أرسل الله، سبحانه وتعالى، النّبيّ صالحًا إلى ثمّود قبيلة عربيّة من العرب البائدة، عاشت في أرض عاد الّتي أهلكها الله لكثرة شرورها بعد أن أرسل لهم النّبيّ هود(ع) فلم يصدّقوه ولم يؤمنوا به وبدعوته. كان النبيّ صالح (ع) من أشرف بيوت ثمّود نسبًا، منحه الله الحِلم والعقل والحكمة، فصار يدعو قومه ثمّودًا إلى عبادة الله ويحثّهم على التّوحيد، ونهاهم عن عبادة الأصنام، لكنّهم لم يستمعوا إليه، وأنكروا نبوّته وهَزِئوا بدعوته وزعموا أنّها بعيدة عنه. فصار النّبيّ صالح (ع)يذكِّرهم بصلته بهم، وأنّهم أهله وأنّه يريد خيرهم في الدُّنيا والآخرة، لكنّهم كانوا يرفضون ويمتنعون عن تصديقه، ويرفضون ترك الأصنام الّتي ألفوا آباءهم يعبدونها، ناسين ما حلّ بعاد لكفرهم.
وعندما وجدوه مستمرًّا بدعوته لهم، عرضوا عليه أن يترّأسهم، لكنّه رفض، وقال إنّه لا يقصد من وراء دعوته نفعًا، ولا بجاهٍ أو مال، وإنّما يطمع في نجاتهم من غضب الله وعقابه، لكنّهم استكبروا وزادوا في طغيانهم وعنادهم وقالوا لصالح: إنّك قد جُننت وضاع صوابك، وما نظنّ إلّا أنّ أحدًا قد سلّط عليك شيطانه، أو عمل فيك سحره، فأصبحت تَهْرِف بما تفقه، فلستَ إلّا بشرًا مثلنا، وما أنت بأفضلنا وأشرفنا نسبًا، وفينا من هو أحقّ منك بالنّبوّة.
وعندما رأى القوم ثباته على دعوته، خافوا أن يستجيب النّاس له ويذهبوا إليه في كلّ شيء يامّ بهم، ويطرقون بابه كلما وقعت بهم واقعة، فطلبوا منه ان يأتيهم بآية يتبيّنون بها صدق دعوته، ومعجزة ظاهرة تصدّق رسالته.
فأوحى الله سبحانه أنّه مرسِل لهم ناقة عظيمة الجسم، مميّزة الشّكل، تخيف أنعامهم وإبلهم، لا تشرب إلّا في يوم معلوم مهما اشتدّ بها العطش، فأخبر صالح (ع) قومه بآية الله ومعجزته الظاهرة لهم وقال: هذه ناقة الله لأرسلها لكم، لها شرب في يوم محدّد تحمي الماء خلاله وتمنع أنعامكم من ورده، ولكم شرب يوم معلوم، فذروها تأكل في أرض الله وحاذروا من أذيّتها وإلّا نالكم عذاب الله الشّديد. وكان النّاس في تلك الفترة لم يعهدوا رؤية ناقة تستأثر بمائهم يومًا كاملًا تمنع غيرها من البشر والأنعام من الشُّرب، فخافوا منها، وخاف ساداتهم تصديق النّاس لصالح لوضوح برهانه.
وقد مكثت النّاقة بين قوم ثمود فترة وهي على هذه الحال من وِرْد الماء يومًا والامتناع عنه بقيّة الأيّام. وداوم صالح على دعوة النّاس لدين الله وعبادته وترك الأصنام، واستطاع أن يستميل كثيرًا من النّاس الّذين صدّقوا دعوته وأيقنوا صحّة نبوّته وخاصّة بعد آية الله الّتي أرسلها إليهم واضحة بنيّة صادقة. وكان صالح (ع) يدعو قومه، ويبشّر الّذين آمنوا به بنعيم الله وجنّته الخالدة، ثمّ أوحى الله سبحانه له بأنّ شخصًا من شباب ثمود شديد البأس ذا جرأة وقسوة، كثير الظُّلم، لا يحجم عن معصية أو منكر، سوف يُقدِم على قتل النّاقة الّتي أرسلها الله وسوف يكون ذلك نهاية قومه الكافرين ويكون مصيرهم كمصير عاد الكافرين.
فأخبر صالح قومه بما أوحى له الله، فخاف القوم وصاروا يقتلون كلّ غلام يولد عندهم خوفًا أن يكون هو قاتل النّاقة بعد أن يكبر فيكون هلاكهم على يديه. وعندما وُلد قدار بن سالف وهو ابن أحد سادات القبيلة المرهوبي الجانب لم يستطع النّاس قتله، فنما وكبر على القسوة والبطش وخاف الجميع منه لمكان والده وجدّه، ولمّا نظره صالح وما فيه من صفات عرف أنّه قاتل النّاقة الّذي وصفه له ربّه فصار يكثّف جهوده بدعوة قومه لترك عصيانهم وكفرهم عسى يحيدوا عن طغيانهم قبل وقوع الوعد الصّادق بهم.
ومن الجانب الآخر كان سادة ثمود الكافرون يحرّضون النّاس على النّبيّ صالح (ع) لإبطال دعوته والابتعاد عنه، وشرعوا بالتآمر على قتل النّاقة الّتي أرسلها لهم الله سبحانه تصديقًا لنيّته، لكنّ كثيرًا من النّاس خافوا الإقدام على قتل النّاقة لما رأوا فيها من هيبة وعظمة، إضافة لتحذير صالح لهم ممّا سيصيبهم من عذاب خافوا من وجوده.
