الموقع قيد التحديث!

النّية الطّيبة – تعريفها ودورها في بناء الشّخصية التّوحيديّة

بقلم الأستاذ الشّيخ غسّان يوسف أبوذياب
لبنان

النّيّة في اللّغة: القصد والعزم والإرادة، وهي حالة وصفة للقلب، مخزونة فيه، يصفو بها.

وجاء في الحديث الشّريف: “إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى”. نسترشد من هذا الحديث أنّ ثواب الأعمال، والتّوفيق دنيا ودينًا قرون بالنّيّة الصّادقة.

والنّيّة المخلصة المقصود بها وجه اللّه وحده، وهي سرّ من أسرار اللّه استودعه اللّه من أحبّه من عباده، وأهمّيّتها تكمن في أمور عدّة منها:

1-    كونها عبادة لأنّها تؤثّر بقيمة العمل لا بشكله، فالمفترضات الدّينية كلّها من صلاة وزكاة وصوم… تحدّد قيمتَها النّيّة المخلصة، لا شكلها.

2-    المؤمن المخلصة نيّته لله، ثابت في مواقفه لا يتزعزع لثقته بخالقه، وتوقّيه من ملاحظة الأشخاص، يعني لا يفرح بمدحهم لأعماله الحسنة فيزيد منها، ويستوي عنده مدحهم وذمّهم، همّه الأوحد ابتغاء وجه ربّه الأعلى. {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ (21)} [سورة اللّيل] فيرضيه اللّه سبحانه، بالثّبات على الدّين، والتّوفيق، والعناية، والصّيانة. سبحانه من إله رؤوف منّان.

3-    النّيّة المخلصة تنبثق من قلب صافٍ لا يخرج من دائرة العبوديّة لله سبحانه، وهو الحارس الدّاخليّ لها يمنعها من أن تطلب سمعةً أو شهرة، لذلك هي مصانة من الرّياء والنّفاق.

4-    النّيّة المخلصة تبعث الطّمأنينة في القلب، والرّاحة والسّكون. يقول الحقّ سبحانه: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18] وقد سُئل أحد العلماء: ما هي الوسادة النّاعمة؟ أجاب: راحة الضّمير.

5-    النّيّة المخلصة تزيد البركات، وتأتي بالخيرات؛ النّيّة الطّيبة تزيد البركات لأنّ صاحبها محفوف بالتّوفيق، وجذبته العناية الإلهيّة إليه، وتفتّحت أبواب الخير له وتيسّرت أموره، واستجاب اللّه سؤاله. قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال:23] وإنّ العمل مهما كان صغيرًا، فبإخلاص النّيّة صار كبيرًا. نُقل حديث عن سيّدنا الشّيخ أبي حسن عارف(ر) وهو في أواخر سنين عمره:” النّيّة كرأس النّبع والأعمال كالسّواقي، فمهما اعتنينا بالسّواقي فإنّها معرّضة للأوساخ، ولكن يبقى رأس النّبع دائمًا عذبًا”

يبقى السّؤال: كيف يصل المؤمن إلى النّيّة المخلصة؟

يصل المؤمن إلى النّيّة المخلصة بأسباب عدّة أهمّها:

1-    مراقبة الله سبحانه في السّرّ والعلانيّة، وفي كلّ لحظة. قد جاء في الكتاب العزيز: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]. كفى علمًا بالإنسان أنّ اللّه سبحانه حاضر معه يراه، ويعلم جهره وخفاياه، وقادر عليه أينما كان، لأنّه موجود في كلّ مكان، لا يشغله شان عن شان. فهذا العلم لدى الإنسان العاقل يجعله يراقب خالقه بحركاته وسكناته، مراقبة العبد الذّليل، المحبّ الخائف الفقير، لربّ حليم رؤوف عزيز قدير. فهذه المراقبة تعصمه من الدّخول في الآفات والسّيئات، وتجلي قلبه من الكدورات، وتجعله صحيح النّيّات. قال بعضهم: ” من راقب اللّه تعالى في خواطره عصمه اللّه تعالى في جوارحه”.  وقال أبو حفص:” إذا جلست للنّاس فكن واعظًا لقلبك ولنفسك، ولا يغرّنّك اجتماعهم عليك، فإنّهم يراقبون ظاهرك واللّه تعالى يراقب باطنك”.

والمراقبة ثمرة المحاسبة فإذا حاسب الإنسان نفسه في صغير ما يخطر بباله وكبيره، ورجع إلى الله سبحانه طالبًا منه الإعانة والمسامحة والغفران، والوقاية من وساوس الشّيطان، فلا بدّ أن يكشف له الحجاب، ويرشده إلى جادّة الحقّ والصّواب، ويسهّل عليه الصّعاب.

2-    إخفاء الطّاعات قدر المستطاع، وهو طريق الإخلاص والتّوقّي عن ملاحظة الأشخاص. قال أبو عثمان:” الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النّظر إلى الخالق”. وقال حذيفة المرعشي: ” الإخلاص أن تستوي أفعال العبد في الظّاهر والباطن”

3-    الرّجوع إلى اللّه بكلّ أمر حيث هناك الطّمأنينة والحكمة، والاتّزان الدّاخليّ، لأنّ اللّه سبحانه أحاط بكلّ شيء علمًا، فهما فكّر الإنسان ونوى، وعمل وسعى، يبقى سعيه سعي عاجز، وأمّا إذا راجع اللّه بكلّ أمر وترك الخيرة له، فيدبّره اللّه سبحانه تدبير قادر، فيقوى قلبه، ويتهذّب اختياره، وتعمّ بركته.

4-    الدّعاء الجميل من قلب خاشع ذليل: الدّعاء هو مخّ العبادة وسلاح المؤمن، وصلة الوصل بين العبد والمعبود، يقوى به الإيمان، ويزداد به الإحسان، والشّعور بالطّمأنينة والأمان، وهو سبب لتطهير الذّنوب وجلاء الكروب، وشكر النّعم، وإحياء الهمم. قال اللّه في كتابه العزيز: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186]

5-    تجديد النّيّة باستمرار، لأنّ النّيّة تتقلّب. فالإنسان إذا لم يراقب نفسه، ويحاسبها، كيف يسلم من خديعة عدوّه الّذي يوسوس له بالشّبه والأكاذيب؟! فمن هنا عليه تجديد النّيّات، والمراقبة من سلامتها، لأنّ النّفس أمّارة بالسّوء. ومن وجه آخر الأحوال تتغيّر وتتبدّل، فلكلّ موقف نيّة تناسبه. فربّ نيّة سليمة في غير محلّها من حيث الظّروف المكانيّة والزّمنيّة تأتي بالضّرر على صاحبها.

” السّيّدة فاطمة الزّهراء، وبذلها في سبيل الله سبحانه”:

“صلّى الرّسول صلاةَ العصر جماعةً، فلمّا انفكَّ، جلس في قِبلتِه، والنّاس حوله: فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخٌ من العرب مهاجرٌ، عليه سَملٌ (الثّوب الخلق) قد تهلّل وأخْلَق، وهو لا يكاد يتمالكُ كِبرًا وضعفًا، فأقبل عليه الرّسول يستحثُّه الخبر، فقال الشّيخ: يا نبيّ الله أنا جائع الكبد فأطعِمْني، وعاري الجسد فألبسني، وفقير فأرْشِني (أحسن إليّ). فقال (صلعم): ما أجد لك شيئًا، ولكنّ الدَّالَّ على الخير كفاعلِه. انطلق إلى منزل من يحبُّ اللهَ ورسوله، ويحبّه الله ورسولُه، ويُؤثر اللهَ على نفسِه، انطلق الى حجرة “فاطمة”.

فانطلق الإعرابيُّ مع “بلال”، فلّما وقف على باب فاطمة نادى بأعلى صوته: “السّلام عليكم يا أهل بيت النّبوّة، ومختلف الملائكة، ومهبط جبرائيل الرّوح الأمين بالتّنزيل من عند ربّ العالمين”. فقالت فاطمة: “وعليكم السّلام. فمن أنت يا هذا؟” قال: “شيخ من العرب، أقبلت على أبيك سيّد البشر مهاجرًا من شقّة (بعيد)، وأنا يا بنت محمد عاري الجسد، وجائع الكبد، فواسيني يرحمك الله”. فعمدت فاطمة إلى جلدِ كبَشٍ مدبوغ بالقرظ (شيئاً يدبغ به الجلد) كان ينام عليه الحسن والحسين، فقالت: “خذ هذا أيّها الطّارق، فعسى الله أن يرتاح لك ما هو خير منه”.

فقال الإعرابي: “يا بنت محمد شكوتُ لكِ الجوع فناولْتِني جلد كبش؟ ما أنا صانع به مع ما أجد من السَّغب (الجوع)؟”

فعمدَت فاطمة لمّا سمعت هذا من قولِه إلى عقْدٍ أهدتْه لها فاطمة ابنة عمِّها حمزة بن عبد المطلب، وأعطته إلى الإعرابي، فقالت:” خذْه، وبعْه فعسى الله أن يعوضَّك به ما هو خيرٌ منه”.

فأخذ الإعرابيّ العقد وانطلق إلى مسجد رسول الله، والنّبيّ جالس في أصحابِه. فقال:” يا رسول الله أعطتني فاطمة بنت محمد هذا العقد فقالت: بِعْهُ فعسى الله أن يصنعَ لك (يجزيك أجرًا)”.

فبكى النّبيّ (ص) وقال: “وكيف لا يصنع الله لك، فقد أعطتك فاطمة بنت محمد سيّدة بنات آدم”.

فقام عمّار بن ياسر (ر) وقال: “يا رسول الله أتَأذْن لي بشراء هذا العقد؟” قال: “اشترِ يا عمّار، فلو اشترك فيه الثّقلان (الإنس والجن) ما عذّبهم الله بالنّار”. فقال عمّار: “بكم العقد يا إعرابي؟” قال: “شِبعةُ من الخبز واللّحم، وبُردةٌ يمانية أستر بها عورتي، وأُصلي فيها لربّي، ودينار يُبلغُني إلى أهلي”.

وكان عمّار قد باع سهمه الّذي نفَلَه رسول الله (ص) من خيبر ولم يبق منه شيئًا. فقال: “لك عشرون دينارًا ومئتا درهم هجريّة، وبُردة يمانيّة، وراحِلَتان تبلغك أهلك، وشبعُك من خبز البُرّ(القمح) واللّحم”.

فقال الإعرابيّ: “ما أسخاك بالمال أيّها الرّجل؟” وانطلق به عمّار، فوفّاه ما ضمن له. وعاد الإعرابيّ إلى رسول الله (صلعم) فقال له الرّسول:” أُشبِعْت واكتسيت؟” قال الإعرابيّ: “نعم واستغنيت، بأبي أنت وأمّي”. قال: “فأجزِ فاطمة بَصنيعِها”. فقال الإعرابي: “اللّهم إنّك إله ما استحدثناك، ولا إلهَ لنا نعبده سواك، فأنت رازقنا على كلّ الجهات، اللّهم أعطِ فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت…” إلى آخر دعاء دعاه. عندها عمد عمّار إلى العقد فطيّبَه بالمسك، ولفّه في بُردة يمانيّة، ودفع العقد إلى عبدٍ له، وقال له: “خذ هذا العِقد فادفعه إلى رسول الله (صلعم) وأنت له (أي عتقك بيده)”.

فأخذ المملوك العِقد فأتى به رسولَ الله وأخبره بقول عمّار. فقال النبيّ: “انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العِقد وأنت لها”. فجاء المملوك بالعقد، وأخبرها بقول الرّسول، فأدخلت فاطمة العِقد، واعتقت المملوك، فضحك المملوك. قالت: “ما يضحكك يا غلام؟” فقال: “أضحكني عِظمُ بركة هذا العِقد، أشبع جائعًا، وكسى عريانًا، وأغنى فقيرًا، وأعتق عبدًا، ورجع إلى ربّه”.

* * * * *

النّيّة الصّادقة هي كالنّواة في الثّمرة، مع صغر حجمها فيها البركة والنّمو، تزكو الثّمرة بها وتنضج.

فالسّيّدة فاطمة الزّهراء رضي اللّه عنها، لم تملك من حطام الدّنيا إلّا نزرًا يسيرًا، آثرت الفقراء الصّالحين المساكين على نفسها، فبارك الله عملها، وعاد العقد إليها، وعمّت البركات والخيرات في النّفوس، كأنّما نيّتها الطّيّبة سلك كهربائيٌّ سرى في النّفوس القابلة والمهيّأة للإنارة، فأشرقت يمنًا وخيرًا وسعادة وسلام؛ أشبعت جائعًا، كست عريانًا، أغنت فقيرًا، أعتقت عبدًا… فالعطاء يسمو بإخلاص القلوب وصفاء النّيّة لا بحجمه ومظاهره.

وأمّا سيّدنا عمّار بن ياسر عليه السّلام فتباركت نيّته في نصرة المستضعفين، وقضاء حوائج المؤمنين، وبذل المعروف، وإيثار أخيه المؤمن على نفسه، والثّقة باللّه وحسن الظّنّ به، وصفاء المودّة وإخلاص المحبّة للمؤمنين بحيث أيقن أنّ هذا العقد أعطته الفاضلة الطّاهرة فاطمة الزّهراء، وهو يعلم عليه السّلام مكانتها الدّينيّة، وخالص نيّتها، فبنى عطاؤه على عطائها، بل زاده جودًا وإخلاصًا ووفاء.

يبقى الأهم هو قبول اللّه سبحانه لهذا القربان المبارك “قربان النّيّة الطّيّبة” وتزكيته، ليصبح ثمرة توفيق وسعادة وصيانة في الدّنيا، وثوابًا ونعيمًا دائمًا في الآخرة.

إنّ هذا العقد المبارك، والخالص نيّة المتصدّق به اشترى قلوبًا؛ اشترى دعاء الإعرابي، ووفاء عمّار، وحرّيّة العبد. فيا لها من نيّة توحيديّة مخلصة حوّلت المادّة الجامدة إلى قيم روحيّة حيّة باقية، فاشترى عماّر قيمة روحيّة نفيسة وأيقن أنّها لا تفتدى بمال الدّنيا، فأدرك ببصيرته النّيّرة قيمة الجود فسخا ولم يبخل.

فطوبى لمن أصلح نيّته، فصلحت سريرته. فحسن النيّة يفتح للإنسان أبواب خير، ويعبّد طريقه بالنّقاء والسّلامة والهناء. v

مقالات ذات صلة: