
(1935- 2025)
الشّيخ المرحوم أبو علي مهنا حسين سلمان، وُلد لوالديْن كريميْن متديّنيْن فوالده الشّيخ محمد حسين سلمان ووالدته الشّيخة زينة سليمان قضماني أخت الشّيخ الجليل الفاضل الدّيان أبو سليمان علي القضماني من قرية عيحا الواقعة في وادي التّيم في لبنان.
هو شيخ جليل فاضل، ورع، ديّان، ذا رأي صائب، وعلم دينيّ غزير، وعقل راجح، كريم النّفس والأخلاق العالية. اشتهر الشّيخ أبو علي في طلب الرّزق الحلال، والقيام بواجباته الدّينيّة خير قيام، وقول الحقّ، وصدق المعاملة، صاحب البيت الواسع المفتوح إذ كان بيته ملتقى الأجاويد والمشايخ من كلّ البلدات الدّرزيّة. شارك النّاس في أفراحهم وأتراحهم.
كان متديّنًا منذ نعومة أظفاره، وقد أنعم الله، عزّ جلّ، عليه بصوت أنيس، حنون، رخيم، روحانيّ وعذب في تلاوة الأشعار الدّينيّة فإذا غاب عن المجلس الدّينيّ شَعَر الجميع بغيابه لأنّ حضوره كان مميّزًا أينما وُجد.
اقترن الشّيخ أبو علي بابنة عمّه عام 1957 وهو في الثّانية والعشرين من عمره، هي ابنة المرحوم الشّيخ أبو حسن عبد الله أسعد حسين، وأسّس أسرة كريمة متديّنة على رزق الحلال.
عمل بالبناء وخاصّة بناء المقامات المقدّسة فبنى مقاميّ النّبيّ شعيب عليه السّلام في حطّين، ومقام سيّدنا الخضر عليه السّلام، في كفر ياسيف، وكذلك بنّاءً بيوت العبادة(الخلوات)، وكان مخلصًا أمينًا في عمله حتّى حصل من خلال عمله على ثقة فضيلة سيّدنا المرحوم الشّيخ أبي يوسف أمين طريف فميّزه ووقّره لإخلاصه، وصدق معاملته، وصفاء نيّته. وكان سيّنا الشّيخ أمين يرسله في مهمّات كثيرة منها إصلاح ذات البين بين النّاس حتّى أصبح مركز ثقة أهل الدّين جميعًا، وثقة سيّد الجزيرة.
كان مساندًا قويًّا لسيّدنا الشّيخ، بعد وفاته ظلّ محافظًا على وصيّته بتنصيب الشّيخ أبي حسن موفق طريف رئيسًا روحيًّا للطّائفة من بعده، مع جميع أهل الدّين والدّنيا.
كانت تربط جدّي فضيلة المرحوم الشّيخ ابو محمد حسين عزّام حلبي علاقة مودّة وإخلاص مع الشّيخ أبي علي مهنا حسين سلمان، رحمه الله.
انتقل الشّيخ أبو علي سلمان حسين إلى رحمته تعالى في قرية يركا بتاريخ 28/12/2025 عن عمر ناهز التّسعين عامًا. وقد نعاه فضيلة الشيخ موفق طريف الرّئيس الروحيّ باسم المجلس الدّينيّ والرّئاسة الروحيّة
والجدير بالذّكر أنّ نجله وأحفاده استمرّوا على المنهج نفسه وخدمة المقامات وأهل الدّين، ودوام الإخلاص والوفاء لفضيلة الشّيخ أبي حسن موفّق طريف حفظه الله تعالى.
وفي مأتم الشّيخ أبو علي مهنا ألقى الشّيخ موفق طريف جاء فيها:
نجتمعُ لنودّعَ شيخًا سادقًا تقيًّا حميدَ الخصال، ودُرّةً دينيّةً ثمينةً من الجواهرِ الثِّقال، ومرجعًا جليلًا مسدّدًا بالأعمال والأقوال، طيّب الذّكر والسّيرة، مبرور الحياة والمسيرة، المرحوم شيخنا الشّيخ أبا علي مهنّا محمّد سلمان حسين رحمهُ الله.
فيا له أيّها الإخوان من فقدٍ يهزّ القلوب، لمن كانَ شخصُهُ وحديثُهُ وصوتُهُ العذبُ الرّخيم، يذكّرنا بالرّعيل الخالص النّادر القديم، الّذين عاصرهم المرحوم الشّيخ أبو علي فاقتبس عنهم محاسنَ الأخلاق وطهارةَ الأعراق، ذاكرًا من قصصهم ومواعظهم وأحوالِهم ما يسرّ الألباب ويؤدِّب الطّلّاب، ساردًا عنهم تفاصيلَ دقيقة وأحاديث رقيقة، ترسّخت في ذهنِهِ الصّافي الّذي ظلّ حاضرًا رغمَ تقدُّم عمرِهِ الّذي ناهز التّسعين عامًا، ناهلًا منه لقطاتٍ نادرة كان فيها رحمهُ الله شاهدًا ثقةً على التّاريخ، ليصير مصدرًا طائفيًّا مُعتمدًا يُستَنَد عليه ويُرجَع بالسّؤال إليه.
إلى جانب كلّ هذه الخصال الأصيلة والأخلاق الأثيلة النّبيلة، الّتي برز منها حُسنُ التُواضع ورقّةُ القلب وسعةُ الفكر وسخاءُ الدّمعة وكرمُ اليد وسدقُ الولاء، وإخلاص الأخوّة،
يشهدُ على هذه السّيرة الخيّرة الطيّبة، ما تكرّر من اختيارات المرحوم سيّدنا الشّيخ له في أداء المهمّات، وإرسالِهِ رسولًا ثقةً في مختلَف المهمّات، لامسًا فيه رسوخَ الدّيانة، متفرّسًا في حُسن نواياه وامتيازه وقدرتِهِ، الّتي جعلها سبيلًا وواسطة في حلّ المعضلات بشجاعة المواقف وقول كلمة الحقّ بلسانٍ طيّبٍ وهدوءٍ نابعٍ من إيمان.
وإنّنا إذ نودّع اليوم المرحوم الشّيخ أبي علي، فإنّنا نودّعُ فصلًا ذهبيًّا آخر من تاريخنا التّوحيديّ في هذه البلاد، وحرزًا ميمونًا من مشايخنا الأتقياء، الّذين إن رحلوا عنّا مخلّفين فراغًا روحيًّا ومجتمعيًّا كبيرًا.