وكان الشّيطان حليف أولئك السّادة الطّغاة، الّذين عاهدوه، وساروا دربه، وانقادوا لأمره، وزيّن لهم الشّيطان عن طريق إحدى فتيات ثمود الحسناوات وهي (صندوق بنت المحيا) الّتي عرضت الزّواج على مَن يقتل النّاقة، وعن طريق إحدى العجائز الّتي عرضت على قدار بن سالف ابنتها الجميلة للزّواج بها مقابل قتل النّاقة.
فلبّى مَصْدَع بن مهرّج دعوة بنت المحيا، واستجاب قدار بن سالف دعوة تلك العجوز، وسار الاثنان يبحثان عن شباب القبيلة عمّن يساندهما في مهمّتهما. فاستجاب لهما سبعة شبّان آخرون، ثمّ سار التّسعة حيث ترِد النّاقة، وانتظروها حّتى رجعت من وِردها فكمن لها مصدع ورماها بسهم في ساقها، وأسرع قدار فعرقبها (وضع عصا بين رجليها ليعرقل مسيرها) فسقطت النّاقة ثمّ بادر فطعنها في عنقها وأقبل الباقون فأنشبوا فيها سيوفهم فماتت، ثم عادوا إلى قومهم يحملون لهم بشراهم بقتل النّاقة وما دَروا لأنّهم يحملون لهم الهلاك والفناء، رغم أنّ القوم استقبلوا التّسعة استقبال المنتصرين العائدين من الحرب. ولمّا جاءهم صالح كي يحذّرهم من عقاب الله لارتكابهم المعصية والإقدام على قتل النّاقة قالوا له ساخرين هازِئين: يا صالح أين عقاب ربّك فها نحن قتلنا ناقته، فأين كنتَ من المُرسلين.
فقال لهم: لقد جلبتم على أنفسكم الهلاك بكفركم، وها أنتم تلاقون مصير عادٍ، فما هي إلّا أيّام ثلاثة تتمتّعون بها حتّى يحلّ بكم عذاب الله
لكنّهم لم يثوبوا إلى رشدهم ولم يخافوا من وعيده مثلما لم يستجيبوا بدعوته، وتمادوا في سخريّتهم بأن سألوه أن يعجّل لهم بالعذاب إن كان صادقًا. إلاّ أنّ. صالحًا ذا الهمّة العالية كان ما زال يأمل أن يعود قومه عن كفرهم وأن يستجيبوا لدعوته ويطلبوا غفران الله وعفوه، ولكنّ هيهات أن يلين الصّخر في الماء، وهيهات أن تلين قلوب قاسية لدعوة الحقّ والإيمان. وقد زادوا تكبُّرهم أن أضمروا الشّرّ والهلاك لنبيّ الله الّذي دعاهم للحقّ، فأرادوا قتله ظنًّا منهم أنّ ذلك يعصمهم من العذاب، لأنّ صالحًا كان قد قال لهم لمّا سألوه التّعجيل بالعذاب بعد قتل النّاقة: إنّكم سوف تصبحون يوم الخميس ووجوهكم مسودّة، وتصبحون يوم الجمعة ووجوهكم مصفرّة، ويوم السّبت تكون الصّاعقة الّتي سيُنزلها ربّ العزّة بكم.
وكان عقر النّاقة وقتلها يوم الأربعاء، فلمّا رأوا وجوههم اسودّت في صبيحة الخميس، واصفرّت صباح الجمعة أدركوا أن العذاب سيحلّ بهم، سعوا إلى صالح يريدون القضاء عليه وقتله ظنًّا منهم أنّ ذلك ينجّيهم من العذاب والعقاب، لكنّ الله للظالمين بالمرصاد، فردّ كيدهم إلى نحورهم، وأنقذ نبيهّ، إذ أوحى له بما يدبّره الكفّار له. فخرج صالح هاربًا منهم، حتّى لحق بقبيلة يقال لهم (بنو غنم) فنزل على سيّدهم وأخبره بقصّته فأخفاه، ورغم أنّ الكفّار بحثوا عنه بحثًا محمومًا لكنّهم لم يعثروا عليه، فراحوا يعذّبون أصحابه كي يرشدوهم إلى مكانه فلم يفلح الكفّار في مسعاهم. ولمّا كان يوم السّبت وكانوا يسمّونه (شبار) أنزل الله بالكافرين عذابه تصديقًا لوعده وانتصارًا لنبيّه، فأخذتهم الصّاعقة ولم تستطع قصورهم وحصونهم حمايتهم من عذاب الله، فباتوا على الأرض جاثمين هامدين، ولم يبقَ منهم إلّا مَن آمن بربّه، فقد أنجاه من العقاب، ولا يظلم ربّك العباد، وإنّما كانوا لأنفسهم ظالمين، ولما رأى صالح ما حلّ بقومه وديارهم تولّى عنهم والأسى يملأ قلبه، ولكنّ هذا جزاء الله العادل للكافرين المشركين فغادرهم إلى فلسطين مع أصحابه، وعاش فيها حتّى جاء أجله عليه السّلام وصلواته، وقد ورد ذكر صالح وناقته في القرآن الكريم.