الحمد لله الّذي جعل المواعظ تزكية لقلوب المتّقين، وأيقظ بالتّذكير هِمم العارفين وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده، لا شريك له جعل النّصيحة من أفضل القربات، ورفع الدّرجات وبعد:
ففي إحدى الجلسات، حصل نقاش بين الحضور حول الزّهد والتّقشّف ولاحظتُ عدم فهم بعض المتناقشين للفرق بين الزُهد والتّقشّف فهم يخلطون بينهما. . . فتدخّلت موضِّحًا معنييّ الزّهد والتّقشّف فقلت: الزّهد في معاجم اللّغة يعني الإعراض عن الشّيء احتقارًا له. . . وكلمة الزّهد تعني الرّاغب عن الدّنيا حبًّا بالآخرة. أمّا كلمة قشف الإنسان فتعني أنّه ساءت حاله ورثَّت هيئته وضاق عيشه وقذر جلده.
بعض المتديّنين يتقشّفون في معيشتهم ظنًّا منهم أنهم بتقشّفهم يتقرّبون إلى الله. . . وفي رأيي أنّ التّقشّف يؤذي الإنسان فيضعف جسمه فيصبح عاجزًا عن أداء فروضه الدّينيّة وقديمًا قيل: العقل السّليم في الجسم السّليم ويقيني أنّ الدّين السّليم بحاجة إلى جسم سليم وعقل سليم كي يدركَ الإنسان ماهيّة الدّين. . . صاحب الجسم النّحيل العليل يتوزّع اهتمامه بين صحّته السّيّئة وواجباته الدّينيّة. . . ولقد قال جمهور العلماء: (ما ثبت ضرره ثبت تحريمه). . . ثقتي بالله ورحمته وإحسانه أكّدتْ لي وجعلتني أؤمن أنّه حاشا لله أن يرضى بتعذيب النّفوس بهذه القسوة.
في القرآن الكريم توصية من الباري تعالى لعباده بالاستفادة ممّا خلقه الله من نعمة، مِنّة وتفضّلًا: (… وكلوا من طيبّات ما رزقناكم) وفي حديث شريف للنّبيّ (عليه الصلاة والسلام) (أن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده). وقال الإمام علي كرّم الله وجهه: (إن الله سبحانه وتعالى أمر عباده تخييرًا ونهاهم تحذيرا وكلّف يسيرًا ولم يكلّف عسيرًا).
ممّا تقدّم ومن دراستي لآيات الله في الكتب المقدّسة ومن أحاديث أنبيائه الكرام، أفهم أنّ التّقشّف غير مرغوب فيه، وأن المقبول والمفضّل عند الله الزُّهد في الدّنيا.
في رسالة الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما يصف الحسن البصري الدّنيا بأنّها (كالحيّة ناعم ملمسها سمّها قاتل) وفي الإنجيل الطّاهر (…افرحوا وابتهجوا أنّ أجركم في السّماوات عظيم…).
روي أنْ إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه هو أحد المتصوِّفة الأقدمين وأن أباه من أهالي بلخ من كبار ملوك خراسان. . . لكنّ الدّكتور سامي مكارم قال: (إنّ المصادر التّاريخيّة لا تذكر لنا واليًا لخراسان أو لبلخ كان باسم أدهم في النّصف الأوّل من القرن الثّاني للهجرة أو في القرن الأوّل).
إبراهيم بن أدهم عربيّ النّسب من بني عجل السّاحل السّوريّ ودُفن في جبله على مقربة من اللاذقية سنة 162 ﻫ.
من أخبار إبراهيم بن أدهم أنه خرج يومًا راكبًا فرسه للصّيد فثار أرنب أو ظبي في طريقه فحثّ فرسه ليلحق بذلك الحيوان فسمع صوتًا من الخلف يقول له: (ليس لذا خُلقتَ ولا بذا أمِرتَ) فالتفت يمينًا وشمالًا ليرى صاحب الصّوت لكنّه لم يَرَ أحدًا فحرَك فرسه لتتابع سيرها فسمع الصّوت يخاطبه مرّة ثانية ثمّ ثالثة فقال: (أنبهت أنبهت جاءني نذير من ربّ العالمين والله لا عصيت بعد يومي هذا ما عصمني ربي).
عاد إبراهيم إلى أهله فترك فرسه واستبدل ثيابه بثياب أحد رعاة أبيه وهام على وجهه حتّى وصل إلى العراق ثمّ إلى بلاد الشّام وكان ذلك في سنة 131 هجرية.
لإبراهيم بن أدهم أقوال تؤكِّد حبّه لله وتقواه مثل: (اللهمّ إنّك تعلم أنّ الجنّة لا تزن عندي جناح بعوضة إذ أنت آنستني بذكرك ورزقتني حبّك وسهّلت عليّ طاعتك فأعطِ الجنّة لمن شئت).
ذكَّرني قول إبراهيم برابعة العدويّة رضي الله عنها حيث تقول: (إلهي إذا كنت أعبدك رهبة من النّار فاحرقني بنار جهنّم، وإذا كنت أعبدك رغبة في الجنّة فاحرمني منها وأمّا إذا كنت أعبدك من أجل محبتك فلا تحرمني من جمالك الأزلي).
هذه هي العبادة الحقيقية لله الجديرة بالقبول والتّكريم عند ربّ العرش العظيم. أمّا العبادة أو التّديّن من أجل ربح زمنيّ مثل كسب الاحترام والجاه أو حتّى ثواب الله فيصفها المؤمنون العارفون بأنّها عبادة التّجار، ومن عبد ربّه خشية عقوبته وتجنّبًا لعذابه فيصفها المؤمنون العارفون بأنّها عبادة العبيد.
قال الإمام علي كرّم الله وجهه: (اللهمّ ما عبدتك خوفًا من نارك أو طمعًا في جنّتك ولكنّي وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك).
اللهمّ اشهد قد بلّغت.. رحمتك يا ربّ …