الموقع قيد التحديث!

تأملات في جوهر التّضحية

بقلم الشّيخ أبو توفيق سليمان سيف
يانوح

سوق بلخ…خرسان… القرن الثامن للميلاد…

متسوّل ختيار فقير يجلس بجانب الطّريق وموقف مؤثِّر كبير يتربّص له بين الوجوه. فقد راح هذا العجوز يستنجد بالنّاس طلبًا لدرهم صدقة يسدّ به جوعه. وإذ يمرّ به رجل متواضع ذو وجه صبيح، فاستبشر به المتسوّل خيرًا واقترب منه ليسأله بضعة نقود، ففتّش الرّجل جيبته الصّوفيّة البالية فلم يجد فيها شيئًا فنظر إلى العجوز مشفقًا وقال له: “إنّني لا أملك للأسف أيّ شيء أعطيك إيّاه ولكن أتعلم ماذا؟ بالقرب منّا يوجد سوق للعبيد فإن بعتني لأحد التّجار فيه قد تستنفع بثمني”. عارض العجوز في البداية هذه الفكرة إلّا أن ذلك الرّجل ألحّ عليه فقام العجوز ببيعه في سوق العبيد وحصل على ثمنه دراهم معدودة.

ما جهله ذلك العجوز بأنّ هذا الرّجل النّخيّ هو “سلطان الزّاهدين” بعينه ملك خرسان المعظّم الّذي اختار التّنسّك وخلع حلل الملوك والفخفخة ولبس الصّوف وانطلق في مغامرة تنويريّة روحيّة عميقة.

إنّه الولي الصّالح إبراهيم بن أدهم هل تتصوّر ذلك؟! ملك مبجّل  يملك من العزّة والمال والفرسان ما لا يحصى، يتخلّى عن حريته ويبيع نفسه في سوق الرِّق والعبوديّة والعمل الشّاق مقابل أجر زهيد يتحسّن به على متسوّل عجوز لا يعرفه أصلًا ؟قد لا يتقبّل عقلك هذه الحقيقة ولكن اِعلم أيّها القارئ الكريم بأنّ مضحيًّا كذاك في لحظة تضحية كتلك، يكون قد اعتلى عرش السّرور الرّوحاني الخام وكرسيّ التّناغم النّورانيّ التّامّ بل لا سبيل لوصف مشاعر الرّضى عن نفسه وقت أن يرى ابتسامة المسكين ولا سبيل لشمّ جمال عبق نخاعه الفلّي وقت أن يعلم بأنّه قد أنقذ أحدهم،  ولا سبيل لحصر لمعانه الكهرمانيّ الأصفر  وقت أن يتأكّد بأنّ كفّة الخير في هذا العالم قد زاد للتوّ محصولها. وهذه هي روعة كون الشّخص باذلًا لنفسه وبكلّ ما لديه لجعل غيره بعيد كلّ البُعد عن قطب النرّجسيّة لا يعرفه، بل مواطن حبيب في قطب الإيثار لا يعرف غيره يلتذّ بتقديم المعونة وينتخيَ للمحتاجين ويتفانى في الّتضحية في سبيله كما الشّمس الشّقراء

أما أنت أيها القارئ الكريم فيجدر بك أن تزرع في لبّك هذه الخِلّة الأريحيّة لكي ترقى بالآخرين وبنفسك ولكي يزداد رصيد تجربة لسانك يتذوّق لّذة رائعة كتلك. لذا عليك أن تحاول منفعة ومساعدة كلّ من يحتكّ بك وأن تفيده علميًّا أو عمليًّا أو ماديًّا أو شعوريًّا أو حتّى بنصيحة مسبوكة بنيّة صادقة لترقيته، المهمّ هو بأن يحرص على ارتقائه وتحسينه وتخليصه من مشكلته (لو كان هنالك واحدة) بكلّ جوارحك ومشاعرك، أي كما لو كان هو أو هي، أنت. وذلك بإخلاص تامّ على الإفادة وليس الإدانة (أي لا تمنن عليه وتذكّره بفضلك لاحقًا) ولا تنتظر مكافأة على تضحياتك إذ أن التّضحية ولذّتها بحدّ ذاتها، هي المكافأة. ولا تهتمّ عن لم يقدّروا تضحياتك أو إن اعتبروها كشسع نعل كليب، فالتّضحية سترقّيهم وترقّيك مع تقديرهم أو بدون. وها نحن لا نسمع الجرانيت يتذمّر ويطالب بحقّه من شهرة قلم الرّصاص مثلاً.

إنّ حاجة البيئة الاجتماعيّة السليمة للتّضحية والمساعدة بين أفرادها لا تقلّ عن حاجة أهل الملاعق الطويلة لبعضهم البعض. إذ تحكي الحكاية عن مسافر مرّ في إحدى رحلاته البعيدة بجانب قلعة كبيرة عُلّقت بجانبها لافتة “بلاد الملاعق الطّويلة”. فدفعه الفضول ليستكشف سبب هذا العنوان الغريب، فتقدّم إلى باب القصر وطرقه طالبًا الدّخول ولما لم يجبه أحد قرّر لشدّة فضوله أن يفتح الباب ويدخل. فوجد في الدّاخل طريقًا على اليمين وآخر على اليسار وبدون أن يشعر وجد نفسه يمشي في الطّريق اليساريّ. وعند نهاية الطّريق عثر على باب عملاق تصدر من ورائه أصوات بكاء ونحيب شديد. فلمّا فتحه رأى قاعة ضخمة فيها طاولات كبير ة مليئة بكل أنواع الأطعمة الشّهيّة والمشروبات اللّذيذة، وبجانب هذه الطّاولات كان هناك العديد من الرّجال والنّساء والأطفال ولكنّهم كانوا كلّهم يبكون بكاء مريرًا من شدّة الجوع. فبالرّغم من تواجد الطعام، إلّا أن يدي كلّ واحد كان ملصقًا بهما ملعقتيْن طويلتيْن جدًّا (وكانت الملاعق ملصقة بحيث لا يستطيعون إزالتها عن أيديهم). فكانوا كلّما أرادوا ان يأكلوا لم يستطيعوا توصيل الملاعب الحاملة للغذاء إلى أفواههم، نظرًا لكون الملعقة أطول من ذراعهم نفسها، فلذا فقد كانت وجوههم تفضح جوعهم. أغلق المسافر باب القاعة المشؤومة وقفل عائدًا بكآبة. ثمّ تغلّب عليه الفضول مجدّدًا ودفعه لمعرفة ماذا يوجد عند الطّريق الأيمن.

وهنا أيضًا وجد بابًا لقاعة عملاقة ولكن بعكس السّابقة كانت تصدر من هذه القاعة أصوات ضحك سعيدة وتعابير فرحة. فتح الباب ليجد بالضّبط نفس تفاصيل القاعة السّابقة من طعام وأُناسًا وملاعق طويلة ملتصقة بأيديهم، إلّا أن أهل هذه الغرفة كانوا يقومون بطريقة حكيمة لكي يتغذّوا، فكانوا يجلسون كأزواج متقابلة حول المائدة, وكلّ واحد منهم كان يطعم زميله بملعقته الطّويلة، وبالمقابل يقوم زميله بإطعامه، وهكذا فلم يبق أيّ جائع وكلهم كانوا يطعمون بعضهم البعض بفرح ومحبّة.

عاد المسافر ليتابع رحلته مع عبرة لن ينساها أبدًا، المجتمع الأسعد هو ذاك الّذي يتآزر أبناؤه مع بعضهم البعض، والّذي يؤثّر كلّ فرد فيه الآخر على نفسه تمامًا. ففي الحقيقة ثمّة شيء واحد فقط الذّ من أن تحقّق أحلامك، أن تساعد شخصّا آخر على تحقيق أحلامه هو! ولكن طبعًا يجب عدم المبالغة والتّفريط الأعمى بالسّعادة، فليس القصد من التّضحية هنا ان يتطرّف المرء ويضيع سلامته وهناءته  بصورة جوفاء، لأن هكذا لن تكون دائرة السّرور الكليّة مكتملة، فنضل عن هدفنا من خلال معاملتك الباذلة للآخرين، يمكنك أن تحثّهم بشكل غير مباشر ( لكي تخلص ما فعلت وليس لأجل الرّياء أو الإدانة) على روعة كون المرء أنانيّ بل متفانيًا بالإيثار  وبتقديم النخوة لغيره، وذلك لكي لا يطمع المنتفع بعد أن تعامل معك باتّخاذ الاستغلال منهجًا في حياته، هكذا سيمسي العالم حقًّا مكانًا أخير ومليئًا بسكّر الأناناس الأصفر. والاستغلال الّذي هو سلاح الكسلان والنّرجسيّ هو من أبخس الصّفات الّتي يتوجّب عليك أن تمنعها من الانصقال فيك أو تقلعها من جذورها، بصولجانك لو كانت فيك أصلًا ويمكنك أيضًا لمعالجة ذلك أن تجعل لنفسك مذكِّرًا داخليًّا ومنبها دائمًا يحذّر بألّا تكون مصدر تكليف أو غلبة على أحد. أسأل ذلك باستمرار:” هل أنا أشكّل عبئًا على أحد الآن، أو بباقي الأوقات؟” ثم كفّ عن ذلك حالًا والحلّ في التّعامل مع المستغلّين هو أت ترغّبه بما ذكرنا في حجيرة الكرم سابقًا أ ي أن تذكر له لذّة الإنجاز والعطاء والاهتمام بالآخرين. وأن تشرح له عن طيبة معشر الإنسان عديم التّكليف والخفيف الظّلّ والمراعي لمشاعر الآخرين، ثم نصيحة صادقة بالكفّ عن الاستغلال (هذا لأنّهم أحيانًا لا يشعرون بأنّهم يستغلّون).

مقالات ذات صلة:

الأجاويد

سلوك الأجاويد: يُسمّي الدروز رجل الدين جويدًا” إمعانا في التواضع، واحتراما للحقيقة. إذ أن الجويد هو مصغَّر جيّد، فالجودة هي