الموقع قيد التحديث!

شخصيّة من بلادنا.. المرحوم الشيخ أبو كمال أسعد عمران

بقلم السّيّد توفيق حلبي
– دالية الكرمل

من نِعَم الله تعالى عليّ أن يسر لي لقاءً مطولًا ومفعمًا بالإيمان والحكمة مع الشيخ الجليل الورع، صاحب البيت المفتوح والوجه البشوش، أبي كمال أسعد نجيب عمران، رحمه الله رحمة واسعة، وذلك قبل انتقاله إلى جوار ربه بسنة واحدة فقط، في بيته العامر بالإيمان في مدينة المغار.

وُلد الشيخ أسعد في الأول من كانون الثاني عام 1925، فعاش قرابة قرنٍ من الزمان، كان فيها شاهدًا أمينًا على أهم الأحداث التاريخية التي عصفت ببلدته والمنطقة: من الانتداب البريطاني، إلى ثورة الأعوام 1936-1939، ثم الحرب العالمية الثانية، فقيام دولة إسرائيل عام 1948، وما تبع ذلك من تحوّلات سياسية ومجتمعية عميقة. عاش هذا الشيخ الجليل هذه المراحل لا كمجرد شاهد، بل كفاعلٍ وحاملٍ لراية السلم والخير والعطاء بين الناس.

وفي هذه الأيام التي تُصادف الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل سيدنا وشيخنا الجليل أبي يوسف أمين طريف رضي الله عنه، لا يسعنا إلا أن نُشير إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت بينه وبين الشيخ أبي كمال أسعد. فقد كان رحمهما الله على قدرٍ كبير من الودّ والثقة، وقد اختير الشيخ أبو كمال بعضوية المجلس الديني الدرزي في تلك الفترة، لما عُرف عنه من ورعٍ وتقوى ورجاحة عقل. وقد ذكر لي، خلال اللقاء، الدور العظيم الذي كان يقوم به فضيلة الشيخ أمين طريف (ر) في حلّ النزاعات وعقد رايات الصلح، لا سيما في المغار، مستعرضًا أثر آل طريف في حفظ السلم والاهتمام بقضايا الطائفة على وجه الخصوص في البلاد والمنطقة بأسرها.

تعود أصول عائلة الشيخ أسعد عمران كما أخبرنا إلى بلدة صاليما في لبنان. وقد فقد الشيخ أبو كمال والديه في مقتبل عمره، ثم فُجع لاحقًا بفقدان نجله كمال، رحمه الله، بعد أن أنجب 11 من الأبناءً والبناتٍ من خيرة أبناء وبنات بلدتهم ومجتمعهم.

وفي حديثه معنا، استرجع الشيخ أيام شبابه قبل قيام الدولة، حين كان يعمل في الزراعة والفلاحة وتجارة المنتوجات، شأنه شأن أبناء قريته من مختلف الطوائف. وبعد إعلان قيام الدولة، انخرط في الجيش لمدة عامين، ثم التحق في العام 1951 بـحرس الحدود لسبع سنوات، لينتقل بعدها للعمل في وزارات الدولة المختلفة كالصحة والمالية ومكاتب أخرى، مقدّمًا خدماته بإخلاص وأمانة قلّ نظيرها.

لقد تحدّث الشيخ أبو كما أسعد عن قسوة فترة الانتداب البريطاني، وخاصة تجاه أبناء الطائفة الدرزية، حيث كانت حرية التنقل والحركة مقيّدة، وعن بعض الثوار الذين كانوا يأخذون الطعام من الأهالي مجانًا. واستذكر حادثةً مؤثرة حصلت آنذاك في بلدة المغار، حين آوى مجموعة مكونة من 12 من الثوار، قبل أن يُبلغ أحدهم الجنود الانجليز الذين تواجدوا قرب قرية الرامة عن مكان تواجد الثوار بعد أن ادّعى المرض، مما أدى إلى اشتباك بين الجنود البريطانيين والثوار في المكان.

ولعل من أسمى المواقف التي خلدها التاريخ وسردها علينا الشيخ اسعد رحمه الله، ما رواه عن موقف سكان المغار الدروز عام 1948. إذ حين حاول الجيش الاسرائيلي تهجير سكان قريته في حينه من المسلمين والمسيحيين، حيث وقف الدروز صفًا واحدًا بقيادة الوجهاء، وعلى رأسهم الشيخ حسين الوحش ورفضوا هذا التهجير رفضًا قاطعًا، فاستجاب الجانب الإسرائيلي لهذا الموقف المشرّف. وبقيت بلدة المغار، كما أرادها عقلاؤها، موئلًا للعيش المشترك، والوئام، والمحبة بين مختلف الطوائف.

لقد كان الشيخ أبو كمال يُكثر من الثناء على أهالي بلدته، ويتحدث بإسهاب عن العلاقات التي ربطته مع أبناء العائلات المعروفية في إسرائيل سواء في الجليل أو في الكرمل، ويذكر بأطيب الكلمات العلاقات المميزة والفريدة التي جمعت بينه وبين أبناء العائلات من الطوائف الأخرى كعائلات طبراني، والعايدي، والفاهوم، وصبّاغ وسواها من العائلات المعروفة. لقد كانت علاقاته ممتدة إلى كافة المناطق، موصولة بالمحبة، مقرونة بالاحترام المتبادل، ومبنية على الثقة وحب الآخر.

ورغم كبر سنّه، ظلّ الشيخ أبو كمال يتابع التطورات، ويُعطي رأيه فيما يراه نافعًا للناس. ولم يكن يخفي إعجابه بتقدّم دولة إسرائيل وإنجازاتها في كافة المجالات الحياتية والعلمية والتكنولوجية، لكنه مع ذلك كان يؤكد دومًا أن الزينة الحقيقية تكمن في الأخلاق والتقوى والايمان الخالص بالله.

وختم الشيخ أسعد حديثه إلينا بنصيحة من ذهب: أن يُقبل الناس على ما يُرضي الله، ويبتعدوا عن الرذائل، والمال الحرام، وكل ما يُغضب وجه الله الكريم، داعيًا إلى التمسّك بالفضيلة، والألفة، والمحبة، والتواضع. رحم الله الشيخ أبا كمال أسعد عمران، الذي رحل عن دنيانا عام 2020، تاركًا وراءه سيرةً عطرة، وذكرى طيبة. لقد كان مثالًا للرجل التقي، الحكيم، المحب للخير، الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، بين الإيمان والعمل، بين الحكمة والتواضع.

مقالات ذات صلة: