بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليّ الجبّار الحكيم العليم الغفّار مقدّر الأمور كما يشاء ويختار..
في هذه الأيّام غير السّهلة، والظّروف المعقّدة الّتي نعيشها في المنطقة، حيث يدور القتال فيها على أكثر من جبهة، تصادف الذّكرى الحادية والثلاثون على رحيل فضيلة سيّدنا الشّيخ أبو يوسف أمين طريف رضي الله عنه، وبهذه المناسبة تطيب لي بعيدًا عن أيّ حرب أو اقتتال الكتابة والتّأمُّل في سيرته العطرة، وما أنجزه في مشوار حياته الّذي يُعتبر المثل الأعلى، والقدوة الأفضل في كافّة النّواحي والصّعد لمِا شمله من إرث روحانيّ، وفضائل خالدة، وتضحيات وقيم سامية، وتواضع وصبر وزهد وورع وحكمة وحنكة وعقيدة نقيّة راسخة، وإحسان وبِرّ وشمائل محمودة وعدل وإنصاف وكذلك ما قدّمه لأمّة التّوحيد في البلاد وخارجها للحفاظ عليها ودرء المخاطر عنها.
لقد فقدت الطّائفة الدّرزية قبل 31 عامًا شيخ العشيرة وسيّد الجزيرة وإمام عصرها الأوحد، العماد العميد والدّر النّضيد، ومثال الطُّهر والورع، سيّدنا الشّيخ أمين طريف طيّب الله ثراه، الّذي ذاع صيته في كافّة أرجاء المعمورة حيث لم يقتصر سعيه على الحفاظ على دروز البلاد فحسب، بل كان له دور غاية في الأهمّيّة في صون أمّة التوحيد في كلّ مكان، إذ لم يكن فضيلته شخصيّة اقتصرت على عائلة، أو طائفة، أو دولة أو مكان ما، بل كان الشّخصيّة الّتي ضمّت الجميع تحت جناحيها وعطفها وحنكتها لتسطِّر في أفعالها وإنجازاتها وتقواها صفحات بارزة وخالدة في تاريخ أمّة التّوحيد جديرة بالتّدريس والتّعليم وشملها بالمناهج التّربويّة كي يطّلع الجميع وخصوصًا الأجيال الصّاعدة عليها.
وفي هذا السّياق، وما دام الحديث عن التّدريس والتّعليم لا يسعني إلّا أن أنتهز الفرصة السّانحة لأبارك الافتتاح المؤثِّر للمدرسة الدّينيّة التّوحيديّة لقرى الجليل في قرية يركا، والّتي سيملأ صفوفها طلّاب من المدن والقرى الدّرزيّة في منطقة الجليل عامّةً بحضور سماحة الشّيخ أبي حسن موفق طريف، الرّئيس الرّوحّي للطّائفة الدّرزيّة، ولفيف من المشايخ والأئمة الأجلّاء، والشّخصيّات الأخرى. ولا يراودني أدنى شكّ بأنّ هذه المدرسة تشكِّل لبنة أخرى في صرح التّعليم التّوحيديّ المتعاظم في البلاد خصوصًا وأنّ سماحة الشّيخ موفق طريف صاحب الأيادي البيضاء مع الهيئة الدّينيّة في الطّائفة الّتي تضمّ ثلّة من رجال الدّين الأفاضل وسيّاس الخلوات يولون أهميّة بالغة لمثل هذه المدارس بشكل عامّ ولموضوع التّعليم بشكل خاصّ، ولمستقبل أبنائنا وبناتنا على حدّ سواء.
وقد سبق لي أن أكّدت أن الشّعوب لا ترقى الّا بالعلم، وأن افتتاح وتشييد مثل هذه المدرسة ومدارس الإشراق التّوحيديّة الأخرى غاية في الأهميّة، خصوصًا وأنّها تحقّق الإنجازات الممتازة في التّحصيل العلميّ في الموضوعات المختلفة، وامتحانات التّوجيهي البجروت، هذا فضلاً عن دورها الهامّ في إرساء أسس ومبادئ التّوحيد في حياة طلاّبنا الأعزاء، ونحن في أشدّ الحاجة لذلك على خلفيّة كثرة التّقلّبات في حياتنا وحياة أولادنا بحكم ما نمرّ به في الفترة الأخيرة، وكذلك الظّواهر السّلبيّة الّتي بدأت تعصف بمجتمعنا، وعلى رأسها آفة العنف الآخذة في التّفاقم والازدياد والّتي لا بدّ من تظافر كافّة الجهود لاجتثاثها من جذورها.
إنّ الحرب الدّائرة منذ عام في الجبهات الجنوبيّة والشّماليّة في البلاد، وفي أماكن أخرى والّتي فُرضت على إسرائيل وكان ثمنها باهظًا للشّعب الإسرائيليّ عامّة وللطائفة الدّرزيّة خاصّة، قد عكّرت صفو حياتنا وانعكست سلبًا على مجالات حياتيّة هامّة أخرى كالعمل والتّعليم وإلغاء المناسبات المختلفة بما في ذلك الزّيارات السّنويّة لمقامات أنبيائنا عليهم السّلام والّتي كان آخرها الزّيارة السّنويّة التّقليديةّ لمقام سيدنا سبلان في قرية حرفيش ممّا حال دون وصول وفود المشايخ الكرام لإقامة الصّلوات والشّعائر الدّينيّة والتّباحث في شؤون الطّائفة، وكلّي أمل بأن تنتهي هذه الحرب وأن تعود علينا هذه الزّيارات في العام القادم باليمن والخير والبركات، بعد أن يسود الهدوء والأمن والاستقرار منطقتنا بأسرها.