
1932-2025
لقد غيّب الموت عنّا شخصيّة وهامة مرموقة، وهو أحد وجهاء الطّائفة الدّرزيّة في البلاد البارزين، سعادة القاضي فارس حمود فلاح الّذي كان من رجالات المجتمع والقضاء والإصلاح بعد مسيرة 94 عاما.
كان الفقيد مثالًا في النّزاهة والتّقوى إذ سخّر علمه وخبرته لخدمة النّاس ونصرة الحقّ فكان قاضيًا عادلًا وصاحب نظرة ثاقبة، وإنسانًا رؤوفًا بقلب كبير، لم يتوانَ للحظة في عمل الخير، ودعم المشاريع المجتمعيّة الهامّة.
وقد جمعته علاقة وطيدة مع مؤسّس ومحرّر مجلة ” العمامة” وصاحب دار “آسيا” للنّشر المرحوم الشّيخ سميح ناطور علاقة اتّسمت بالاحترام المتبادَل والتّقدير العميق، حيث أصدر الشّيخ سميح كتابيْن حول سيرة ومسيرة القاضي فارس فلاح الّذي كان نموذجًا يحتذى ويُقتدى به في العمل والعطاء الإنسانيّ.
فيما يلي مقتطفات من مقدّمة كتاب القاضي فارس فلاح “الثّورة الحقيقيّة: الأعمال، الأصدقاء، والذّكرى” الّذي صدر للمرحوم عام 2016: “القاضي أبو زايد فارس حمود فلاح علم من أعلام المجتمع في البلاد، وشخصيّة مرموقة في جميع الأوساط وهو رائد قاد مسيرة من العمل والعطاء والمشاركة منذ أكثر من خمسين عامًا تبوّأ فيها الإدارة والقيادة والزّعامة سواء كان يشغل منصبًا أو لا يشغل، فمكانته محفوظة مرفوعة في كلّ الأماكن وفي جميع الأوساط.


لقد نبع وانطلق من قرية في الجليل الأعلى لكنّه رفع اسم القرية وجعلها منبعًا للعلم والتّحصيل والتّألُّق حيث بنى امبراطوريّة لامعة برّاقة في الشّباب والبنات المتعلّمين المثقّفين وأعطى بذلك درسًا ونموذجًا وقدوة في ارتياد العلم وفي التّطلُّع إلى أعلى، وفي الوصول إلى المراتب والمراكز وهو يضمّ في داخل بيته خمسة ألقاب الدكتوراه وهذا إنجاز لا يوجد له مثيل حتّى الآن في مجتمعنا، ممّا يجعلنا نعتزّ ونفتخر بوجوده وبأعماله وبشخصيّته وبمناقبه حيث تجد له تقديرًا واحترامًا وتبجيلًا في الجليل والكرمل والمثلّث والنّقب والضّفّة الغربيّة وغزّة وكذلك في الأردن وفي نفس الوقت يُعتبر شخصيّة فذّة ولامعة في أوساط الطّائفة الدّرزيّة في إسرائيل وسوريا ولبنان والأردن، وترى أنّه ركن وأساس في أوساط نظام الحُكم في البلاد. حيث اعتُمد عليه لتبوّؤ مناصب حسّاسة، وأُلقِيت عليه مهامّ كبيرة وجسيمة، استطاع أن ينفّذها بنجاح وباعتزاز وبإخلاص. وقد جعل وظيفة القاضي الّذي يبعث الرّهبة والخوف والوجل في نفوس النّاس جعلها وظيفة مبجّلة محترمة تبعث في النّفوس الثّقة والاطمئنان بأنّ الحقّ والعدل هو رائدها. لا شكّ أنّ سيرة وأعمال القاضي أبي زايد هي مرآة للمجتمع في بلادنا في الخمسين سنة الأخيرة، وهذه الأعمال تثبت أنّ مجتمعنا على اختلاف طوائفه زاخر بالعطاء والإحسان والتّقدير والاحترام والدّيمقراطيّة والمساواة والتّطلُّع إلى التألُّق وإلى إحلال السّلام في منطقتنا”.
