الموقع قيد التحديث!

بُطْم النّبيّ شعيب (ع) Pistacia jethroensis

بقلم الشّيخ د. كمال شرف
حرفيش

إنّ العثور على شجرة بطم دائمة الخضرة في محيط مقام النّبيّ شعيب قد يكون ناتجًا عن تهجين طبيعيّ بين نوع متساقط الأوراق، مثل البطم الأطلسيّ (Pistacia atlantica) أو البطم الإسرائيليّ (Pistacia palaestina)، ونوع دائم الخضرة مثل بطم المستكة (Pistacia lentiscus). ويُعدّ هذا الاكتشاف ذا أهمّيّة علميّة وبيئيّة وزراعيّة لافتة.

الدّلالة النّباتيّة والبيئيّة

تنتمي جميع أشجار البطم إلى جنس Pistacia، إلّا أنّ الاختلافات في عدد الكروموسومات وآليّات التّكاثر تجعل حدوث التّهجين الطّبيعّي بينها أمرًا غير شائع. وإذا ثبت أنّ هذه الشّجرة تمثّل هجينًا مستقرًاّ، فقد يشير ذلك إلى ظاهرة تطوريّة نادرة تمكّنت فيها أنواع مختلفة من التّزاوج طبيعيًّا وإنتاج نسل خصب.

وتتجلّى أهمّيّة هذا التّهجين في عدّة جوانب:

الأهمّيّة البيولوجيّة والنّباتيّة

•        ظاهرة تطوريّة نادرة: إن التّهجين الطّبيعّي بين أنواع البطم، وخاصّة بين الأنواع متساقطة الأوراق ودائمة الخضرة، يُعدُّ حالة غير مألوفة في الطّبيعة.

•        التّكيُّف المناخيّ: الجمع بين صفتيّ التّساقط والدّيمومة الخضريّة قد يمنح الشّجرة قدرة أكبر على التّأقلم مع الظّروف البيئيّة المتغيِّرة.

•        إثراء التّنوّع الحيويّ: ظهور أشجار ذات صفات وسطيّة قد يضيف تنوّعًا جديدًا للنّظم البيئيّة المحليّة.

الأهمّيّة الزّراعيّة والبستانيّة

•        توفير الظلّ والمشهد الأخضر: يمكن الاستفادة من صفة الدّيمومة الخضريّة في مشاريع التّشجير وتنسيق الحدائق حيث تكون الحاجة إلى الظلّ والخضرة طوال العام.

•        إمكانات زراعيّة جديدة: قد يفتح هذا التّهجين آفاقًا لاستخدام هذه السّلالات في برامج الإكثار والبستنة بفضل خصائصها الّتي تجمع بين صلابة الأنواع المحليّة وجماليّة الأشجار الدّائمة الخضرة.

وتُظهِر هذه الشّجرة صفات وسطيّة ناتجة عن اندماج وراثيّ بين النّوعيْن، حيث تحتفظ بقدر من الدّيمومة الخضريّة مع خلفيّة وراثيّة تعود جزئيًّا إلى أنواع متساقطة الأوراق، الأمر الّذي يمنحها قدرة عالية على التّأقلم مع البيئة المحليّة.

البُعد الرّوحي ّوالتّاريخيّ

إنّ وجود هذه الشّجرة تحديدًا في محيط مقام النّبيّ شعيب يفتح بابًا لتأمُّل رمزيّ عميق. فمقام النّبيّ شعيب، الواقع في حطّين قرب طبريا، يُعدّ أقدس موقع لدى الطّائفة الدّرزيّة، وتربط التّقاليد بين شعيب- الّذي يُعرَّف غالبًا مع يثرون التّوراتيّ- وبين نقل مبادئ التّوحيد.

كما أنّ شخصيّات مثل يثرون وملكي صادق، المذكورتيْن في النّصوص التّوراتيّة، تمثّلان رموزًا مبكّرة لفكرة الإيمان بإله واحد قبل تبلور الدّيانات التّوحيديّة الكبرى. ومن هنا يمكن النّظر إلى وجود شجرة تمثّل “اندماج نوعيْن مختلفيْن” في المكان المقدّس لشخصيّة ترمز إلى “الوحدة والحكمة الجامعة” بوصفه رمزًا ذا معنى عميق.

يُعتبَر هذا المزيج ظاهرة تطوريّة نادرة، خاصّة وأنّ الاختلافات في آليّات التّكاثر وعدد الكروموسومات تجعل من الصّعب عادةً إنتاج نسل خصب يجمع بين هذه الصّفات المتناقضة.

يرتبط وجود شجرة “البطم الهجين” بمحيط مقام النّبيّ شعيب برباط رمزيّ وروحيّ وثيق يتجاوز التّفسير العلميّ المباشر، وذلك وفقاً لما ورد في المصادر:

•        رمزيّة الوحدة والحكمة الجامعة: يُعدُّ مقام النّبيّ شعيب في “حطّين” أقدس موقع لدى الطّائفة الدّرزيّة، وتربط التّقاليد بين شخصيّة النّبيّ شعيب (الّذي يُعرف غالبًا بـ “يثرون” في النّصوص التّوراتيّة) وبين نقل مبادئ التّوحيد. ومن هنا، يُنظر إلى الشّجرة الّتي تمثّل “اندماج نوعين مختلفين في واحد” كرمز عميق يعكس قيم الوحدة والحكمة الجامعة الّتي تمثّلها هذه الشّخصيّة الرّوحيّة.

•        الإيمان بالتّوحيد قبل التّبلور: تشير المصادر إلى أن شخصيّات مثل يثرون (النّبيّ شعيب) تمثّل رموزًا مبكِّرة لفكرة الإيمان بإله واحد قبل تبلور الدّيانات التّوحيديّة الكبرى. لذا، فإنّ وجود شجرة ناتجة عن تهجين طبيعيّ في هذا المكان المقدّس يكتسب معنى رمزيًّا باعتباره تجسيدًا ماديًّا لفكرة الاتّصال والاندماج.

لقاء العلم بالإيمان والتّاريخ: يمثّل العثور على هذه الشّجرة حالة فريدة يلتقي فيها العلم بالتّاريخ وبالإيمان؛ فهي تُظهِر كيف يمكن للطّبيعة والعقيدة معًا أن تشكِّلا شهادة حيّة على عمليّات عميقة من التّحوُّل والتّطوُّر والاتّصال الرّوحيّ والماديّ

خلاصة

إذا ثبت علميًّا أنّ هذه الشّجرة ناتجة عن تهجين طبيعيّ، فإنّها تمثّل اكتشافًا ذا أهمّيّة على المستوييْن البيولوجيّ والرّمزيّ. إنّها حالة يلتقي فيها العلم والتّاريخ والإيمان، وتظهر كيف يمكن للطّبيعة أن تعكس عمليّات عميقة من التّطوُّر والاتّصال والوحدة..  

مقالات ذات صلة:

نشاطات طائفيّة – العدد 159

فضيلة الشّيخ يهنّئ سماحة الشّيخ سامي أبي المنى بعد تنصيبه شيخَ عقلٍ للطّائفة الدّرزيّة في لبنان جرى صباح السّبت الموافق