الموقع قيد التحديث!

تعقيب على كتاب: “توحيد الله عند الدروز” تأليف: الدكتور رضوان منصور

بقلم الدكتور كمال نايف شرف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

خير ما نستهلّ به القول هو أنّ التّوحيد في مفهوم المذهب الدّرزيّ يتجلّى بعمق مفاهيمه وروحه الفكريّة من خلال التأمُّل في آيات القرآن الكريم، وبالأخصّ آية الكرسي، إذ تمثِّل هذه الآية المباركة قمّة الإشارة إلى وحدانيّة الله المطلقة، وارتباط الكيان الإنسانيّ بإرادة الله الأزليّة الّتي لا تدركها العقول إلّا عبر الرّضى والتّسليم المطلق بعظمته وجلاله.

الكتاب لا يُعبِّر فقط عن أصول الإيمان التّوحيديّ، بل يُسبر المؤلّف أغوار الفلسفة التّوحيديّة، مستكشفًا معانيها العميقة وجوهرها الرُوحيّ، موضّحًا التّوحيد كمبدأ جوهريّ يتجاوز الشّكل إلى الجوهر، والظّاهر إلى الباطن. فمن خلال البحث والتّحليل، يعرض الكاتب رؤية متكاملة عن مفهوم التّوحيد، كما يوضّح أثره في الحياة الفرديّة والجماعيّة، وفي السلوك والمعرفة.

لقد أتيح لي الاطّلاع على هذا الكتاب والّتأمُّل في مضامينه، فوجدته يقدِّم رؤية منهجيّة عميقة تعكس فهمًا راسخًا لأركان التّوحيد، مستنِدًا إلى مصادر دينيّة وفلسفيّة رصينة، ممّا يجعله مرجعًا مهمًّا لكلّ باحث ومهتّم بهذا المجال. إن نشر مثل هذه الكتب يعزِّز الحوار الفكريّ، ويُسهم في إثراء الفهم الصحيح للعقيدة التّوحيديّة، خصوصًا في عالمنا المعاصر الّذي يحتاج إلى مزيد من المعرفة المبنيّة على التّأمّل والتّدبُّر، بعيدًا عن السّطحيّة أو التّفسيرات القاصرة.

أشار الكاتب إلى ما دوّنه بعض المؤرّخين والمستشرقين من معلومات مغلوطة عن الدّروز عَبْر التّاريخ، إذ حاول كثير منهم تحجيم إيمان الدّروز، ونعتوا المذهب بالتُّهم الباطلة كالإلحاد والكفر، ونسبوا إليه عادات لم تكن موجودة أصلًا. فجاء كتاب الدّكتور رضوان منصور ليبيّن أنّ التّوحيد هو جوهر العقيدة، وأنه ليس حكرًا على دين أو مذهب بعينه، بل وُجد في حضارات وثقافات سابقة ومتوازية، مثل الدّين الأخناتوني، الزرادشتي والمندائي، حيث آمن أتباعها بإله واحد خالق وسامٍ. كما يذكر الكتاب شخصيّات موحِّدة بارزة مثل ملكي صادق الّذي عاصر النّبي إبراهيم ونال منه التّقدير لمكانته الرّوحيّة.

تاريخيًّا، برز النّبي شعيب عليه السّلام كشخصيّة محوريّة في نشر دعوة التّوحيد، حيث تعلّم منه النّبيّ موسى الحكمة، وقد أكدّ القرآن الكريم نبوّته بعد أن وصفته التّوراة بكاهن موحِّد. وتشير المصادر أيضًا إلى جماعات مثل قوم رحاب الّذين عاشوا بين بني إسرائيل وتميّزوا بإيمانهم العميق ووفائهم لعهدهم مع الله، حتّى بشّرهم النّبيّ إرميا باستمراريّة نسلهم.

هذه الشّواهد تؤكّد أنّ التّوحيد مبدأ راسخ ومتجذِّر في ضمير الإنسانيّة منذ أقدم العصور، ويمثِّل رابطًا روحانيًّا وأخلاقيًّا مشتركًا بين شعوب وديانات متعدّدة.

وقد أبرز الكاتب إيمان الموحّدين الدّروز بـ “العقل الكلّيّ”، وهي نظريّة قديمة تناولها العديد من الفلاسفة والمفكّرين، من بينهم:

  • أفلاطون: في فكرته عن “عالم المُثُل”.
  • الرّواقيّون: بمفهوم “اللّوغوس” أو العقل الكونيّ.
  • أفلوطين: الّذي حدّد ثلاث مراتب للوجود: الواحد – العقل – النّفس.
  • الفلاسفة الإسلاميّون مثل الفارابي وابن سينا: الّذين تحدّثوا عن “العقل الفعّال” كواسطة بين الله والإنسان.
  • الصّوفية مثل ابن عربي والسّهروردي: الّذين رأوا أنّ العقل الكلّيّ يتجلّى في “الإنسان الكامل” أو “الرّوح المحمديّة” أو “النور”.

كما أشار الدّكتور رضوان منصور إلى أن مفهوم “العقل الفعّال” عند الموحّدين الدّروز هو امتداد لإرث فلسفيّ وعقائديّ سابق على تبلور المذهب التّوحيديّ، كما ظهر عند فلاسفة مسلمين مثل مسلمة المجريطي في كتابه غاية الحكيم (Picatrix)، الّذي اعتبر العقل الفعّال وسيطًا بين الإلهيّ والماديّ، ومصدرًا لإدراك الحقيقة. وحتّى في الفكر الغربيّ، كما عند فرويد في كتاب مستقبل وهم، أو الفيزيائيّ إرفن شرودنغر في كتاب العقل والمادة، نجد إشارات لفكرة وجود عقل كوني يدبّر العالم، وإن طُرحت من منظور نفسيّ أو علميّ.

كما تطرّق الكاتب لمفهوم الرّوح وأزليّتها واتّحادها بالجسد في الرّؤية التّوحيديّة الدّرزيّة، وبيّن أن العلماء والفلاسفة المسلمين قد اختلفوا في جوهرها: فمنهم من اعتبرها جوهرًا غير ماديّ، ومنهم من ربطها بالنّفس أو بطاقة الحياة. وقد اجتهد كبار العلماء كالغزالي والرّازي والطّبري في هذه المسألة. فقد أكّد الغزالي على خلود الرّوح وبقائها بعد الموت وانتقالها إلى حياة أخرى، مبرزًا أنّ الأعمال الصّالحة هي الّتي تحدّد مصيرها.

وتتّفق الدّيانات الإبراهيميّة على مصير الرّوح بعد الموت: اليهوديّة (يوم الحساب)، المسيحيّة (يوم الدّينونة)، الإسلام (يوم القيامة)، وكلّها تشير إلى عودة الرّوح ومحاسبتها على أفعالها.

أما في العصر الحاضر، فقد أظهر الكاتب تقارير ومعلومات مهمّة عن الدّروز وشخصيّاتهم الدّينيّة المرموقة، مبيّنًا أنّ هذا الكتاب يحتوي على العديد من القضايا الفلسفيّة الّتي تستحقّ البحث الأكاديميّ المتعمّق، وقد ترقى إلى مستوى رسائل ماجستير ودكتوراه.

وفي الختام، أتوجّه بخالص الشّكر والتّقدير إلى المؤلّف على جهده الكبير في تقديم هذه الرّؤية المتكاملة، راجيًا أن يكون هذا الكتاب منارة للفكر التّوحيديّ، ومصدر إلهام لكلّ قارئ يسعى إلى المعرفة الحقيقيّة.


الدكتور كمال نايف شرف

حاصل على دكتوراه في علوم الأحياء (بيولوجيا النشوء والارتقاء)، وباحث في مجالات الزراعة وحماية النبات. ناشر لمقالات علمية في مجلات دولية مرموقة، ويشغل منصب مسؤول عن الحجر الزراعي في وزارة الزراعة.

مقالات ذات صلة:

“لا تيأسي يا أمة التوحيد..”

كلمة  للمرحوم الشّيخ سميح ناطور نشرت عام 2019 بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ولا تزال تنبض بالحياة في واقعنا الراهن.. نعيد