شهد تأريخ الزّهد والتّصوّف الإسلاميّ حضورًا لافتًا للنّساء الصّوفيّات، ما تزال الكثير منهنّ تقع على هامش البحث الأكاديميّ المعاصر، ولا سيّما الشّخصيّات الّتي لم تحظَ بالشّهرة الواسعة الّتي نالتها بعض الأسماء، مثل رَابِعة العَدَويّة. وهذا التّفاوت من الاهتمام، يؤدّي إلى بقاء عدد من التّجارب والأصوات النّسائيّة حبيسًا في بطون إمّات كتب الطّبقات والتّراجم والمناقب.
ومن بين هذه الشّخصيّات يختار هذا المقال شخصيّة تُحْفَة الزّاهدة- جارية السّري السّقطيّ (ت.867م)، والّتي تُقدّمها المصادر في صورة جارية من بغداد، عُرِفَت بجمالها ومهارتها في الغناء والعزف، قبل أن تتحوّل حياتها، وفقًا للرّوايات المنقولة عنها، إلى تجربة روحيّة قوامها الحبّ الإلهيّ والوجد والانقطاع إلى الله. غير أن أهميّة تُحْفَة لا تكمن في النّصوص الشّعريّة المنسوبة إليها وحدها، بل في الطّريقة الّتي اعتمدتها المصادر في بناء شخصيّتها. تنقل المصادر صورتها من جارية تقبع في ظلّ دائرة المــُلكيّة والبيع والشّراء، إلى امرأة يُفسّر محيطها مظاهر تغيُّرها تفسيرًا دنيويًّا “حبّ إنسان”، ليصل الأمر إلى إيداعها في المارستان، قبل أن يُعاد تأويل تجربتها بوصفها تجربة وجد ومحبّة إلهيّة صوفيّة.
إذًا، من هي تُحْفَة، وكيف رُسِمَت صورتها في المساحة المتاحة لها في إمّات الكتب والمصادر؟ ومن هنا، سيُعنى هذا المقال بقراءة سيرتها التّأريخيّة، وكيفيّة تشكيل صورتها. ويقف هذا المقال عند مجموعة من المحاور المتداخلة، في مقدّمتها علاقة تُحفَة بالحبّ الإلهيّ، والتّوتّر بين العبوديّة الاجتماعيّة والحريّة الرّوحيّة، فضلًا عن التّباين بين التّأويل الّذي يرى في حالتها اِختلالًا أو مرضًا، والتّأويل الصّوفيّ الّذي يفهمها في إطار الوجد والمعرفة والمحبّة.
تُحفَة بين العبوديّة والتّجربة الرّوحيّة: تظهر تُحْفَة في الرّوايات من منظور اجتماعيّ تحكمه علاقة المـُلكيّة؛ فهي جارية تُقَدَّم من خلال جمالها ومهارتها في الغناء والعزف وقيمتها الاقتصاديّة في نظر سيّدها. غير أنّ هذا التّعريف الأوّليّ لا يستمرّ ثابتًا، إذ تشهد الشّخصيّة تحوّلًا جذريًّا ينقلها من عالم المهارة الفنيّة والامتلاك إلى عالم التّجربة الرّوحيّة. وتبدأ هنا نقطة التّحول في لحظة رمزيّة حين تكسر تُحفَة عودها، وتدخل في حالة من البكاء والوجد، الأمر الّذي يعجز محيطها عن تفسيره. وبينما يميل سيّدها إلى فهم حالتها ضمن إطار الحبّ البشريّ أو الاضطّراب. بيد أنّ تُحفَة تعيد من خلال خطابها الشّعريّ، تأويل تجربتها بوصفها استجابة لنداء إلهيّ وتجليًّا للمحبّة. ومن ثمّ، لا تتشكّل شخصيّتها في الرّواية باعتبارها شخصيّة صوفيّة جاهزة منذ البداية، بل من خلال مسار تحوليّ، ينتقل فيه تعريفها من كونها موضوعًا للملكيّة والتّقييم الاقتصاديّ إلى ذات تعبّر عن تجربة روحيّة خاصّة.
