الموقع قيد التحديث!

المرحوم الشّيخ أبو صالح عارف نصر الدّين

بقلم العمامة

  بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله الأوّل بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء، باسط النّور في قلوب أصفيائه، ورافع درجات أوليائه، والصّلاة والسّلام على أنبيائنا المبعوثين رحمة وهداية. هذا ما تيسّر من جزء من سيرة المرحوم الشّيخ أبي صالح عارف نصر الدّين على قدر الإمكان وبالله المستعان.

أما بعد، فإنّ الكتابة عن رجال لم يكونوا مجرّد عابري زمن، بل كانوا أعمدةً تستند إليها أجيال، وأنوارًا تهتدي بها القلوب إذا ضلّت السُّبل، هي كتابة تستنفر البلاغة في أعلى مراتبها، وتستنهض الذّاكرة لتستجلي ملامح النّفوس الطّاهرة الّتي عاشت بين النّاس كأنّها من زمن آخر، زمن يزدحم فيه السدق، وتفيض فيه الحكمة، وتتجلّى فيه معاني العبادة والتّوحيد الخالصة.

وفي ديار التّوحيد، حيث تتعانق الأرواح مع معارج النّور، وتهفو القلوب إلى مقامات النّقاء، برز شيوخ ورجال حملوا لواء السّلف الصّالح، يرسّخون في الأرض آثارهم، ويتركون في القلوب صدى حضورهم، فإذا ذكرتهم الأرواح انتعشت، وإذا خطرت سيرتهم على الأسماع ازدان المكان بالعبرة والسّكينة. ومن هؤلاء الشّيوخ الاجلّاء الّذين نقشوا أسماءهم في صفحات المجد الرّوحيّ نقشًا لا يُمحى، يُشرق اسم المرحوم الشّيخ أبي صالح عارف نصر الدّين، ذاك الرّجل الّذي عاش بقلب منسكب على العرفان، وروح مضمّخة بنفحات الحكمة، ولسان يجري بحقائق التّوحيد كما تجري المياه في منبع صافٍ لا كدر فيه. هو ليس مجرّد سيرة تُروى، بل فصل من فصول النّور، وصفحة من كتاب الالتزام الإيمانيّ الدّينيّ الصّادق، ومحطّة من محطّات العطاء الهادئ الّذي يُثمر في السّرائر قبل الظّواهر. فهذه الكلمات وإن ضاقت عن الإحاطة به، فهي محاولة للاقتراب من وهجه، ومرافقة خجولة لخطاه المباركة، ووفاء لمن عاش عمره مرآة للسدق، ومشكاة للدّين، وميزانًا للإحسان.

وإنّا إذ نسطّر هذه المقدّمة المتواضعة في أفياء سيرته العطرة، نرجو أن تكون زهرًا من بستان ذكراه، وقطرة من غيث فضله، ونفحة من روح رجل اختصر في حياته معنى السُّموّ، وفي وفاته معنى الفقد الجليل.

وُلد المرحوم الشّيخ أبي صالح عارف سنة 1947 في بيت والده المرحوم الشّيخ أبي جمال نصر الدّين نصر الدين ابن الشّيخ أبي يوسف حسين ابن الشّيخ أبي حسين علي نصر الدّين، ذاك السّيّد الجليل الموقّر الّذي كانت تربطه علاقة خاصّة بالمرحوم سيّدنا الشّيخ أبي حسين محمود فرج من لبنان نفّعنا الله ببركاتهم أجمعين وغيرهم من الأفاضل.

في هذه الأجواء الرّوحانيّة المميّزة ومن هذا الامتداد العميق للجيل التّوحيديّ العريق، ترعرع المرحوم الشّيخ ابو صالح عارف ونشأ نشوءً صالحًا عارفًا، ومع بلوغه سنّ الرُّشد، إذ بوالده المرحوم الشّيخ أبي جمال عازمًا على فتح بيته كخلوة للعبادة، يقصدها الإخوان للاستفادة والتّعليم والهداية، فكان للمرحوم الشّيخ أبي صالح عارف الفاعليّة الكبرى في تنشيط الخلوة وإحيائها، حيث وهبه الله تعالى منذ نعومة أظفاره، قُوّة الحفظ والذّاكرة النّادرة في عصره، فحفظ المعلوم والعلوم ودرس كتاب الله دراسة الباحث المستبصر، الى جانب البحث عن معاني الحكمة ومطالعة الكتب والتّوسُّع في العلوم الرّوحانيّة والجسمانيّة والإلمام بالتّواريخ والأحداث والقصائد والأشعار، لا سيّما أمّهات القصائد الرّوحانيّة الّتي كان يتلوها غيبًا عن ظهر قلب، و أيضًا إلى جانب منزلته الدّينيّة اليافعة الّتي حظيت بثقة مشايخ عصره حتّى غدا عالمًا ومرجعًا دينيًّا معتمدًا.

رغم هذه المواهب الرّبانيّة الفريدة وإمكانيّات المرحوم الخاصّة، لم يألُ جهدًا في السّؤال عن السّلف والبحث عن مناقب الأعيان الأفاضل، وتقّصي أخبارهم واقتفاء آثارهم ومجالسة من يعلم أنّ لديه أخبارهم، حتّى يتوخّى النقل الصّحيح عنهم. فتسهّلت عليه الطّرق والموارد، وشاءت الأقدار أن تكون له القُربى والزّيارات والمعاشرة مع سيّد الجزيرة المرحوم سيّدنا الشّيخ أبي يوسف أمين طريف (ر)، وحضور جلسات وأحكام في منزله المكرّم، برفقة والده المرحوم الشّيخ أبي جمال، وقد كان لهذه اللّقاءات الأثر البالغ في صقل شخصيّة المرحوم الشّيخ أبي صالح عارف دينيًّا واجتماعيًّا، فكان التّلميذ البار للمرحوم سيّدنا الشيخ أمين (ر)، ينشر الأخبار والأحكام والتّعاليم من أستاذه على مستحقّيها دون بخل أو ضنّ حتّى يومه الأخير.

ولما فُتِح الطّريق إلى هضبة الجولان سنة 1967 وبعدها إلى قرية حضر سنة 1973، أخذت تتبادل الزّيارات والعلاقات مع الشّيوخ المحبّين أهل البصائر واليقين، وتزداد أواصر المحبّة وتحلو وتنمو وتثمر، حتّى فُتِح طريق لبنان، طريق البيّاضة الزّاهرة والشّوف، فحظي المرحوم بجولة خاصّة برفقة الأقارب في تلك الدّيار اللُبنانيّة الفيّاضة والمحلّ الأزهر الشّريف البيّاضة، ودوّن بعض ما تيسّر من ثمار هذه الرحلة التّاريخيّة وما سمعه من مشايخ البلاد الأجلّاء، أمثال المرحومين: شيخ البيّاضة الشّيخ أبو فندي جمال الدّين شجاع وملك الحلم الشّيخ أبي هاني مسعود جابر وشيخ مشايخ لبنان في عصره الشّيخ أبي حسن عارف حلاوي رضي الله عنهم أجمعين، وما دُوّن على شواهد أضرحة الأفاضل أمثال السّادة المرحومين، الشّيخ أبي حسين محمود فرج والشّيخ أبي حسيب أسعد الصّايغ والشّيخ أبي يوسف سليم البيطار، عليهم رضوان رب العالمين. فتواصلت المحبّة بالأخلّة والأعيان والمحبّين والإخوان، ودام المرحوم في علوّ ورجحان وسدق وإخلاص وإيمان، الى أن توفيّ والده المرحوم الشّيخ أبو جمال نصر الدين سنة 2011 فتابع في سِياسة الخلوة ومهامّ الإخوان وأكمل المسيرة بامتياز وجدارة وفضل وإحسان، يقصده المريدون للاقتباس والإرشاد والعرفان، خصوصًا الشّباب الدُّرَّس الّذي كان يفيض عليهم العلوم بأسلوب بسيط ولطف وحنان، فقد كان قريبًا جدًّا من جيل الشّباب الصّاعد، لتواضعه الخاصّ وأفقه الواعد، يستثمر بهم الأمل للنّهوض بالمجتمع قدمًا تحت راية جمع الشّمل الرّائد.

وفي عام 2025، شرّفت بلادنا الوفود السّوريّة إلى مقام خطيب الأنبياء سيّدنا النّبيّ شعيب عليه السّلام فتلاقت الوجوه بعد طول غياب، وتعانقت قلوب الأحباب، وبعد أن عادوا الى بلادهم بقليل حلّت بهم المحنة فلحقه قلق عظيم وبقي يسأل عنهم ويتتبّع أخبارهم حتّى نقله الله تعالى مساء الثّلاثاء الواقع فيه السّابع عشر من شباط فبراير سنة ست وعشرين وألفيْن ميلاديّة، دون سابق إنذار ، ومن حيث لم نحتسب، لكنّه لبّى نداء العزّة الإلهيّة، وسلّم روحه راضية مرضيّة، فوقع الخبر على الإخوان وعلى المجتمع بأسره كالصّاعقة، كيف لا وهم يفقدون علمًا من أعلام الهدى، كانوا قد لاقوه قبل وفاته بيوم واحد في قرية بيت جن الجليل، فأثلج الصّدور وأقرّ العيون وشنّف الأسماع، ولم يكن أحد منهم يعلم أنّه لقاء الوداع، وفي يوم الأربعاء كان الوداع، حضرت وفود الشّيوخ  والمعزّين من كلّ حدب وصوب وأبّنته الجماهير بكلمات معبّرة تليق به وبأمثاله الغُرّ والميامين، خاصّة ما رثاه به شيخ البلاد سماحة الشّيخ أبي حسن موفّق طريف حفظه الله.

وبعد إلقاء نظرة الوداع الأخير والتّبرّك والتّقبيل والّصلاة على جثمانه الطّاهر والتّرتيل والإنشاد الحزين لمرثية الرّعيل وتأبين الرّحيل، وارته الإخوان الثّرى إلى جانب والده المرحوم الشّيخ أبي جمال، ليرقدا معًا في حرم خلوتهم المباركة، وعادت الأخوة إلى بلادها وفي القلوب غصّة وفي العيون دمعة والأشواق تملأ الأحداق، ولسان حالهم يقول بلهفة فُضلى، يا لها ركضة إلى الفردوس الأعلى، فرحم الله صاحب هذه السّيرة العطرة وأسكنه فسيح الجِنان بجاه النّبّي والآلّ. رحمه الله تعالى وطيّب ثراه ورضي عنه وأرضاه.. v

مقالات ذات صلة:

المرأة الدرزية في كتابات الأجانب

اهتم الرحالة والمسافرون والمستشرقون الغربيون، وكذلك سكان الشرق، بالدروز وأوضاعهم، وكتبوا ذلك في  مذكراتهم ويومياتهم ومنشوراتهم، وخاصة بكل ما يتعلق

نشاطات طائفيّة 1\2023-4\2023

الآفٌ من شيوخ وأبناء الطّائفة الدّرزيّة يشاركون في زيارة سيّدنا الخضر (ع) في كفرياسيف عُقدت صباح الأربعاء 25.1.2023 مراسم الزّيارة