من مقال نشر عام 2005 في مجلة “العمامة” من إعداد زوجته السّيّدة سلمى فريد فلاح يسرد محطّات من حياة المرحوم: وُلد القاضي فارس فلاح، في الثّاني عشر من شهر أيار عام 1932، في قرية كفر سميع في الجليل، لوالديْن متواضعيْن متديّنيْن، يعيشان على الزّراعة، إذ كانا من الملّاكين في قريتهما. وقد رُزقا بأربعة أولاد، صبياّن وابنتان، وهم القاضي وأخوه نائب مدير عام وزارة المعارف سابقًا، الدّكتور سلمان فلّاح، والأختيْن فاطمة وتميمة. تعلّم القاضي فلاح مبادئ القراءة والكتابة والحساب، على يد خطيب في قريته، لعدم وجود مدرسة فيها يومها، ثمّ انتقل إلى قرية البقيعة، الّتي أقامت فيها بعثة تبشيريّة، مدرسة لأربعة صفوف، وكان يذهب إلى المدرسة ماشيًا، كلّ يوم على الأقدام. وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة ترشيحا، وأتمّ فيها الصّفّ السّابع، حيث سكن هناك. وفي هذه السّنة، أقيمت دولة إسرائيل، وتعطّلت لذلك المدارس، فعمل بمساعدة والديْه في الزراعة، خصوصًا في زراعة الدّخّان، وعمل كذلك في التّجارة لمساعدتهم، وكان عضوًا في منظّمة تصريف الدّخّان.
وعندما فُتحت المدارس، التحق بمدرسة معليا، وأتمّ الصّفّ الثّامن والتّاسع والعاشر، وانتقل بعد ذلك إلى النّاصرة، فسكن هناك حتّى أتمّ المرحلة الثّانويّة في مدرسة النّاصرة الّثانويّة الحكوميّة. وكان من الدّفعة الأولى من الطّلّاب في إسرائيل، الّذين حازوا على شهادة البجروت والنّجاح في جميع المواضيع، حيث كان عددهم 13 طالبًا من بين 146 طالبًا، من جميع المدارس الثّانويّة في الدّولة.
عُيّن بعدها معلّمًا في قريته، من قِبل وزارة المعارف والثّقافة، حيث كان من المعلّمين الدّروز الأوائل الّذين كانوا لا يتعدّون العشرين معلّمًا ومعلّمة عام 1954، وبعد أن عمل بسلك التّعليم سنتيْن ونصف، قرّر إتمام دراسته الجامعيّة، فالتحق بجامعة تل أبيب، ليتعلم المحاماة، وبعد أن أنهى تعليمه الجامعيّ، عام 1961، تدرّب في مكتب مشهور للمحامين في حيفا، لمدّة سنتيْن، ونال رخصة المحاماة في الواحد والثّلاثين من شهر تشرين أوّل عام 1963. وقد كانت قرية كفر سميع بدون شارع، فعمل مع مجموعة من شباب القرية، على تشجيع الأهالي، لجمع النّقود، لإيصال القرية بالشّارع القريب. وقد فتح له مكتبًا ليعمل بصورة حرّة في مدينة عكا، وبذلك كان أوّل محام درزيّ في إسرائيل، يزاول المهنة بمكتب خاصّ.

وعندما أقيمت المحاكم الدّينيّة الشّرعيّة الدّرزيّة، عُيّن القاضي فارس فلاح، من قِبل وزير الأديان يومها الدّكتور زيراح فيرهافتيغ، أوّل مدير للمحاكم الدّينيّة الدّرزيّة، التي كان يرأسها فضيلة المرحوم الشّيخ أمين طريف، الرّئيس الرّوحيّ للطّائفة الدّرزيّة، ورئيس محكمة الاستئناف، وعضويّة المرحوميْن، الشّيخ أحمد خير، والشّيخ كمال معدي، وكانت المحكمة البدائيّة مكوّنة من القضاة المرحومين: الشّيخ سلمان طريف، والشّيخ حسين عليّان، والشّيخ لبيب أبو ركن. وظلّ القاضي فلاح، يعمل مديرًا للمحاكم الدّرزيّة في حيفا، وفي نفس الوقت محاميًا مستقلًّا في عكا، حتّى الثّاني والعشرين من شهر تشرين أوّل 1969، حيث عُيّن أوّل قاض درزيّ في البلاد في محكمة صلح عكا، وبعدها كان نائبًا لرئيس المحكمة، حتّى خروجه للتّقاعد في سنّ السّبعين أيّ في الأوّل من شهر أيلول 2002. وقد عُيّن أثناء ذلك بالإضافة إلى عمله كقاض في محكمة عكا حاكمًا عسكريًّا بدرجة رائد. وعُيّن كذلك قاضيًا في هضبة الجولان بدرجة حاكم مركزيّة لأكثر من عشر سنوات، وكانت تُعقد المحكمة هناك يومًا في الشّهر. وقد عمل في كلّ المحاكم في الشّمال في محكمة بيسان والعفّولة وكريات شمونة وصفد ومسعدة وفي كاتسرين في هضبة الجولان والنّاصرة.

تزوّج في الثّالث والعشرين من شهر أب 1962 من المربّية سلمى فريد القاسم، من قرية الرّامة، وكانت يومها مديرة مدرسة في المغار، وكانت أول مديرة درزيّة في البلاد، وعندما عُين القاضي قاضيًا في عكّا اشتريا منزلًا للسّكن في عكا، فانتقلت للعمل في إحدى مدارس عكا، وتركت عملها عام 1965. وقد رُزق الزّوجان بستة أولاد، ثلاث صبيان وثلاث بنات، هم اليوم الدّكتورة جنان فلاح – محاضرة في جامعة حيفا وفي كليّة الجليل الغربي، والقاضي الدّكتور زايد فلاح – قاضي المحكمة المركزية حيفا، والدّكتورة عنان فلاح طبيبة أسنان ومفتشة في وزارة الصّحّة، والدّكتور ماهر فلاح، والمربّية حنان فلاح والمحامي باسل فلاح.
وقد أقام أثناء ذلك أفراد الأسرة روابط صداقة متينة مع كثيرين من المدينة، عربًا ويهودًا وكذلك من خارج المدينة ومن أكثر مدن وقرى الدّولة، حيث عمل القاضي فلاح على نشر المحبّة والتّفاهم والصّداقة بين جميع الطّوائف في البلاد، حيث أقام جمعيّات خيريّة كثيرة كانت تشمل بين أعضائها عربًا ويهودًا ومن جميع الطّوائف. وقد عملوا بإخلاص ومحبّة ونال القاضي فلاح عدّة جوائز منها جائزة اللّورد زيف ووسام رئيس الدّولة، وشهادة عزيز عكا، وشهادة سفير سلام وكذلك رئيسًا لجائزة الأدب العربيّ من قِبل رئيس الحكومة. وانتُخب القاضي فلاح رئيسًا لإدارة المسرح اليهوديّ العربيّ في عكا، ونائب رئيس بيت الشّهيد الدّرزيّ ورئيسًا لإدارة بيت المشرق في عكا وهو مركز عربيّ يهوديّ للتّفاهم والتّآخي والسّلام، وعضو إدارة بيت الكرمة في حيفا ومناصب تطوعيّة أخرى.”
بعد أن أكمل القاضي أبو زايد فارس حمود فلاح مسيرته المليئة بالنّشاطات المختلفة، وتقديم المساعدات للكثيرين، اتّجه إلى الالتحاق بإخوان الدّين وصار واحدًا منهم، وصار يذهب إلى الخلوة أكثر أيّام الخميس ليلة الجمعة، خلوة مسقط رأسه قرية كفر سميع، وتعمّم بالعمامة البيضاء وكتب وصيّته وخصّ فيها مبلغًا وقدره من المال ووزعه على الخلوات، محلّات العبادة والأماكن المقدّسة في جميع أنحاء البلاد.
أسرة “العمامة” تتقدّم بأحرّ التّعازي والمواساة إلى عائلة فلاح الكريمة سائلين الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنّاته، وأن يُلهم ذويه وأهله جميل الصّبر والسّلوان..

