الموقع قيد التحديث!

النَّحل: ​من حكمة الخليّة إلى وحدة المؤمنين

بقلم الشّيخ د. كمال شرف
حرفيش

من خلال دراستي الجامعيّة في علوم الأحياء، انجذب اهتمامي إلى عالم الحشرات، ذلك العالم المدهش الّذي يكشف عن عظمة التّنوّع والإبداع في الطّبيعة. وقد ارتبط تخصُّصي العلميّ بهذه المجموعة الفريدة من الكائنات، الّتي تمثّل نموذجًا بالغ الأهمّيّة في التّنظيم والتّكيّف والتّنوّع بين الكائنات الحيّة.

ومن بين التّنوّع الهائل في فئة الحشرات يبرز النّحل، الّذي يُعتبر من الحشرات الاجتماعيّة الّتي تنتمي إلى رتبة غشائيات الأجنحة، حيث يُعدّ النّحل من أهمّ الكائنات في الطّبيعة وذلك لما يؤدّيه من دور محوريّ في تلقيح النّباتات وإنتاج العسل. ومن النّاحية البيئيّة، يُعدّ النّحل ومجموعة واسعة من الملقِّحات من أهمّ العناصر الّتي تُسهم في تكاثر النّباتات وإنتاج كثير من المحاصيل.

قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآَيةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النّحل)

ويتألّف هذا المجتمع من أفراد تختلف وظائفهم بحسب العمر والظّروف وحاجات المستعمَرة (الخليّة). فهناك عاملات تجمع الرّحيق وحبوب اللّقاح، وأخريات تتولّى رعاية الحضنة وتنظيف العيون السّداسيّة، وأخريات تستقبل الغذاء وتخزّنه، وأخريات تنتج الشّمع وتبني الأقراص، وأخريات تقوم بالحراسة والتّهوية، وجمع صمغ الأشجار الّذي يدخل في تكوين العكبر، إضافة إلى العاملات الّتي تنتج الغذاء الملكيّ وتشارك في رعاية الملكة واليرقات. وتتغيّر وظائف العاملة خلال حياتها تبعًا لعمرها وحاجة المستعمرَة، في صورة مدهشة من التّنظيم وتقسيم العمل.

ولا يقوم هذا التّنظيم على أوامر تصدرها الملكة كما يفعل القائد بجنوده، فالملكة ليست حاكمة للمستعمَرة بالمعنى البشريّ. وإنّما تؤدي دورًا بيولوجيًّا محوريًّا، ولا سيّما في التّكاثر وإنتاج “الفيرومونات” الّتي تؤثّر في سلوك العاملات وتساهم في تنظيم تماسك المستعمَرة. كما تشارك العاملات أنفسهنّ في تنظيم حياة القفير من خلال شبكة واسعة من الإشارات الكيميائيّة والسّلوكيّة. فالملكة تمثّل مركزًا حيويًّا في حياة القفير، ولكّنها ليست وحدها الّتي تحفظ تماسكه؛ إذ إنّ المستعمرَة نظام متكامل تشارك فيه آلاف الأفراد عبر أدوار متخصّصة وشبكات من التّواصل الكيميائيّ والسّلوكيّ. ومن هنا يمكن للمتأمِّل أن يرى في القفير صورة رمزيّة للجماعة الّتي تتكامل وظائف أفرادها، بحيث لا يستمدّ الفرد قيمته من ذاته منفردًا فحسب، وإنّما من مساهمته في منظومة أكبر منه.

في السّياق القرآنيّ، ورد ذكر الرّوح الأمين في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (سورة الشعراء) وقد فسّر جمهور المفسّرين الرّوح الأمين بأنّه جبريل عليه السّلام، الّذي كان واسطة نزول الوحي إلى الأنبياء. قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة النّحل) وقد ذهب جمهور المفسِّرين إلى أن روح القدس هو جبريل عليه السّلام. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (سورة النبأ) وقد ذهب جمهور المفسِّرين إلى أن المقصود بالرّوح في هذه الآية هو جبريل عليه السّلام، مع ورود أقوال أخرى في تفسير المراد بالرّوح.

 ومن زاوية رمزيّة وتأمّليّة، يمكن للإنسان أن يتأمّل التّشابه بين فكرة وجود عنصر يحافظ على انتظام الجماعة في عالم النّحل، وبين مفهوم الوساطة الرّوحيّة الّتي تحمل الوحي والهداية في عالم الإنسان، مع التّأكيد على اختلاف المقامين اختلافًا جوهريًّا، فالملكة مخلوق يؤدّي وظيفة بيولوجيّة، بينما جبريل عليه السّلام مَلَك كريم يؤدّي أمر الله ويحمل وحيه. ومن هذا المنظور يمكن القول إنّ جبريل عليه السّلام في حياة المؤمن ليس مجرّد مركز سلطة، بل هو مصدر الوجود والمعنى والهداية. وكما تنتشر إشارات الملكة الكيميائيّة بين أفراد المستعمَرة فتؤّثر في سلوكهم وتساهم في الحفاظ على تماسكها، تنتشر قيم الإيمان بين المؤمنين فتربط القلوب بالمحبّة والتّراحم والتّعاون. وكما أنّ الملكة في القفير ليست «حاكمة» بالمعنى البشريّ، فإنّ المقارنة الرّمزيّة بينها وبين جبريل عليه السّلام ينبغي ألا تُفهم على أنّها مساواة بين النّحل وجبريل. فالملكة عنصر بيولوجيّ داخل منظومة خلقها الله، بينما جبريل عليه السّلام هو الموجد والمدبِّر. ولذلك فإنّ التّشبيه هنا رمزيّ وتأمُّليّ فقط، وليس تشبيهًا في الذّات أو الصّفات. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (سورة الحجرات) فكما لا تستقيم حياة القفير إلّا بتكامل أفراده وتعاونهم، لا تستقيم حياة الجماعة الإنسانيّة إلا بالتّراحم والتّكافل، حيث يصبح كلّ فرد عنصرًا فاعلًا في جسد اجتماعيّ أكبر منه.

وفي عالم النّحل نرى صورة مدهشة للتّكامل؛ فالنّحلة لا تعيش بمعزل عن جماعتها، بل تنخرط في منظومة اجتماعيّة شديدة التّنظيم، تؤدّي فيها أدوارًا تتغيّر بحسب حاجات المستعمرة. فالعاملات، والحارسات، والجامعات، والمربّيات، والبنّاءات، وغيرهنّ، لا تكمن أهميّة كلّ واحدة منهنّ في وظيفتها منفردة، وإنّما في تكامل وظائفهنّ داخل القفير. فكلّ نحلة تسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في بقاء المستعمرة، وما تقوم به واحدة يساند ما تقوم به الأخريات. وهذا المعنى يذكّرنا بقول النّبيّ ﷺ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، فكما تتكامل أفراد مستعمرة النّحل، بحيث لا يستطيع فرد واحد أن يقوم بجميع وظائف القفير، يتكامل المؤمنون فيما بينهم بالمساندة والتّعاون والتّراحم. وكما أنّ قوّة القفير لا تقوم على نحلة واحدة، وإنّما على مجموع أفراده وتعاونهم، فإنّ قوّة الجماعة المؤمنة لا تقوم على الفرد وحده، بل على ما يقدّمه أفرادها لبعضهم من دعم ونصح ورحمة وعطاء. وفي هذا التّشبيه تظهر صورة جميلة للتّكافل: النّحلة لا تجمع الرّحيق لنفسها وحدها، ولا تبني الشّمع بمعزل عن القفير، ولا تحرس الخليّة لمصلحتها الفرديّة، وإنّما تؤدّي وظيفتها ضمن منظومة يستفيد منها الجميع. وكذلك المؤمن، حين يدرك أنّ وجوده مرتبط بوجود إخوانه، يتحوّل من فرد يعيش لذاته إلى إنسان يساهم في بناء جماعته، ويسند الضّعيف، ويُعين المحتاج، ويقوّي أخاه كما يشدّ الحجرُ الحجرَ في البناء. ومن هنا يمكن أن نرى في القفير صورة رمزيّة لمعنى الأخوّة: كلّ فرد فيه يسند الآخر، وكلّ وظيفة تكمل وظيفة أخرى، وكلّ جهد فرديّ يتحوّل، عندما يتكامل مع جهود الآخرين، إلى قوّة جماعيّة. وهذا هو المعنى الّذي يعبّر عنه الحديث الشّريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا». وكما لا يستقيم القفير إذا تفكّكت أجزاؤه وانقطعت روابط التّعاون بين أفراده، لا تستقيم الجماعة الإنسانيّة إذا غلبت الأنانيّة على روح الأخوّة، وأصبح كلّ فرد منشغلًا بمصلحته الخاصّة على حساب المصلحة العامّة. فالتّكامل ليس إلغاءً للفرد، وإنّما هو أن يجد الفرد مكانه وقيمته داخل منظومة أكبر، وأن يكون وجوده مصدر قوّة للآخرين كما يكون الآخرون مصدر قوّة له. وهكذا يجتمع في صورة واحدة القفير والبنيان والجماعة المؤمنة: وحدات متعدّدة، لكلّ منها خصائصها ووظيفتها، لكنّها لا تبلغ قوّتها الحقيقيّة إلّا عندما تتماسك وتتعاون وتشدّ بعضها بعضًا. وعندما نتأمّل في عالم النّحل، نجد صورة رمزيّة موازية، ولكنّها ليست مطابقة. فالملكة ليست مجرّد أم للتّكاثر، بل تؤدّي دورًا بيولوجيًّا مركزيًّا في المستعمرة، وتفرز مواد كيميائيّة تؤثّر في سلوك العاملات وتساهم في تماسك المجتمع وتنظيمه. وإذا فقدت المستعمرة الملكة ولم تتمكّن من تعويضها، فإنّ نظامها الاجتماعيّ والتّكاثريّ يتعرّض لاضطراب قد ينتهي إلى انهيار المستعمرة. ومن هنا يمكن أن يبرز تشابه رمزيّ بين الصّورتيْن: كما أنّ في القفير منظومة من الإشارات والتّواصل تحفظ تماسك المجتمع، فإنّ الوحي في التّصوّر الدّينيّ يحمل الهداية والمعنى ويجمع المؤمنين حول كلمة الله. وكما تحتاج مستعمرة النّحل إلى منظومة متكاملة من الأدوار والإشارات لكي تستمرّ، يحتاج الإنسان إلى منظومة من القيم والمعرفة والهداية لكي يستقيم سلوكه ووجوده الرّوحيّ. لكنّ الفارق الجوهريّ يبقى حاضرًا دائمًا: فالملكة مخلوق يؤدّي وظيفة بيولوجيّة داخل منظومة طبيعيّة، وجبريل عليه السّلام مَلَك كريم يؤدّي أمر الله ويحمل وحيه، أمّا الله سبحانه وتعالى فهو الخالق الّذي لا يشبهه شيء.

كما أن غياب الملكة الأصليّة قد يفتح المجال لظهور حالة تشبه “الملكة الكاذبة” وفي القفير الّذي يفقد ملكته، قد تظهر عاملات واضعات للبيض، فتبدو وكأنّها تؤدّي وظيفة الملكة دون أن تكون ملكة حقيقيّة. ومن هنا يمكن، على سبيل الرّمز، تسميتها “ملكة زائفة”: مظهرٌ يؤدّي بعض وظائف الأصل، لكنّه لا يمتلك مقوماته كاملة وهي نحله عاديّه لا تملك صفاه الملكة الحقيقيّة وبالنّهاية يتشتّت القفير. فإنّ غياب الحقيقة من حياة الجماعة قد يفتح المجال لظهور مراكز زائفة تستمدّ قوّتها من الوهم والكذب. وعندما يتكرّر الكذب، ويُقدَّم الباطل على أنّه حقيقة، قد ينشأ حوله اعتقاد زائف، ثمّ يتحوّل هذا الاعتقاد إلى ولاء، ثمّ يتحوّل الولاء إلى انقسام بين من يصدق ومن يرفض، فتبدأ الجماعة في فقدان وحدتها شيئًا فشيئًا. وهنا تكتمل الصّورة الرّمزيّة: الملكة الحقيقيّة تحفظ انتظام القفير، والملكة الكاذبة ترمز إلى مركز زائف؛ والحقيقة تجمع القلوب، بينما الكذب يصنع مراكز زائفة تتنافس على الجماعة. فإذا غاب الأصل الجامع، أصبح التّشتّت نتيجة طبيعيّة، وتحوّل الاختلاف من تنوعٍّ داخل الوحدة إلى افتراقٍ بين الجماعات. وهنا تتحوّل دراسة النّحل من مجرّد دراسة لحشرة اجتماعيّة إلى نافذة للتّأمُّل في معنى الوجود نفسه: كيف يمكن لكائنات صغيرة، لكلّ منها وظيفة محدودة، أن تتكامل لتبني نظامًا بالغ التّعقيد وكيف يمكن للإنسان أن يستفيد من هذا المشهد الطّبيعيّ ليعيد اكتشاف معنى التّعاون، والمسؤوليّة، والعطاء، والهداية وربّما كان هذا هو أحد أعمق وجوه التّأمُّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. 

مقالات ذات صلة: