
هو هابيل بن آدم عليه السّلام، أوّل أبناء آدم أبي البشر، ويعني اسم هابيل، الشّريف الكامل الأرجح، وُلد في اليوم الرّابع من الشّهر مع أخت له في بطن واحد، ثمّ وُلد قابيل مع أخت له، ولكي يتمّ تكاثر البشر، ويستمرّ جنسهم أمر الله سبحانه وتعالى آدم أن يعتبر كل بطن أخوة حيث كان يولد في كلّ بطن ذكر وأنثى، ولمّا كانت الأنثى الّتي وُلدت مع قابيل جميلة، لم يرضَ أن يزوّجها أخيه هابيل، وقال: “أنا من سأتزوّج بها”، حاول النّبي هابيل عليه السّلام منعه عن معصيّة أمر الله بقوله: ما أمر الله بهذا فتنازعا لوالدهما ليحلّ بينهما الخلاف، فقال آدم لهما: قرّبا لله قربانًا، فإنّي لا أريد بيتكما الفتنة والخلاف فمن قبِل الله قربانه يُتبع رأيه.
ثمّ إنهما مضيا إلى المذبح يتوسّلان إلى الله تعالى قبول القربان، وقدّم هابيل عليه السّلام أجود وأفضل ما عنده من الخراف الّتي كان يرعاها، فقبل الله قربانه لطيب نفسه، وصِدْق طويّته، وقدّم قابيل زروعًا فاسدة وخضروات غير جيّدة، لأنّ نفسه كانت تعاف تقديم الخير، فلم يقبل الله تعالى قربانه، فلمّا رجعا إلى أبيهما قال لهما: ما كان من خبركما؟ فأخبراه بالخبر، فهنّأ آدم عليه السّلام هابيل على قبول قربانه ونفسه الطّيّبة الصّادقة، وعزّى قابيل على رفض قربانه، وقال له: يا بُنيّ تُب إلى ربّك واطلب منه أن يغفر لك ويسامحك، لكنّ قابيل اللّعين كانت نفسه مليئة بالشّرّ، فنوى شرًّا لأخيه وأضمر أن يقتله، حسدًا له، وحُبًّا بالدّنيا. فأتى قابيل إلى هابيل عليه السّلام فوجده ساجدًا في محرابه يصلّي لله خاشعًا متعبِّدًا فضربه بحجر على رأسه وقتله. وقد كانت هذه أول جريمة قَتل بين البشر، وكان دمّ هابيل عليه السّلام أوّل دم بين أبناء آدم. فاحتار قابيل وقد رأى ما فعلته يداه ماذا يفعل، فحمل أخاه على ظهره، وسار به لا يدري كيف يتصرّف، حتّى أرسل الله سبحانه طائريْن، فقام أحدهما بقتل الآخر ثمّ جعل يحفر في الأرض، بالطّائر المقتول ودفنه وردم فوقه التّراب، فتعلّم قابيل ممّا رأى، فقام يدفن أخاه في الأرض، وسار تائهًا في الأرض. وكان قتل هابيل بجبل قاسيون، وهو جبل مُشرف على دمشق من جهتها الشّماليّة، وفيه مغارات وكهوف استخدمها العُبّاد والصّالحون فيما بعد للعبادة والانعزال، وقيل إن الأرض لمّا شربت من دم السيّد هابيل عليه السّلام تبدّل لونها وتغيّرت بهجتها، وتغيّرت اشجارها وأنهارها.
وكان مدفنه على جبل عالٍ لا ماء فيه ولا شجر، فأنبت الله سبحانه وتعالى حول مدفنه ثلاث سنديانات وفجّر عين ماء عذبة ما تزال إلى يومنا هذا، وقد بُني فيما بعد حول قبره ضريح يُزار، ويُتبارك به. وقيل إنّ آدم عليه السّلام لمّا عرف خبر مقتل هابيل عليه السّلام قال بعض العبارات بلغته الّتي فطره الخالق عليها وقيل في مضمون ما قاله:
بَكت عيني وحقّ بكاؤها دمع العين منها يسيح
وما لي لا أجود بسكب دَمعٍ وهابيلُ تضمّنه الضَّريح
ولستَ بميتٍ بل أنتَ حيٌّ وقابيلُ الشّقيُّ هو الطّريحُ
عليهِ السّخطُ من ربِّ البرايا وأنتَ عليك تسليمٌ صريحُ
المصدر: كتاب: إشراقات نورانيّة من أخبار الأنبياء والأولياء والحكماء وشرح لأسماء الله الحسنى مواعظ وحكم – تأليف نسيب أسعد الأسعد