الموقع قيد التحديث!

حين تتحول القداسة والروحانيةإلى هوية وذاكرة جماعية..

بقلم الشّيخ أبو صلاح رجا نصر الدّين
دالية الكرمل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، له الحمد والشكر على نعمه الظاهرة والباطنة، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونسأله التوفيق والسداد في القول والعمل.

هذا العام تحل الزيارة السنوية لمقام سيدنا شعيب عليه السلام علينا بعد أن غيّب الموت عنّا قبل شهرين أحد أركان العائلة الشيخ الديان التقي الورع القنوع الوقور أبا صالح عارف نصر الدين بعد مسيرة حياة قضاها على الدين والطاعة والإيمان والخير والعطاء مكمّلا مسيرة والده المرحوم الشيخ الديّان الطاهر النقي أبي جمال نصر الدين نصر الدين، رحمات الله عليهما واسكنهما واسع جناته، وفي مثل هذا الموقف الحق الذي نستلهم فيه البركة مما تركه مشايخنا الأجلاء لا يسعني الّا أن أتقدّم باسمي وباسم جميع أبناء العائلة بالشكر الجزيل الى عموم المشايخ والأهل وكل من شاركنا مصابنا برحيل الشيخ ابي صالح عارف رحمه الله.

وما من شك، بأن الزيارة السنوية لمقام خطيب الأنبياء سيدنا شعيب عليه السلام ليست مجرد مناسبة عابرة في تقويم الطائفة الدرزية، بل هي حدث روحي واجتماعي يختصر قصة طائفة حافظت على حضورها واستمرارها في منطقة لا تكاد تهدأ فيها الحروب والعواصف السياسية والتاريخية، فعند عتبات هذا المقام الشريف تتقاطع الأزمنة: الماضي الذي صاغ هوية الطائفة، والحاضر الذي يضعها أمام تحديات معقدة، والمستقبل الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة والتوازن.

ورغم طابعها الروحي والديني، فإن هذه الزيارة لا تنفصل عن الواقع الذي تعيشه طائفتنا الغراء اليوم، خصوصاً وأن أبناءها موزعون على عدة دول في الشرق الأوسط، أبرزها إسرائيل وسوريا ولبنان والأردن، وقد فرضت الحدود السياسية في عصرنا الحديث واقعًا جديدًا على الطائفة التي اعتادت عبر التاريخ أن تعيش ضمن فضاء اجتماعي واحد، وكم بالحري عندما نأخذ بالحسبان أيضًا ما مرت به المنطقة بأكملها في السنوات الثلاث الأخيرة وخصوصًا في إسرائيل وسوريا ولبنان.

لقد تميزت الطائفة الدرزية عبر تاريخها الطويل بقدرة لافتة على التكيّف مع الظروف المختلفة، فمنذ نشأتها في القرن الحادي عشر، واجهت طائفتنا الغرّاء مراحل صعبة من الاضطرابات السياسية والتحولات الاجتماعية، لكنها استطاعت أن تحافظ على هويتها بفضل منظومة قيم تقوم على الحكمة والاعتدال والانضباط الأخلاقي وحكمة مشايخها وقياداتها الذين بذلوا الغالي والرخيص في سبيل الحفاظ على عزتها وكرامتها على مر التاريخ.

من هنا، تكتسب الزيارة السنوية لمقام سيدنا شعيب عليه السلام بعدًا يتجاوز الطابع الديني البحت، فهي لحظة تأمل جماعي في معنى الانتماء، وفرصة لتجديد الروابط التي تربط أبناء الطائفة بعضهم ببعض. كلّي أمل أن يلتمّ الشمل في السنوات القادمة ونحظى بمشاركة واسعة لمشايخنا الأجلاء من لبنان وسوريا في هذه الزيارة، ويتمّ اللقاء الذي نصبو اليه بكلّ قلوبنا وجوارحنا، كما حصل في السابق. ففي عالم يزداد انقسامًا واضطرابًا، تبدو مثل هذه الأمور واللحظات ضرورية أكثر من أي وقت مضى، لأن الجماعات التي تنجح في الحفاظ على ذاكرتها المشتركة هي القادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

وعندما يجتمع مشايخنا الأفاضل وأبناء طائفتنا في رحاب هذا المقام الشريف في حطين، فإنهم لا يحيون ذكرى تاريخية فحسب، بل يعيدون التأكيد على رسالة أخلاقية وروحية. رسالة تقول إن بقاء الجماعات لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالحكمة التي توجه خطواتها.

وفي زمننا هذا الذي تتغير فيه ملامح الشرق الأوسط بسرعة، تبقى مثل هذه الزيارات والمناسبات بمثابة مرساة روحية تعيد الإنسان إلى جذوره. فبين جدران مقام النبي شعيب علية السلام البيضاء، وتحت سماء منطقة الجليل الواسعة، يجد الزائر لحظة صفاء نادرة تسمح له بالتأمل في معنى الإيمان والعدل والوفاء. هناك، تتجلى صورة المجتمع الدرزي في أبهى معانيها. شيوخ بلباسهم الأبيض، وشباب يستمعون إلى كلمات الحكمة، وعائلات تتبادل السلام وتستعيد روابط القربى. إنها لحظة نادرة تتجسد فيها القيم التي قامت عليها هذه الطائفة عبر تاريخها: الحكمة، والوفاء، والاعتدال، ليبقى هذا المقام المبارك أكثر من مزار ديني؛ إنه رمز لوحدة طائفة استطاعت أن تحافظ على صوتها في قلب منطقة صاخبة بالتاريخ. ومع كل زيارة جديدة، يتجدد ذلك العهد القديم بين الإنسان والحكمة، بين الذاكرة والمستقبل.

وهنا لا بد لي من كلمة شكر وامتنان لسماحة شيخنا أبي حسن موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل على المساعدات التي يقدمها وعلى نشاطاته التي لا تثمّن واللقاءات الهامة التي يعقدها من أجل صون طائفتنا ومصالحها في البلاد وسوريا وفي كل مكان.

وفي الختام، وفي هذه الأيّام المباركة لا يسعني الّا أن أتقدّم بخالص التّهاني والتّبريكات إلى عموم أبناء الطائفة أينما وجدوا بمناسبة حلول هذه الزّيارة المباركة، مبتهلًا الى الله العليّ القدير بأن تعود علينا في العام القادم بالخير واليمن والبركات والعافية والنّعيم والسلم والرّخاء وأن نسلك درب الرّحمة والإيمان والصّبر والتّسامح والتّواضع وفقًا لما أراده لنا نبي الله سيّدنا شعيب عليه السّلام. زيارة مقبولة.  

مقالات ذات صلة:

العدد 6 – اذار 1985

العدد 6 – اذار 1985 Share on whatsapp Share on skype Share on facebook Share on telegram لتحميل العدد Pdf