تُحفَة بين الجنون والوجد: تدخل تجربة تُحفَة مرحلة أكثر تعقيدًا حين يعجز سيّدها عن فهم التّحوّل الّذي طرأ عليها. فبعد أن انصرفت عن حياتها السّابقة، وأخذت تميل إلى البكاء والهُيام وقيام اللّيل وإنشاد الشّعر، يحاول سيّدها أن يفسّر حالتها ضمن الأطر المألوفة والمعروفة لديه، فاتّهمها بمحبّة إنسان، غير أنّه لم يجد أثرًا لهذا المحبوب. وعندما أخفق في معرفة السّبب، انتقلت تُحفَة إلى المارستان، حيث جرى النّظر إليها بوصفها جارية قد “اختلّ عقلها”. وهنا يُحاكُ حول شخصيّة تُحفَة صراعًا بين تأويليْن مختلفيْن لتجربتها. فمن جهة، يوجد التّأويل الخارجيّ الّذي يمثّله السّيّد والقائمون على المارستان، والّذي يَرَى في تغيُّر سلوكها علامة على المرض والاختلال؛ ومن جهة أخرى، يظهر التّأويل الّذي تعبّر عنه تُحفَة من خلال خطابها الشّعريّ، إذ تفسّر حالتها بتعابير المحبّة الإلهيّة والقرب من الله والانجذاب إليه. وهكذا يتحوّل ما يُقرأ من الخارج بوصفه جنونًا أو اضطرابًا إلى تجربة وجد صوفيّ داخل منطق الرّواية.
هذه الثّنائية بين العامّ والخاصّ، تفرض أهمّية خاصّة، لأنّ تحفة لا تبقى موضوعًا لتفسير الآخرين. فبدل قبول الوصف الّذي يفرضه عليها المحيط، تتحدث عن الحبّ الّذي استولى على قلبها، وعن علاقتها بالله بوصفها مصدرًا لما يبدو للآخرين غريبًا أو غير مفهوم. ومن هنا يصبح الشّعر عنصرًا أساسيًّا في بناء شخصيّتها، لأنّه يمثِّل المجال الّذي تنتقل فيه من كونها امرأة يُتَحَدَّث عنها إلى ذات تَتَحَدّث عن نفسها وعن تجربتها.
يبلغ التّحوُّل الّذي طرأ على شخصيّتها مرحلة جديدة، وذلك مع دخول السّريّ السّقطيّ إلى المارستان؛ وهنا سيُظهر دخوله عجز الآخرين عن إدراك معنى تجربّة تُحفَة، فما أن يسمع السّقطيّ كلامها وشعرها، حتّى يعي كنه حالتها، فتبدأ الرّواية بإعادة تعريف الشّخصيّة من خلال منظور روحيّ مختلف. ولذلك فإنّ حضور السّقطيّ لا يؤدّي وظيفة سرديّة فحسب، بل يمثِّل لحظة انتقال من سوء الفهم الاجتماعيّ إلى الاعتراف الرّوحيّ بتجربة تُحفَة ومكانتها.
تُحفَة والرّمز: تشكّل لحظة كسر تُحفَة للعود نقطةً دلاليّةً مفصليّةً في بناء تجربتها داخل الرّواية؛ فالعود، الّذي ارتبط في بداية الحكاية بعالم الغناء والمهارة الفنّيّة وموقعها بوصفها جارية مملوكة، يتحوّل كسره إلى علامة ورمز على حدوث قطيعة مع هذا العالم. ولا يُرَدّ هذا الفعل بوصفه تفصيلًا عابرًا، بل يأتي متزامنًا مع البكاء والانتقال إلى التّعبير عن تجربة داخليّة جديدة. ومن ثمّ، يمكن قراءة كسر العود بوصفه رمزًا للتّحوّل الرّوحيّ الّذي تعيشه تُحفَة؛ إذ تتراجع أداة الغناء الماديّ لتحلّ مكانها لغة أخرى، هي لغة الشِّعر والوجد والمحبّة الإلهيّة.
صوت تُحفَة الشّعريّ وتجلّيات الحبّ الإلهيّ: إذا كانت الرّواية قد جعلت من كسر العود علامةً على التّحوّل الّذي طرأ على حياة تُحفَة، فإنّ الشِّعر الّذي تنشده بعد ذلك يمنح هذا التّحوُّل لغته الخاصّة؛ فشِعرها هنا سيؤدّي وظيفة أساسيّة في الكشف عن عالمها الدّاخليّ، إذ تتحوّل من شخصيّة يتحدّث الآخرون عن حالها ويحاولون تفسيرها، إلى ذات تتولّى التّعبير عن تجربتها بنفسها. وذلك من خلال النّماذج الشّعريّة الآتية يمكن من خلالها الوقوف على صور مختلفة للحبّ الإلهيّ في خطابها.
تقول تُحفة في أحد أشعارها تصف الحبّ كعهد ووفاء وامتلاء بالمحبوب:
وحقّك لا نقضت للدّهر عهدًا ولا كدّرت بعد الصّفو ودًّا
لأت جوانحي والقلب وجدًا فكيف ألدُّ أو أسلو وأهدأ
فيا من ليس لي مولى سواه تراك تتركني في النّاس عبدا
يكشف هذا النّموذج عن أنّ الحبّ الإلهيّ عند تُحفَة لا يظهر بوصفه عاطفة عابرة، بل بوصفه حالة وجوديّة تعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالعالم، وتمثّل نقطة التّحوُّل الأولى في تجربتها الرّوحيّة. وفي هذه الأبيات تأكّد تُحفَة على معنى وأهميّة العهد والوفاء، فاستعمالها للقسم في قولها: “وحقّكَ لا نقضتُ الدّهر عهدًا”، يمنح العلاقة بالمحبوب طابعًا ثابتًا لا تحدّه لحظة عابرة أو انفعال مؤقّت. ويتعزّز هذا المعنى من خلال نفي نقض العهد أو إفساد الودّ، بما يجعل المحبّة علاقة استمراريّة والتزام. ثمّ تنتقل الصّورة من مستوى العهد إلى مستوى أكثر عمقًا حين تصف حضور المحبوب بأنّه ملأ “الجوانح والقلب والجسد”، وهي صورة توحي بأنّ الحبّ لم يعد شعورًا خارجيًّا، بل أصبح حالة تستوعب الكيان كلّه. ومن هنا يصبح “السّلو-أيّ النّسيان” مستحيلًا، لأنّ المحبوب يحتلّ الدّاخل الإنسانيّ بكامله. كما أنّ الإشارة إلى أنّه “ليس لي مولى سواه” تضيف إلى الحبّ بعدًا توحيديًّا، إذ ينحصر التّعلّق في محبوب واحد. وبذلك تصوغ الأبيات الحبّ الإلهيّ بوصفه عهدًا دائمًا وحضورًا شاملًا وانتماءً كليًّا إلى الله.
وفي النّموذج الثّاني، يظهر الحبّ بوصفه خطابًا إلهيًّا واصطفاءً واستجابة:
خاطبني الحقُّ من جناني فكان وعظي على لساني
قرّبني من بَعدِ بُعدٍ وخصّني منه واصطفاني
أجبتُ لمّا دُعيتُ طَوعًا مُلَبّيًا للّذي دعاني
وخفتُ ممّا جنيتُ قدمًا فوقع الحبّ بالأماني
في هذا النّصّ تبدأ تُحفَة بالخطاب الإلهيّ، وتستخدم الأفعال المتتابعة: “خاطبني- قرّبني- خصّني- اصطفاني”، من ثمّ: “دُعيت-أجبت”، ولهذا أهميّة دلاليّة واضحة، لأنّها بذلك ترسم حركة تقوم على الدّعوة والاستجابة. فالله، بحسب خطابها الشّعريّ، هو الّذي يخاطب ويقرّب ويخصّ ويصطفي، بينما تأتي استجابتها في صورة الطّوع والخضوع والتّلبية. كما أنّ الانتقال من “البُعد” إلى “القُرب”، يرسم مسارًا روحيًّا تتحوّل فيه المسافة من بعاد إلى وصال، ويصبح الحبّ نتيجة لهذا التّقارب. وعليه، يكشف شِعرها هنا أنّ الحبّ عند تُحفَة لا يُصَوَّر باعتباره انفعالًا أحاديّ الاتّجاه، بل علاقة تقوم على الخطاب والقرب والدّعوة والاستجابة، وهو ما يمنح الذّات المــُحبّة حضورًا فاعلًا في تجربتها الرّوحيّة.
وفي النّموذج الثّالث، يظهر الحبّ بوصفه شوقًا وألمًا وانفرادًا بالمحبوب:
محبّ الله في الدّنيا عليل تطاول سُقمُه فدواه داه
سقاه من محبَّته بكأس فأرواه المهيمن إذ سقاه
فهام بحبّه وسما إليه فليس يريد محبوبًا سواه
كذاك من ادّعى لله حبًّا يهيم بحبّه حتّى يراه
يتبنّى النّصّ هنا النص أسلوب المفارقة بين المرض والدّواء؛ فالمحبّ “سقيم وعليل”، دواءه لا يأتي من الخروج من حالة الحبّ، بل يصبح الحبّ نفسه مصدر الدّواء والدّاء في آن. وهذه المفارقة تكشف عن الشّوق الصّوفيّ بوصفه حالة تجمع اللّذة والألم، والقرب والشّغف المستمرّ إلى المزيد من القرب. ويزداد هذا المعنى وضوحًا في قولها: “فهام بحبّه”، إذ يتحوَّل الحبّ هنا إلى حالة استغراق كامل، ثمّ يصل النّصّ إلى ذروته في العبارة: “فليس يريد محبوبًا سواه”. وهنا تنتقل التّجربة من مجرّد التّعلّق إلى الانفراد بالمحبوب، فلا يعود في دائرة الرّغبة محبوب آخر ينافس المحبوب الإلهيّ. وبذلك يتحوّل الشّوق إلى وسيلة لتأكيد خصوصيّة العلاقة بالله، ويصبح الألم جزءًا من هذه التّجربة لا نقيضًا لها.
تكشف قصّة تحفة، من خلال مسارها السّرديّ وشِعرها في المصادر، عن مفارقة لافتة بين موقعها الاجتماعيّ وصوتها الرّوحيّ الصّوفيّ. فهي تبدأ في الرّواية بوصفها جارية مملوكة، تُقاس قيمتها بما تمتلكه من جمال ومهارة في الغناء وحسن الأدب، لتتحوّل عندما دعاها الحقّ تعالى إلى غير ما رآه الآخرون من اختلال عقليّ أو جنون، فيأتي شعرها كاشفًا ومعبّرًا عن تجربة داخليّة روحيّة لا يستطيعون إدراكها.
لقد حاول هذا المقال استعادة حضور وقراءة شخصيّة تُحفَة الزّاهدة، الّتي تكلّمت من خلال شعرها عن محبّتها لله، وعن شوقها وقربها منه. ولم تكن هذه القراءة محاولةً لاستقصاء سيرتها أو اختزال تجربتها في صورة واحدة، بقدر ما سعت إلى الإصغاء إلى صوتها كما حفظته المصادر، وتتبّع المسافة بين ما قيل عنها وما قالته هي عن تجربتها. ومن هنا تتجاوز أهميّة تُحفَة الزّاهدة شخصيّتها الفرديّة، لتفتح سؤالًا أوسع حول حضور المرأة الصّوفيّة في المصادر وكتب التّراجم، والحيّز الّذي أتيح لصوتها وأدبها، وما يمكن أن تكشفه قراءة هذه النّصوص عن السّياقات التّأريخيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة الّتي تشكّل فيها هذا الحضور.
المصادر:
- عفيف الدّين أبي السّعادات المكيّ. روض الرّياحين في حكايا الصّالحين. دمشق: دار البشائر، 1995.
- زينب فوّاز. الدّرّ المنثور في طبقات ربّات الخدور. المملكة المتّحدة: مؤسّسة هنداوي، 2015.