الموقع قيد التحديث!

شخصيّة من بلادنا: السيد نظام عطالله

بقلم السّيّد توفيق حلبي
دالية الكرمل

من التعلم على ضوء اللوكس إلى صناعة الأجيال

في ستينيات القرن الماضي، نشأ السيد نظام عطالله في قرية يركا الجليلية حيث درس الطلاب في حينه على ضوء اللوكس وتدفّؤوا بالحطب والكاز. وسط هذه البيئة المتواضعة، تميّز منذ صباه بشغف كبير نحو المعرفة، وبرزت شخصيته القيادية منذ نعومة أظفاره حيث ألقى أول خطاب له في عيد الاستقلال عام 1971 وهو في الصف التاسع. وأجرى في العام 1975 وهو في سن 19 عامًا مع أحد زملائه، تعدادًا سكانيًا لقريته وقد بلغ عدد سكان يركا في حينه 5600 نسمه.

 تربّى وترعرع في بيت ذي مكانة دينية واجتماعية راسخة، واكتسب قيمًا أساسية كالاعتماد على الذات واحترام الإنسان وأهمية لقمة الحلال. ورغم صِغر القرية التي لم تضم سوى مدرستين ابتدائيتين وثانوية إقليمية خارجها في كفر ياسيف، ظلّ يرى في العلم نافذته إلى العالم، حتى أصبح أحد أبرز الأسماء في التعليم والإدارة والفكر في المجتمع الدرزي والمنطقة عمومًا.

مع نهاية دراسته في المدرسة الثانوية في كفر ياسيف، بدأ السيد نظام دراسة الهندسة المعمارية في التخنيون، لكنه سرعان ما انتقل إلى تخصص لم يكن مألوفًا في مجتمعه حينها: علم الحاسوب والرياضيات في جامعة بئر السبع. في بداية الثمانينيات، كان الكمبيوتر مفهومًا غريبًا لدى معظم الناس، ومع ذلك أدرك مبكرًا أن المستقبل سيكون للحوسبة، فأكمل هذا المسار حتى تخرّج عام 1984، ليصبح من أوائل المتخصصين في هذا الحقل الجديد. عاد بعد ذلك إلى سلك التعليم، فدرّس الرياضيات والفيزياء وموضوع الحاسوب في عدة مدارس، قبل أن ينضم إلى وزارة المعارف مرشدًا ومفتشًا مساهِمًا في إدخال موضوع الحاسوب إلى المدارس الدرزية وتطويره تدريجيًا.

في منتصف التسعينيات، وجد نفسه أمام محطة مهمة في حياته المهنية. فخلال فترة اتفاقيات أوسلو، تلقّى دعوة من القيادي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث للمشاركة في تأسيس البنى التكنولوجية للسلطة الفلسطينية. سافر إلى القاهرة، التقى قيادات سياسية، وأسهم في بناء أنظمة الحوسبة للمؤسسات الحكومية. ومع بداية تلك المرحلة أسس شركة “نظام سيستيمز” التي تخصصت في حوسبة المؤسسات الرسمية، غير أنّ اندلاع الانتفاضة الثانية أوقف المشروع تمامًا.

في عام 2001، عُيّن مديرًا لقسم المعارف في المجلس يركا المحلي، وهناك بدأ مشروعًا طموحًا كان يؤمن أنه سيغير مستقبل الأجيال. طرح فكرة إقامة مدرسة ثانوية للطلاب المتفوقين، رافعًا شعارًا لا يزال يتردد حتى اليوم: “دعونا نبني ما يخدم الأجيال، لا أن نكتفي بشقّ الشوارع.” وبعد عام واحد فقط، افتُتحت مدرسة العلوم، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أبرز المدارس في اسرائيل من حيث التحصيل العلمي. الأرقام وحدها تكشف حجم الإنجاز: فقبل تأسيس المدرسة، لم يُقبل من يركا سوى خمسة طلاب في كليات الطب خلال أربعين عامًا، بينما في أول أربعة أفواج فقط من المدرسة الجديدة قُبل أحد عشر طالبًا للطب. كما ووضع برنامجًا خاصًا للطلاب المتفوقين أدّى إلى قبول 27 طالبًا من أصل 32 في تخصصات أكاديمية مرموقة. ولم يكتف السيد نظام بذلك، ففي فترة قصيرة جدًا بين 2001 و2004، أشرف على بناء ثلاث مدارس جديدة: ثانوية العلوم، إعدادية، وابتدائية، إضافة إلى سبع روضات أطفال، في طفرة عمرانية – تربوية غير مسبوقة في البلدة.

على المستوى القطري، برز السيد نظام بين عامي 2012 و2016 كأحد الوجوه المركزية في تطبيق منظومة الإدارة الذاتية في مدارس لواء الشمال. كانت هذه المرحلة تمهيدًا لمنظومة “جيڤن”، التي تمنح مدراء المدارس صلاحيات إدارية ومالية واسعة، وتهدف إلى تطوير العمل التربوي وفق رؤية محلية خاصة بكل مدرسة. وكان السيد نظام يردد دائمًا للمدراء الذين يرافقهم: “فكروا خارج الصندوق، لا تكتفوا بالمناهج التقليدية.” ولا يزال السيد نظام يعمل كمزوّد رسمي في منظومة “جيفن” ومرافق لمدراء من الناحية الإدارية.

على الصعيد الشخصي، شكّلت عائلته نموذجًا فريدًا للبيت المتعلم. فقد تزوج عام 1986، وكانت زوجته أم أمير معلمة تصميم أزياء، ثم تابعت تعليمها حتى وصلت إلى إدارة مدرسة منذ عام 2016. وقد درس الزوجان وأبناؤهما الثلاثة في الجامعات في فترات متقاربة، مما خلق جوًا منزليًا محوره العلم والتطوير الذاتي. اثنان من الأبناء تخصّصا في هندسة الكهرباء، بينما اتجه الثالث إلى تدقيق الحسابات، ويؤكد السيد نظام دائمًا أن أبناءه يعيشون روح العصر الرقمي التي تتطلب تعلمًا مستمرًا وانفتاحًا دائمًا على التكنولوجيا.

ورغم مسيرته الإدارية الطويلة، لم يتخلَّ عن شغفه الأصلي بالرياضيات. فطور عدة نظريات ومعادلات جديدة، وبضمنها: معادلة لحساب مساحة مثلث من خلال طول أضلاعه بطريقة مبتكرة، ونظرية لترتيب ثمانية أعداد متتالية في رؤوس مكعب بحيث تتساوى الأعداد على كل وجه، إضافة إلى طريقة جديدة لحساب مربعات الأعداد اعتمادًا على تربيع الأعداد التي تسبقها.

وخلال جائحة الكورونا، وجد السيد نظام الفرصة ليكتب كتابه الذي كان يحلم به منذ سنوات: “صرخة الروح الهادئة”، الصادر عام 2022 بالعبرية. يتناول الكتاب موضوعات فلسفية وعلمية تتعلق بالوعي، الدماغ، الزمن، والبعد الزمني، كما يخوض في ظاهرة التقمص من خلال تجاربه الشخصية في التنويم المغناطيسي، التي شهد فيها حالات بدأ أصحابها يتحدثون لغات لم يتعلموها مسبقًا أثناء الجلسة، مثل الإيطالية والألمانية. ويؤكد أن هذه التجارب غيّرت نظرته إلى الروح وطبيعة الوعي الإنساني، وفتحت أمامه آفاقًا جديدة للتفكير.

بعد أكثر من خمسين عامًا من العمل في التعليم والإرشاد والتخطيط، وخلال اللقاء الذي أجريته معه مؤخرًا وجه السيد نظام رسالة إلى الجيل الجديد بكلمات واضحة وحاسمة: “التعليم ليس شهادة، بل نور، والإنسان بلا تعليم يعيش الحياة بأقل إمكانياته.” وذلك انطلاقًا من رؤيته أن الطريق إلى النجاح يبدأ بغرس حب التعلم منذ الطفولة، مع تشجيع كل طالب على اختيار ما يحبّه لا ما يُفرض عليه، إلى جانب التركيز على العلوم واللغات والقيم الأخلاقية، لأنها أساس بناء مجتمع قوي ومتطور.

إنّ سيرة السيد نظام الغنية تشكل نموذجًا ملهمًا للإنسان الذي لا يكتفي بأن يتأقلم مع الحياة، بل يعمل على تشكيلها من جديد. هي حكاية رجل آمن بأن المستقبل يصنعه أولئك الذين يحلمون، ثم يتحركون بثبات لتحقيق ما حلموا به.

تامر نظام عطالله

أسرة “العمامة” تتقدم بأحر التهاني للسيد نظام ولعائلته الكريمة بمناسبة اختيار نجله تامر لإيقاد شعلة في عيد الاستقلال، وتفخر وتعتز بهذا الإنجاز الذي يستحق كل التقدير.

مقالات ذات صلة: