقاء النّسل معنًى روحيًّا راقيًا.

مقالات ذات صلة:

الحدس

الحدس (Intuition) هو القُدرة على تقبُّل وإرسال أفكار وإشارات مع الآخرين بدون تفكير مسبق، وإنّما من جرّاء اتخاذ قرار فوريّ

شعاع على التّاريخ

منذ أكثر من ألف عام، تركّز سمع الدنيا وبصرها على الخاتمة الفاجعة، لأعجب صراع شهده تاريخ الفكر، وتاريخ الحياة الرّوحيّة